عندما يختلط الوسيط بأحد أطراف الحرب الحوار السوداني _السوداني طريق الى السلام ام شرعنة الامر الواقع؟

صحيفة الهدف

أمجد السيد

السودانيون جميعاً يريدون شيئاً واحداً قبل أي حديث آخر أن تتوقف الح.رب. فقد دفع الناس ثمناً باهظاً من أرواحهم وبيوتهم وأرزاقهم، وتشرد الملايين داخل البلاد وخارجها، ولم يعد هناك بيت سوداني تقريباً إلا وطرقته الح.رب بشكل أو بآخر.
لهذا، عندما نتحدث عن أي حوار سوداني–سوداني فإن أول سؤال يجب أن نسأله ليس من دعا إلى الحوار؟ ولا أين سيُعقد؟ وإنما هل هذا الحوار سيقود فعلاً إلى وقف الح.رب والسلام، أم أنه سيصبح طريقاً جديداً لإدارة الصراع وتقاسم النفوذ؟
من هنا تأتي أهمية بيان مفوضية الاتحاد الأفريقي الصادر في 31 أغسطس، الذي رحّب بما سُمّي مبادرة الحوار السوداني–السوداني ودعا إلى استكمال المشاورات بين مختلف القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، وربط المبادرة بخارطة طريق الاتحاد الأفريقي ومسار الآلية الخماسية.
نحن لا نرفض الحوار، ولا نعتقد أن السودان يمكن أن يخرج من أزمته من دون حوار. بالعكس، لا طريق أمام السودانيين إلا الحوار والتوافق وبناء دولة جديدة.
لكن أي حوار؟ ومن يضع شروطه؟ ومن يحدد المشاركين فيه؟ وأين يجري؟ وهل يجري في ظل الح.رب أم بعد وقفها؟
هذه الأسئلة مهمة جداً؛ لأن الحوار الذي يجري في ظل سيطرة طرف من أطراف الحرب، وتحت شروطه، وفي المناطق التي يسيطر عليها، يمكن أن يتحول من وسيلة لإنهاء الح.رب إلى وسيلة لمنح طرف واحد أفضلية سياسية جديدة.
وهنا تكمن خطورة الموقف الأفريقي.
فالوسيط الذي نحتاجه اليوم ليس وسيطاً يبحث عن طرف ينتصر سياسياً بعد أن عجزت الح.رب عن حسم الصراع، وإنما وسيطاً يساعد السودانيين على إيقاف الح.رب أولاً، ثم الجلوس معاً على قدم المساواة للاتفاق على مستقبل بلادهم.
المشكلة إذن ليست في كلمة حوار وإنما في الطريق الذي يقود إليه هذا الحوار.
ومن هذه النقطة تحديداً يمكن فهم اعتراض قوى إعلان المبادئ السوداني ويمكن أيضاً تفكيك الموقف الأفريقي بعيداً عن الشعارات ووضعه أمام سؤال بسيط يفهمه كل سوداني هل نحن أمام حوار يقود إلى السلام، أم أمام حوار يمكن أن يمنح الح.رب شكلاً سياسياً جديداً؟
المشكلة ليست في مبدأ الحوار وإنما في شروطه لا أحد يستطيع أن يعترض على مبدأ الحوار السوداني–السوداني من حيث المبدأ. السودان يحتاج إلى حوار وطني شامل بل إن إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة لن يكونا ممكنين من دون عملية سياسية واسعة تشارك فيها القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، بعيداً عن الإقصاء والاستعلاء السياسي والعسكري.
لكن الحوار لا يصبح وطنياً لمجرد أن اسمه حوارسوداني سوداني
الحوار الوطني هو عملية وشروط وضمانات وأطراف متكافئة، وليس مجرد تسمية سياسية.
وهنا تبرز الأسئلة التي لم يجب عنها الموقف الأفريقي هل يمكن أن يكون الحوار شاملاً بينما تنطلق الدعوة إليه من منطقة تخضع لسيطرة طرف من طرفي الح.رب؟
هل يمكن أن يكون مستقلاً بينما تأتي المبادرة في سياق سياسي وعسكري يهيمن عليه طرف من أطراف الصراع؟
هل يمكن أن يكون جامعاً بينما ملايين السودانيين خارج تلك المناطق، سواء بسبب النزوح أو اللجوء أو الح.رب، لا يملكون حتى القدرة العملية على المشاركة؟
وهل يمكن أن ينتج الحوار سلاماً بينما لا يسبقه وقف فعلي للق.تال أو هدنة إنسانية تتيح للسودانيين التقاط أنفاسهم والانتقال من منطق الح.رب إلى منطق السياسة؟
هذه ليست أسئلة شكلية، وإنما هي جوهر القضية.
