مصيدة الأرصدة المعطلة: كيف يشرعن قرار تجميد الحسابات البنكية عقاب السودانيين في زمن الحرب؟

صحيفة الهدف

المحرر الاقتصادي

أصدر بنك السودان المركزي خطاباً يلزم البنوك بتجميد أي حساب مصرفي لم يتم تحديث بياناته خلال شهرين، في خطوة بررت بـ(مكافحة غسل الأموال) و(تحديث الأنظمة المصرفية). لكن تطبيق هذا القرار في خضم حرب مدمرة، ونزوح غير مسبوق، وانهيار في البنية التحتية، يحوله من إجراء رقابي إلى عقاب جماعي للمواطنين، وستار لتمرير الفساد وحماية شبكات النظام البائد. هذا التقرير يستعرض التداعيات الإنسانية والاقتصادية للقرار، ويقدم توصيات عملية لتعديل مساره.

في سياق الحرب الراهنة، يتجاهل القرار واقع النزوح والتهجير الذي يعيشه السودان اليوم. فملايين النازحين داخلياً، من الخرطوم إلى كسلا، ومن الفاشر إلى تشاد، ومن الجنينة إلى إثيوبيا، وجدوا أنفسهم بعيدين عن فروع بنوكهم، ومعظمهم فقد مستنداته الثبوتية بعد أن احترقت بيوتهم أو نُهبت ممتلكاتهم. البنية التحتية منهكة، شبكة الاتصالات مشلولة، الكهرباء مقطوعة، والطرق غير آمنة. القرار يفترض أن المواطن في مكان مستقر، قادر على الوصول لفرع البنك، ومعه أوراقه الثبوتية. هذا الافتراض غير صحيح، ويجعل القرار غير قابل للتطبيق عملياً، بل ويحوله إلى أداة لتجميد أموال الضحايا بدلاً من المجرمين.

أما التداعيات الاقتصادية فكارثية، حيث سيؤدي تجميد الحسابات إلى شلل المرتبات والمعاشات، فموظف حكومي نازح أو متقاعد يعيش على معاشه سيجد حسابه مجمداً، مما يحرم أسراً كاملة من مصدر رزقها الوحيد ويزيد من معدلات الفقر والجوع. كما سيدفع القرار المواطنين إلى سحب مدخراتهم نقداً والتعامل خارج النظام المصرفي، مما يعني تراجع الشمول المالي سنوات إلى الوراء، ونمو السوق الموازي وغير الرسمي، وصعوبة تتبع التدفقات المالية، وهو ما يناقض الهدف الأساسي للقرار. والأكثر خطورة هو تأثير القرار على تحويلات المغتربين، الذين يشكلون شرياناً اقتصادياً حيوياً لملايين الأسر، فإذا وجدوا حسابات ذويهم مجمدة ستتوقف التحويلات وستنهار أسر بأكملها تعتمد عليها.

وتتفاقم الأزمة حين ننظر إلى البنية المصرفية نفسها، فأكثر من 60% من فروع البنوك متوقفة بسبب الحرب، والكهرباء مقطوعة لمدد طويلة، والأنظمة المصرفية متعطلة. فكيف يراقب البنك المركزي (الأنماط غير المعتادة)، في بيئة مصرفية مشلولة؟ القرار يحاسب المواطن، ويعفي المؤسسة التي فشلت في أداء دورها الأساسي. والأخطر أن هذا القرار يصدر من مؤسسة ظلت لعقود مركزاً لتمكين الفساد، حيث فُتحت حسابات وهمية بالملايين لشركات النظام البائد، وتم تهريب الذهب والدولار عبر نوافذ خاصة واستثناءات، وغُسلت مليارات داخل الجهاز المصرفي نفسه. اليوم يتحدثون عن (مكافحة غسل الأموال)، بينما سمحوا لشبكات الفساد بالتحكم في عصب الاقتصاد. من يريد محاربة الفساد فليبدأ بتطهير بيته أولاً.

القرار أيضاً يفتقر إلى العدالة والتمييز في التطبيق، فهو لا يفرق بين تاجر كبير يغسل أموال الحرب عبر شركات واجهة، وأم نازحة تحول مبلغاً زهيداً لأولادها في معسكر، ومتقاعد عجوز لا يستطيع الحركة. هذا التعميم في العقاب هو أخطر أشكال الظلم الإداري في أوقات الأزمات، لأنه يطبق نفس الإجراء على الجميع دون مراعاة للفروق الإنسانية والاجتماعية.

بدلاً من هذا القرار، كان يمكن لبنك السودان اتخاذ إجراءات أكثر إنسانية وفعالية، مثل تجميد القرار فوراً في ولايات الحرب والنزوح حتى إشعار آخر، ومنح فترة سماح طويلة تصل إلى 12 شهراً مع حملة توعية وطنية، وإنشاء مراكز متنقلة في معسكرات النزوح لتحديث البيانات، وقبول شهادات من منظمات أو لجان كبديل مؤقت لإثبات الشخصية، والتركيز على الحسابات الكبيرة والشركات الوهمية وكبار المهربين، لا على حساب المواطن البسيط.

في الختام، نحن لا نرفض مكافحة غسل الأموال، لكننا نرفض أن نعالج السرطان ببتر اليد السليمة. في زمن الحرب، الأولوية هي إبقاء الناس على قيد الحياة وحفظ أموالهم وضمان وصول الدعم لمن يحتاجه. قرار بهذه الصرامة، في هذا التوقيت، ومن مؤسسة غارقة في فساد التمكين، يحمل ثلاث قراءات محتملة: إما جهل كامل بواقع السودان، وهذا خطأ إداري فادح، أو تعمد خنق المواطن ودفعه خارج النظام المالي الرسمي، أو محاولة لذر الرماد في العيون والتغطية على فساد الكبار. الحرب وحدها كافية لتجويع الناس، فلا تزيدوها بقرارات بيروقراطية تقتل ما تبقى من أمل، ولا تستخدموا “مكافحة غسل الأموال” كذريعة لمعاقبة الفقراء وحماية الفاسدين.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #السودان #الاقتصاد_السوداني #بنك_السودان #حرب_السودان #تجميد_الحسابات #القطاع_المصرفي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.