لجان المقاومة لن تكون حصان طروادة

صحيفة الهدف

ماجد الغوث

هناك فرق بين أن تختلف مع لجان المقاومة أو تنتقد مواقفها، وبين أن تحاول سحبها من موقعها الطبيعي كقوة جماهيرية مستقلة إلى موقع آخر داخل ترتيبات سياسية يجري إعدادها من خارجها.

وهنا تكمن المسألة التي تستحق التوقف أمامها.

ففي الفترة الأخيرة بدأت تظهر بيانات تُنسب إلى لجان أو تنسيقيات مقاومة، وتحمل مواقف تبدو في بعض الحالات بعيدة عن الخط السياسي الذي عبّرت عنه قطاعات واسعة من لجان المقاومة والقوى الموقعة على الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب، خصوصاً فيما يتعلق بموقفها من طرفي الح.رب، ومن جذور الأزمة، ومن شكل الدولة التي ينبغي أن تقوم بعد توقف الق.تال.

الأمر، إذن، لا يتعلق بمجرد اختلاف في التعبير أو تباين طبيعي في قراءة الأحداث، وإنما يتعلق بسؤال أكبر:

هل يجري دفع لجان المقاومة إلى موقع سياسي جديد؟

وإذا كان الأمر كذلك، فمن المستفيد من نقلها من موقعها الجماهيري المستقل إلى موقع يمكن استخدامه ضمن ترتيبات سياسية يجري تشكيلها من أعلى؟

وهنا تحديداً يبرز السؤال الأهم:

ماذا تريد سلطة بورتسودان من لجان المقاومة؟

المؤشرات السياسية المحيطة بالمشهد تشير إلى أن التعامل مع لجان المقاومة قد يتجاوز محاولة إضعافها أو تفكيك صفوفها؛ فقد يكون هناك اتجاه آخر يقوم على استقطاب بعض مكوناتها، وتشجيع ظهور أصوات متعددة باسمها، ثم استخدام هذا التعدد لاحقاً لتكوين جسم سياسي يمكن تقديمه باعتباره ممثلاً لجزء من المقاومة داخل العملية السياسية التي يجري التحضير لها.

وهذه نقطة خطيرة.

لأن المقاومة عندما تصبح مجرد مجموعة من الأصوات المتنافسة التي يمكن اختيار بعضها وإقصاء بعضها الآخر وفقاً لحسابات الحوار، فإنها تفقد أهم ما يميزها: استقلال قرارها عن السلطة والسلاح ومراكز النفوذ.

الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب لم يكن مشروعاً للحصول على مقاعد في حكومة أو المشاركة في تسوية بين النخب.

فكرته الأساسية تقوم على إنهاء الح.رب ومعالجة الأسباب التي قادت إليها، ورفض منح طرفي الصراع شرعية سياسية لمجرد امتلاكهما السلاح أو السيطرة على الأرض، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المشاركة الشعبية والرقابة والمحاسبة والعدالة، وإنهاء تعدد الجيوش والمليشيات، وإبعاد العسكريين عن السياسة والاقتصاد.

ولهذا فإن الدعوة التي أطلقتها لجان المقاومة والقوى الموقعة على الميثاق إلى عدم الانحياز لأي من طرفي الح.رب، والعمل على بناء جبهة جماهيرية واسعة لإنهاء الح.رب ومعالجة جذورها، ليست موقفاً عابراً يمكن تجاوزه بمجرد تغيير العناوين أو إصدار بيانات جديدة.

السؤال، ببساطة، ليس:

هل نريد إنهاء الح.رب؟

بالطبع نريد إنهاءها.

السودانيون جميعاً دفعوا ثمناً باهظاً لهذه الح.رب، ولا يوجد بيت تقريباً لم تصله آثارها.