الاتحاد الأفريقي يقول الشمول لكن السؤال كيف يبدأ الحوار؟ المفارقة في بيان المفوضية أنها تشدد على أن تشمل المشاورات جميع القوى المدنية والسياسية والمجتمعية السودانية وتؤكد مبادئ الشمول والملكية والقيادة السودانية. كما تتحدث عن الهدف النهائي المتمثل في سودان موحد وذي سيادة وسلام، تحكمه مؤسسات مدنية شرعية وهيكل أمني قومي واحد.
وهذا كلام لا يمكن الاختلاف معه من حيث المبدأ.
لكن السؤال الحقيقي هو هل الشمولية تبدأ بعد إطلاق المبادرة أم قبلها؟ إذا كانت المبادرة قد انطلقت في بيئة تهيمن عليها سلطة أحد أطراف الح.رب، فإن إضافة أطراف أخرى إليها لاحقاً لا تكفي وحدها لجعل العملية محايدة أو متوازنة.
الشمولية تبدأ من تصميم العملية نفسها.
فمن يحدد مكان الحوار؟ ومن يضع أجندته؟ ومن يختار اللجنة التي تديره؟ ومن يحدد القوى التي تتم دعوتها؟ وما الضمانات التي تمنع أي طرف من استخدام نفوذه العسكري لفرض رؤيته السياسية؟
هذه هي الأسئلة التي كان ينبغي أن تكون في مقدمة اهتمام الوسيط الأفريقي.
أخطر ما في الموقف الأفريقي تطبيع الأمر الواقع من أخطر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها الوساطة الدولية والإقليمية أن تنتقل من محاولة إنهاء الح.رب إلى محاولة إدارة نتائجها.
فعندما تتحول السيطرة العسكرية على الأرض إلى مدخل لتحديد من يطلق المبادرات السياسية، ومن يختار مكان الحوار، ومن يحدد أجندته، فإن الح.رب تصبح بصورة غير مباشرة وسيلة لإنتاج الشرعية السياسية.
وهنا تكمن الخطورة.
لأن أحد أخطر الدروس التي يجب ألا نتجاهلها هو أن السيطرة على الأرض لا تعني امتلاك الشرعية السياسية.
إذا قبل المجتمع الإقليمي والدولي بأن تتحول السيطرة العسكرية إلى ورقة تمنح صاحبها أفضلية في تشكيل المستقبل السياسي، فإن الرسالة التي تصل إلى أطراف النزاع ستكون خطيرة
كلما وسّعت سيطرتك العسكرية، ازدادت فرصتك في فرض شروط العملية السياسية.
وهذا بالضبط ما يجب أن تمنعه الوساطة، لا أن تكرسه.
الحديث عن الدولة المدنية لا يكفي
قد يبدو إيجابياً أن بيان الاتحاد الأفريقي يتحدث عن مؤسسات مدنية شرعية ودولة ديمقراطية موحدة، وعن هيكل أمني قومي واحد لكن الانتقال من اللغة إلى السياسة هو الاختبار الحقيقي الدولة المدنية لا تُبنى عبر حوار تجريه سلطة عسكرية أو في ظل تفوق طرف عسكري، ثم يُطلب من القوى السياسية الدخول إليه باعتباره المسار الطبيعي الدولة المدنية تبدأ من قاعدة واضحة
لا شرعية سياسية تُستمد من البندقية
وإذا كان الهدف فعلاً هو بناء دولة مدنية ديمقراطية، فإن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الحرب، وتهيئة بيئة سياسية آمنة، وإعادة بناء المؤسسات على أساس مدني، ثم إطلاق عملية سياسية شاملة لا تكون فيها القوة العسكرية هي المحدد الرئيسي لأوزان المشاركين.
