طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
في حواره الممتد مع صحيفة (مداميك)، لم يقدم المناضل المهندس عادل خلف الله، الناطق الرسمي باسم حزب البعث العربي الاشتراكي – قطر السودان، قراءة للحرب الراهنة فحسب، بل وضعها في سياقها التاريخي الأوسع، رابطاً إياها بسلسلة من الانقلابات العسكرية التي تعاقبت على السودان منذ استقلاله. فالحرب، في هذه الرؤية، ليست حدثاً طارئاً، بل هي حلقة في سلسلة من الأزمات المتراكمة، نتاج فشل الأنظمة العسكرية في تقديم بديل حقيقي للدولة المدنية الديمقراطية.
ويصف المناضل المهندس عادل خلف الله، الناطق ما يحدث في السودان بأنه: (أكبر كارثة إنسانية في تاريخ البلاد). وهذا الوصف، رغم قسوته، يعكس حجم المأساة التي يعيشها السودان جراء استمرار الحرب وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والنفسية. فالحرب، كما يؤكد الحوار، ليست مجرد صراع عسكري، بل هي تدمير بنيوي شامل، واستنزاف لكل مقومات الحياة..
وإذا كانت الانقلابات قد تكررت في السودان، فإن حزب البعث ظل، طوال هذه العقود، متمسكاً بموقف ثابت منها: رفضها، ومعارضتها، والإيمان بأن الحلول السياسية السلمية هي الخيار الوحيد والحتمي. وهذا الموقف، كما سنرى، ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو رؤية فلسفية متكاملة لتجاوز أزمات السودان، وبناء دولة المواطنة والمؤسسات.
الموقف التاريخي لحزب البعث من الانقلابات: ثبات المبدأ:
يضع حزب البعث الأساس الذي بنى عليه موقفه الرافض للحرب والداعي لوقفها عبر التفاوض، في: (موقفه الفكري المبدئي الذي يؤمن بالحلول السياسية السلمية لقضايا التطور الوطني ولفض الخلافات بين الفرقاء). وهذا الموقف، بحسب الحوار، ليس وليد اللحظة، بل هو: (ذات الأساس الذي رفض به الحزب ما سمي بـ (الحل العسكري)، لقضية جنوب السودان في عهد المجلس العسكري لانقلاب 17 نوفمبر 1958، وذات الأساس الذي عارض به انقلابَي 25 مايو 1969 و30 يونيو 1989، وكذا انقلاب 25 أكتوبر 2021).
وهذا التذكير بالمواقف التاريخية للحزب يحمل دلالة بالغة الأهمية: فالحزب لم يتخذ موقفه من الحرب الحالية انتهازياً أو ظرفياً، بل هو امتداد لموقف فكري راسخ، جرى اختباره في محطات مصيرية متعددة. وقد أثبتت الأحداث، كما يؤكد الحوار أن (تاريخ الأنظمة العسكرية يثبت أن الحلول السياسية السلمية هي الخيار الوحيد والحتمي). فجميع الأنظمة التي (استولت على السلطة بالقوة وتبنت العنف للحفاظ عليها، سقطت بالإرادة الشعبية السلمية عبر الإضراب السياسي والعصيان المدني. وهذا التأكيد ليس مجرد موقف سياسي، بل هو حقيقة تاريخية أثبتتها تجارب السودان المتعاقبة، من سقوط نظام نميري إلى سقوط نظام الإنقاذ، مروراً بمحاولات الانقلابات الفاشلة.
حرب 15 أبريل: النتيجة الحتمية لفشل انقلاب 25 أكتوبر:
يقرأ حزب البعث الحرب الحالية في سياقها المباشر، معتبراً أنها (النتيجة الحتمية لفشل انقلابهم على الانتقال الديمقراطي في 25 أكتوبر 2021). فانقلاب أكتوبر، في هذه الرؤية، لم يكن مجرد تغيير للحكومة، بل كان قطعاً للطريق الديمقراطي، وإجهاضاً لتجربة انتقالية كانت تمثل أمل السودانيين في بناء دولة مدنية. وعندما فشل هذا الانقلاب في فرض نفسه، تحول إلى حرب، كآخر أوراقه، محاولاً البقاء في السلطة بأي ثمن.