لكن السؤال الحقيقي هو:

كيف ننهي الح.رب؟ ومن يحدد شكل السودان بعد انتهائها؟

فهناك فرق بين سلام يُبنى على مشاركة الشعب ومعالجة جذور الأزمة، وسلام آخر يقوم على إعادة توزيع السلطة بين القوى التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إنتاج الأزمة نفسها.

وهذا الفارق هو جوهر المعركة السياسية القادمة.

ومن هنا يجبَ ألا ننخدع بالشعارات وحدها.

فمن السهل أن يتحدث أي طرف عن رفض نهب موارد البلاد، أو عن إنصاف الهامش، أو عن العدالة، أو عن وحدة السودان، أو عن وقف الح.رب.

وكل هذه مطالب عادلة ومشروعة.

لكن المشكلة ليست دائماً في الشعار، وإنما في المشروع الذي يقف خلفه.

قد تكون العبارة صحيحة، لكن استخدامها السياسي قد يقود إلى نتيجة مختلفة تماماً عن معناها الظاهر.

وهنا يأتي المثال الذي أثار الكثير من التساؤلات، وهو البيان المنسوب إلى ما يسمى «لجان مقاومة مدينة الأفراح – أبانتيو» والصادر في 18 أغسطس 2026، الذي تضمّن إشادة كبيرة بمبارك أردول، ووصفه بعبارات إيجابية باعتباره من الشخصيات الوطنية المرتبطة بالنضال وقضايا المهمشين.

وهنا لا تكمن القضية في شخص مبارك أردول وحده، وإنما في السياق السياسي الذي يُقدَّم فيه.

فمواقفه خلال المرحلة الانتقالية، ولا سيما ارتباط اسمه بالمواقف السياسية المحيطة باعتصام القصر في أكتوبر 2021، كانت جزءاً من خلاف سياسي واسع داخل قوى الثورة نفسها.

ومن هنا يصبح من حق الناس أن يسألوا:

كيف انتقلت شخصية ارتبط اسمها في تلك المرحلة بمشروع سياسي مختلف إلى صورة جديدة تقدمها بعض البيانات المنسوبة إلى لجان المقاومة باعتبارها نموذجاً من نماذج النضال وقضايا الهامش؟

السؤال هنا ليس اتهاماً لأحد، وإنما محاولة لفهم التحول السياسي الذي يحدث أمام أعيننا.

ولا نقول إن كل بيان يصدر باسم لجنة مقاومة مزور، ولا أن كل اختلاف داخل لجان المقاومة مؤامرة.

هذا تبسيط مخل.

فالاختلاف طبيعي، والنقاش حق، وتغيير المواقف حق، وحتى مراجعة بعض ما ورد في الميثاق الثوري حق مشروع.

لكن هناك أمراً مختلفاً تماماً:

أن يتحدث شخص أو مجموعة باسم قاعدة جماهيرية دون أن يكون واضحاً من فوضهم، ومن يمثلون، وكيف اتخذ القرار.

فالاسم وحده لا يمنح أحداً شرعية التمثيل.

وإذا صدر بيان باسم لجنة مقاومة، فإن السؤال الطبيعي هو:

من كتب البيان؟

من ناقشه؟

من فوض بإصداره؟

ما القاعدة التي يمثلها؟

وما موقف هذه القاعدة من الميثاق الثوري؟

وما موقفها من الحوار الذي تدعو إليه سلطة بورتسودان؟

هذه ليست أسئلة تشكيك، وإنما أسئلة ضرورية في أي عمل جماهيري يريد أن يحافظ على استقلاله.

والتوقيت أيضاً يستحق الانتباه.

فالدعوة إلى ما يسمى بالحوار السوداني ـ السوداني تأتي في وقت يجري فيه العمل على إعادة ترتيب الساحة السياسية، وخلق تحالفات ومراكز جديدة يمكن أن تدخل في العملية السياسية القادمة.

وفي مثل هذه الظروف تصبح لجان المقاومة هدفاً سياسياً مغرياً.

ليس بالضرورة لأن المطلوب إسكاتها، بل ربما لأن المطلوب إعادة توجيهها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.