من الحوار إلى شرعنة طرف؟المسألة الأكثر حساسية في بيان الاتحاد الأفريقي هي ربط المبادرة بخارطة طريق الاتحاد ومسار الآلية الخماسية.
فالبيان لا يكتفي بالقول إنه يرحب بحوار سوداني، بل يقرر أن المبادرة تعزز خارطة الطريق الأفريقية ومسار الآلية الخماسية ضمن استراتيجية متماسكة يقودها أصحاب المصلحة السودانيون.
وهنا تنتقل المسألة من مجرد ترحيب دبلوماسي إلى إسناد سياسي فحين تمنح مؤسسة إقليمية ذات وزن قاري مبادرةً ما مكاناً داخل مسارها السياسي، فإنها تمنحها بالضرورة قدراً من المشروعية.
ولهذا فإن التحفظ الذي عبّرت عنه قوى إعلان المبادئ السوداني بشأن تصميم الآلية الخماسية ليس تفصيلاً هامشياً.
المطلوب من الوساطة أن توحّد المسارات، لا أن تخلق مساراً جديداً يلتف حول جوهر الأزمة.
وإذا كان المسار الأفريقي يريد أن يكون جزءاً من الحل، فعليه أن يجيب بوضوح كيف ستضمن الآلية الخماسية ألا يتحول الحوار إلى منصة لإعادة إنتاج سلطة الأمر الواقع؟
الاتحاد الأفريقي يضع المبادئ الصحيحة لكن التطبيق هو المشكلة الموقف الرسمي للاتحاد الأفريقي يكرر باستمرار الحديث عن وحدة السودان، والدولة الديمقراطية، والحوار الشامل والملكية السودانية للعملية السياسية. وفي بيانه الأخير أعاد التأكيد على هذه المبادئ نفسها، وقال إن الهدف هو سودان موحد وذي سيادة وسلمي تحكمه مؤسسات مدنية شرعية إذن المشكلة ليست في المبادئ المعلنة المشكلة في ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسة سياسية.
إذا كانت العملية سودانية الملكية فيجب ألا تكون ملكية طرف واحد وإذا كانت شاملة، فلا ينبغي أن تبدأ من مبادرة تستمد قوتها من موقع طرف عسكري وإذا كانت تستهدف الدولة المدنية، فلا ينبغي أن تؤدي عملياً إلى تعزيز شرعية الحكم العسكري وإذا كانت تستهدف وحدة السودان، فلا يجوز تجاهل خطر أن تؤدي هندسة سياسية قائمة على مناطق السيطرة العسكرية إلى تكريس الانقسام الذي أنتجته الحرب.
منذ اندلاع الح.رب في أبريل 2023، أنتج الصراع واقعاً بالغ التعقيد: مناطق نفوذ، نزوح واسع، انهيار مؤسسات الدولة، تدهور اقتصادي وإنساني، وانقسام سياسي ومجتمعي عميق ولهذا فإن أي عملية سياسية جادة يجب أن تبدأ من السؤال الأكثر إلحاحاً
كيف نوقف الح.رب؟
وليس كيف نعيد ترتيب القوى السياسية في ظل الحرب؟
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين وساطة تسعى إلى السلام ووساطة تسعى إلى إدارة الأزمة إن إطلاق حوار سياسي دون معالجة شروط الحرب قد يجعل الحوار نفسه جزءاً من الح.رب فالطرف الذي يمتلك الأرض والسلاح والإدارة في منطقة معينة يمتلك بالضرورة قدرة أكبر على التأثير في الحضور والتمثيل والأجندة والمخرجات.
ومن ثم فإن الحديث عن الملكية السودانية لا يكفي، ما لم تكن هناك ملكية سودانية متساوية للعملية السياسية لا يمكن محاربة التقسيم بتكريس جغرافيته السياسية الحديث عن وحدة السودان في بيان الاتحاد الأفريقي مهم وإيجابي، لكنه يحتاج إلى ترجمة عملية فالسودان لا يُقسّم فقط عندما تُرسم الحدود بين مناطق السيطرة.
يمكن أن يبدأ التقسيم من السياسة أيضاً
حين تصبح لكل منطقة سلطة سياسية مختلفة.
وحين تصبح لكل طرف مؤسساته وشرعيته ومشروعه السياسي وحين تتحول الجغرافيا العسكرية إلى جغرافيا سياسية.
