بعد أحداث 11 سبتمبر: العربي إرهابي حتى تثبت براءته

صحيفة الهدف

عبدالمنعم مختار

شهد العالم في الحادي عشر من سبتمبر 2001 أحداث سقوط برجَي مركز التجارة العالمي المدوي، لكن برجاً آخر ظل قائماً لسنوات طويلة: برج الصورة النمطية عن العربي والمسلم. ومن يومها صار العربي، في جزء من المخيال الغربي، كائناً يحتاج إلى أن يثبت أنه ليس إرهابياً، وكأن جريمة ارتكبها تنظيم متطرف قد انتقلت بالعدوى إلى مليار ونصف المليار مسلم!

فجأة أصبح الوطن العربي كله وكل المسلمين في كل أرجاء المعمورة متهمين في جلسة واحدة. اللحية صارت قرينة، والحجاب شبهة، والاسم العربي أحياناً تهمة مؤجلة. وإذا كنت مسلماً وركبت الطائرة، فقد تشعر أنك لا تسافر؛ أنت تدخل امتحانآ أمنياً في مادة اسمها: «أثبت أنك إنسان طبيعي».

المفارقة أن الإسلام، الذي يختصره البعض في صورة المتطرف الملتحي، هو نفسه الدين والثقافة والحضارة التي أنتجت الفلسفة والطب والفلك والشعر والعمارة والترجمة. لكن الشاهد أن الصورة التلفزيونية أكثر سرعة من التاريخ، وأكثر قدرة على اختزال قرون من الحضارة في مشهد واحد لرجل يحمل بندقية ويصرخ.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع نحن أيضاً في الفخ المعاكس، فنحوّل الشك المشروع إلى يقين مؤامراتي. الأدلة والتحقيقات الأمريكية خلصت إلى مسؤولية تنظيم القاعدة عن هجمات 11 سبتمبر، ولم يثبت أن الهجمات كانت اختلاقاً أمريكياً. المشكلة لم تكن في إثبات وقوع الجريمة بقدر ما كانت في ما فعلته المجتمعات والسياسات والصور الإعلامية بهذه الجريمة.

والأغرب أن العراقي، الذي لم يكن هو من أسقط البرجين، وجد نفسه بعد أقل من عامين أمام ح.رب أمريكية مدمرة. وهكذا بدا الأمر في المخيال الشعبي كأن الجريمة ارتكبها شخص، لكن فاتورة الحساب وصلت إلى شعب كامل.

ثقافياً واجتماعياً، كانت الخسارة أعمق من الح.روب نفسها. فقد أصبحت كلمة «عربي» أكثر قابلية لأن تُقرأ بوصفها «مشتبهاً به»، وأصبح المسلم مطالباً أحياناً بتقديم النسخة المقبولة من إسلامه، بينما لم يكن أحد يطالب المتطرفين في أي دين بتقديم بطاقة تعريف باسم أتباع ذلك الدين جميعاً.

لكن 11 سبتمبر كشفت أيضاً وجهاً آخر: المجتمعات لا تعيش بالكراهية وحدها. ظهرت مبادرات للتضامن، وفتح كثيرون أبواب الحوار والتعارف، واكتشف أمريكيون أن المسلم الذي يعيش بجوارهم ليس «مشروع بن لادن» مؤجلاً، بل جارٌ يذهب إلى العمل، ويدفع الإيجار، ويختلف مع زوجته حول فاتورة الكهرباء، ويربي أبناءه مثل بقية خلق الله.

لقد كان الإرهاب ضربة للعالم، لكن تعميم تهمة الإرهاب كان ضربة أخرى للعقل.

وهنا ربما تكون المفارقة الأكثر مرارة: لقد احتاج العالم إلى آلاف القتلى كي يتذكر أن الإنسان لا يرث جريمة بسبب دينه أو اسمه أو أصله. ومع ذلك، بعد ربع قرن، ما زلنا نعيد الامتحان نفسه، ونرسب أحياناً في أبسط درس في الثقافة الإنسانية:

لا تجعل من المجرم ممثلاً لشعب، ولا تجعل من الضحية ذريعة لاتهام الملايين.

فقد سقط البرجان في نيويورك مرة واحدة، أما برج الكراهية، فيبدو أننا ما زلنا نعيد بناءه كل يوم.

#ملف_الهدف_الثقافي #عبدالمنعم_مختار #أحداث_سبتمبر #الصورة_النمطية #الثقافة_والإعلام #الهوية_والعالم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.