وهذا التحليل يضع الحرب في سياقها السياسي الحقيقي: ليست صراعاً بين طرفين متساويين، بل هي استمرار للصراع بين مشروع الدولة المدنية ومشروع الهيمنة العسكرية، بين الإرادة الشعبية السلمية والاستبداد المسلح. وقد أكدت الأحداث، بحسب الحوار (عبثية هذه الحرب وتدميرها البنيوي الشامل، كما أثبتت صحة موقف حزب البعث وسلامة تقديراته وتحذيراته المسبقة من مخاطر عدم إيقافها).
يكشف الحوار عن حقيقة مهمة: أن فرضية الحسم العسكري، التي كانت تراود طرفي النزاع، قد تبددت تماماً. فالحرب، بدلاً من أن تحسم لصالح طرف، تحولت إلى أداة لاستنزاف الوطن، حيث يغذي طرفا النزاع الصراع (تحويله إلى حرب استنزاف تضمن بقاءهما، لا سيما بعد أن تبددت فرضية الحسم العسكري في عقيدة كليهما). وهذه الفكرة تحمل دلالة عميقة: فالحرب لم تعد وسيلة لتحقيق النصر، بل أصبحت غاية في حد ذاتها، أداة لإطالة أمد الصراع والحفاظ على مواقع النفوذ. وهذا يعني أن استمرار الحرب لم يعد يخدم أي طرف بالمعنى الاستراتيجي، بل أصبح يخدم فقط بقاء الأطراف المتحاربة في مواقعها. وهذا هو جوهر عبثية الحرب التي يتحدث عنها الحوار.
يتناول الحوار دعوة الفريق عبد الفتاح البرهان لإعلان العفو عن قيادات تحالف (صمود)، ويصفها بأنها محاولة يائسة للهروب من فقدان الشرعية. فيقول: (ينطبق على هذه الدعوة المقولة الشعبية الشهيرة: الجواب باين من عنوانه)، إذ يبرز توقيت الدعوة تشبث الفريق البرهان بالسلطة والاستمرار فيها كالشمس في وضح النهار.
ويحلل المناضل المهندس خلف الله في الحوار هذه الدعوة في سياقها الأوسع، مؤكداً أنها (لا يمكن عزلها عن سياق التدابير الأحادية التي درج الفريق عبد الفتاح البرهان على اتخاذها في محاولة منه للخروج من نفق فقدان الشرعية والتفرد بالقرار). ويذكر الحوار أمثلة على هذه التدابير: (إعلانه تشكيل المحكمة الدستورية، وإعادة تشكيل هيئة أركان القوات المسلحة، وتعيين محافظ لـلبنك السودان المركزي، ورئيس للوزراء وغيرها).
ويشبه المناضل المهندس خلف الله، هذه الممارسات بـ (المنهجية التي اتبعها الرئيس المخلوع عمر البشير فيما عرف سابقاً بـ (حوار الوثبة).، محذراً من أنها لا تنفصل عن (مساعي بعض الأطراف الإقليمية والدولية لهندسة تسوية فوقية، قبل وقف الحرب، تضمن إبقاء أطراف النزاع جزءاً من مشهد ما بعد الحرب للسيطرة على مسار البلاد ورعاية مصالح تلك القوى.
وأشار المناضل المهندس خلف الله الى إن حزب البعث يتعامل مع مبادرة الآلية الخماسية بإيجابية نقدية. فهو يعلن أنه (تفاعل مع مبادرة الآلية الخماسية إيجابياً منذ بداية طرحها وأعلن ذلك رسمياً)، لكنه في الوقت نفسه (نبه مبكراً – عبر لقاءات مباشرة ومذكرات مكتوبة – إلى وجود خلل في النهج الذي تتبعه الآلية، فضلاً عن التهاون في الالتزام بالهدف الجوهري للعملية، مما يفقدها المصداقية والتأثير الإيجابي لإنهاء معاناة السودانيين).
ويحدد حزب البعث (وفقاً للمناضل المهندس خلف الله) سبب فشل الآلية حتى الآن في: (تكرار الأخطاء والإصرار على المنهج ذاته)، ويؤكد أن نجاحها مرهون بـ (النأي عما بات يُعرف بـ (الإغراق)، أي بالابتعاد عن إشراك داعمي الحرب وواجهاتهم، حتى تكون المبادرة أكثر تعبيراً عن رغبة غالبية السودانيين الرافضين لاستمرار الحرب). وبدون ذلك، يحذر الحزب من أن: (لن يكون هناك أي تقدم ملموس في عمل الخماسية).