وحين يتعامل الخارج مع كل منطقة بوصفها مركزاً مستقلاً لإنتاج الشرعية ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس فقط إعلان الانفصال وإنما تطبيع الانقسام التدريجي وهنا يصبح رفض أي مسار سياسي يُبنى على الأمر الواقع العسكري دفاعاً عن وحدة السودان، وليس رفضاً للحوار أو للسلام.
المطلوب من الاتحاد الأفريقي ليس الانسحاب بل تصحيح المسار
ليس المطلوب أن ينسحب الاتحاد الأفريقي من الملف السوداني على العكس، السودان يحتاج إلى دور أفريقي قوي وفاعل ومستقل لكن الدور الأفريقي ينبغي أن يكون واضحاً
وقف الح.رب أولاً
حماية المدنيين ثانياً
فتح المجال أمام عملية سياسية شاملة ثالثاً.
ثم بناء ترتيبات انتقالية مدنية تعالج جذور الأزمة.
ولا ينبغي أن تكون الأولوية لمن يسيطر على الخرطوم أو الفاشر أو أي مدينة أخرى، وإنما لمن يستطيع أن يقدم للسودانيين طريقاً للخروج من الحرب إلى الدولة.
فالوسيط الحقيقي لا يبحث عن طرف منتصر ليبني عليه السلام، وإنما يبحث عن تسوية عادلة تنهي أسباب الحرب وتمنع تكرارها.
المطلوب مراجعة البيان لا مهاجمة الاتحاد من المهم أن يكون النقد موجهاً إلى الموقف لا المؤسسة.
فالتهديد الحقيقي لمصداقية الاتحاد الأفريقي ليس أن ينتقده السودانيون، وإنما أن يفقد قدرته على التمييز بين الوساطة والانحياز، وبين الحوار والشرعنة، وبين إدارة الأزمة السودانيون لا يحتاجون إلى حوار جديد من أجل الحوار ولا يحتاجون إلى مؤتمر جديد يضيف وثيقة إلى عشرات الوثائق السابقة.
السودانيون يحتاجون إلى سلام يوقف الموت، ويعيد النازحين واللاجئين، ويحفظ وحدة البلاد، وينهي عسكرة السياسة، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، ويعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.
وهذا السلام لا يمكن أن يكون نتاجاً لصفقة بين مراكز القوة العسكرية بل يجب أن يكون نتاجاً لعملية سياسية سودانية واسعة، مستقلة، شاملة، ومحكومة بضمانات إقليمية ودولية حقيقية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تتحول كلمة الحوار إلى غطاء سياسي للحرب، وأن تتحول كلمة الحوار السوداني السوداني إلى وسيلة لإخفاء حقيقة أن شروط العملية السياسية قد تتأثر بموازين القوة التي فرضتها الح.رب.
وهنا تصبح مسؤولية الاتحاد الأفريقي مضاعفة فالوسيط لا يُقاس بعدد البيانات التي يصدرها، وإنما بقدرته على منع تحويل الح.رب إلى وسيلة لإنتاج الشرعية السودان لا يحتاج إلى شرعية جديدة لمن يملك السلاح؛ السودان يحتاج إلى شرعية جديدة للدولة المدنية ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الاتحاد الأفريقي والآلية الخماسية وكل الوسطاء واضحة لا تعترضوا على الحوار، بل احموا شروط الحوار لا ترفضوا الملكية السودانية، بل اجعلوها ملكية لكل السودانيين لا تتحدثوا عن وحدة السودان، بل امنعوا المسارات التي قد تطبع الانقسام.
ولا تمنحوا أي طرف في الحرب شرعية سياسية إضافية قبل أن يضع الس.لاح على طاولة السلام.
فالسلام الذي يبدأ بمنح أحد طرفي الح.رب أفضلية سياسية لن يكون سلاماً.
والحوار الذي يُدار تحت ظل البندقية لن يكون حواراً وطنياً.
والتسوية التي تجعل نتائج الح.رب أساساً لبناء الدولة قد تنجح في إيقاف معركة، لكنها لن تنجح في إنهاء الح.رب.
لا صوت يعلو فوق صوت وقف الح.رب، ولا شرعية لحوار تصنع شروطه البندقية، ولا سلام مستداماً من دون دولة مدنية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.