كما يحذر الحوار من ظاهرة (إغراق المبادرات الدولية بداعمي الحرب)، معتبراً أنها تفرغ هذه المبادرات من مصداقيتها وتطيل أمد المعاناة. فالمبادرات التي تضم من أشعلوا الحرب وواجهاتهم، تفقد قدرتها على أن تكون وسيلة حقيقية للسلام، لأنها تصبح جزءاً من اللعبة السياسية التي تستغل الحرب لخدمة أجندات ضيقة.
وهذا الموقف يعكس رؤية حزب البعث للعلاقة بين الداخل والخارج: فالمبادرات الدولية، لتكون ناجعة، يجب أن تعكس إرادة السودانيين الرافضين للحرب، لا أن تكون أداة لتمرير تسويات تخدم مصالح الأطراف المتصارعة أو القوى الخارجية.
يقدم الحزب رؤية متقدمة للتنوع الثقافي في السودان، مؤكداً أن حزب البعث (أقرّ منذ مؤتمره التأسيسي في أبريل 1947 بالتنوع الثقافي والحضاري على مستوى الأمة العربية، في إطار مفهومه للوحدة والتكامل مع الحرية والاشتراكية).
ويذكر الحوار أن قيادي الحزب الشهيد عبد الله عبد الرحمن طرح في ندوة رابطة طلاب الجنوب بكلية الزراعة بشمبات في 13 أكتوبر 1964 – ولأول مرة – مفهوم (التمايز الثقافي والحضاري بين الشمال والجنوب)، وضرورة الإقرار به دستورياً وإدارياً. وقد شكل ذلك الطرح (البذرة للرؤية الشاملة حول (التنوع في إطار الوحدة)، في وثائق الحزب).
ويؤكد حزب البعث أن (القضية بمساهماتها الفكرية وتطبيقاتها العملية تتجاوز التساؤل حول (كيف يوفق البعث بين الهوية والتنوع؟)، كونه يلمح لوجود أزمة أو معضلة، بينما الواقع أثبت قدرة الفكر القومي التحرري على استيعاب التعدد وإثرائه في إطار الوحدة المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والتنمية السيادية والمساواة المنطلقة من المواطنة المتساوية الحقوق.
لا يقتصر مشروع الحزب على الجانب السياسي، بل يمتد إلى رؤية اقتصادية متكاملة. فقد قدمت اللجنة الاقتصادية لحزب البعث، وفقاً لحوار المناضل المهندس خلف الله، (رؤية وطنية شاملة لمواجهة تداعيات الحرب وإعادة الإعمار)، للقوى السياسية والاجتماعية والمختصين والأكاديميين، وجرى إثراؤها وتحديثها المستمر عبر الحوارات الواسعة والتفاعل الميداني.
وتشكل هذه الرؤية (مساهمة علمية وغنية قابلة للتنفيذ الفوري)، وقد نُشرت تفصيلياً في صحيفة وموقع (الهدف)، وصاحبتها سلسلة من المقالات والشروحات التوضيحية. وهي تعكس إدراك الحزب لأهمية وجود أولويات سياسية واقتصادية متوافق عليها لمرحلة ما بعد وقف الحرب.
المعارضة الإيجابية: مفهوم متطور للعمل السياسي
يقدم حزب البعث مفهوماً متطوراً للعمل السياسي، وهو (المعارضة الإيجابية)، التي صاغها (في مواجهة الحكومات المنتخبة، حمايةً لأهداف الثورة وتمايزاً عن معارضة فلول الأنظمة البائدة). فهذا المفهوم يعكس رؤية حزب البعث للديمقراطية كعملية مستمرة، لا تنتهي بالانتخابات، بل تمتد إلى مراقبة الأداء الحكومي وتصحيح مساره.
والمعارضة الإيجابية، في هذه الرؤية، ليست معارضة من أجل المعارضة، بل هي مشاركة نقدية بناءة، تهدف إلى تصويب السياسات، وحماية مكاسب الثورة، ومنع الانحراف عن الأهداف الوطنية. وهي تعكس نضجاً سياسياً، وقدرة على التعامل مع الاختلاف في إطار المؤسسات الدستورية.
يتناول الحوار نظام (الإنقاذ) وشعارات (المشروع الحضاري)، مؤكداً أنها (جرت على البلاد عقوبات اقتصادية وقرارات دولية صارمة، رغم التنازلات الضخمة التي قدمتها الحركة المتأسلمة للبقاء في السلطة، والتي توجت بتقاسم الحكم تمهيداً لفصل الجنوب وإغراق البلاد في ديون طائلة).
ويشير الحوار إلى أن ثورة ديسمبر 2018 (أربكت الحسابات وفاجأت نظام الإنقاذ ومخططات احتوائه الخارجية، التي صيغت تحت مسمى (الهبوط الناعم)، ومخرجات منتديات (تشاتام هاوس)، لتأتي الحرب العبثية لاحقاً وتزيد الطين بلة.
يقرأ حزب البعث التدخلات الإقليمية والدولية في الأزمة السودانية بوصفها (سبباً ونتيجة للأزمة الوطنية في السودان في آنٍ واحد). ويربطها بحقيقتين جوهريتين: الأولى، (الموقع الجيوسياسي الفريد وثروات البلاد الهائلة)، والثانية، (المتغيرات الدولية واختلال موازين القوى العالمية، مع صعود قوى جديدة تتسابق على الهيمنة والنفوذ في مناطق حيوية يمثل السودان مركز ثقل فيها).
ويخلص حزب البعث، ومن خلال الناطق الرسمي إلى أن المخرج الأوحد من هذه التدخلات يكمن في (بناء جبهة شعبية واسعة تتكتل فيها القوى السياسية والاجتماعية، لبلورة ميزان قوى وطني يرجّح كفة الإرادة والمصلحة الوطنية المستقلة، ويقطع الطريق أمام كافة أشكال الوصاية والتدخلات الخارجية). فالجبهة الشعبية، في هذه الرؤية، ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل هي مشروع وطني جامع، يعبر عن إرادة الشعب في مواجهة التدخلات، ويحمي السيادة الوطنية، ويؤسس لدولة قوية قادرة على اتخاذ قرارها المستقل.
خاتمة: يقدم المناضل المهندس خلف الله الناطق الرسمي باسم حزب البعث العربي الاشتراكي – قطر السودان، من خلال هذا الحوار، رؤية متكاملة لتجاوز أزمات السودان، تقوم على أسس واضحة: رفض الانقلابات عموماً، ومقاومة الحرب، والإيمان بالحلول السلمية، وبناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية، والديمقراطية التعددية، والعدالة الاجتماعية، واحترام التنوع الثقافي، ورفض التسويات المفروضة من الخارج.
وهذه الرؤية، كما يوضح الحوار، ليست جديدة، بل هي امتداد لمواقف تاريخية ثابتة، جرى اختبارها في محطات مصيرية متعددة. وهي تؤكد أن الخلاص لا يأتي من الخارج، ولا من الانقلابات، ولا من الحروب، بل من وعي الشعب وإرادته، ومن بناء دولة المؤسسات والقانون.
فالسودان، كما يختصر الحوار، لا يحتاج إلى أن ينتقل من حرب إلى تسوية، ثم من تسوية إلى أزمة، ثم من أزمة إلى انقلاب، ثم من انقلاب إلى حرب جديدة. بل يحتاج إلى كسر هذه الحلقة التاريخية، وإلى بناء دولة يكون فيها الجيش جيش الوطن، والسلطة سلطة الشعب، والثروة ملكاً للمجتمع، والقانون فوق الجميع، والاختلاف السياسي طريقاً إلى الحوار لا طريقاً إلى البندقية.
# (جاء هذا الحوار مع الناطق الرسمي المناضل المهندس عادل خلف الله باسم حزب البعث العربي الاشتراكي – قطر السودان، من إعداد وإدارة الأستاذ يوسف الغوث، ليطرح رؤية فكرية متكاملة حول مستقبل السودان، متجاوزاً حدود الحوار التقليدي إلى وثيقة سياسية وفكرية تستحق التوقف والتحلي).

Leave a Reply