القومية العربية حب قبل كل شيء: قراءة في نص الأستاذ أحمد ميشيل عفلق من العاطفة إلى المسؤولية

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

تحميل القومية حب قبل كل شيء
ليست الأفكار العظيمة تلك التي تقدم حلولاً سياسية مباشرة، وإنما تلك التي تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى وجودنا الجماعي. فقبل أن يبني الإنسان دولة، أو يقود ثورة، أو يضع دستوراً، يكون قد كوّن تصوراً معيناً عن معنى الانتماء، وعن العلاقة بين الفرد والأمة، وبين التاريخ والمستقبل، وبين الذات والآخر. ولهذا لم يكن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، في مقاله (القومية العربية حب قبل كل شيء)، يناقش إشكالية سياسية عابرة، بل كان يؤسس لفلسفة كاملة في فهم العروبة، وهي الفلسفة التي ستصبح لاحقاً الأساس الخفي لفكره القومي كله.
وإذا كنا نقرأ هذا النص اليوم، بعد أكثر من ثمانين عاماً على كتابته في عام 1940م، فإننا لا ننسى أن القائد المؤسس عفلق كان يكتب في خضم مرحلة تأسيسية للحركة القومية العربية، في ظل هيمنة استعمارية واضحة، ووسط أوساط سياسية وثقافية عربية كانت تعاني من التشرذم والتبعية. وكان النص يخاطب جمهوراً مناضلاً، يحتاج إلى تحرير مفهوم القومية من الأوهام التي علقت به، وإلى استعادة العروبة كفكرة خالدة تتجدد في كل مرحلة، وكقوة روحية وأخلاقية تمنح الإنسان العربي هويته ورسالته في التاريخ.
فالقومية، في نظره، ليست مجرد انتماء عرقي أو لغوي، وليست مجرد شعار سياسي يُرفع في المناسبات، وإنما هي واقع بديهي يفرض نفسه، وحب قبل كل شيء، ورسالة حضارية متجددة. ولذلك جاءت تلك المقالة محاولة لتحرير العروبة من الأوهام التي علقت بها، وإعادة تعريفها كفكرة خالدة، وكحب يسبق كل نظرية، وكوعي وإرادة تصنع المستقبل.
غير أن تحرير القومية من اختزال واحد لا يكفي، فهي محاطة بأوهام متعددة تجعلها تبدو وكأنها شيء آخر غير ما هي عليه في جوهرها. ولذلك يمضي القائد المؤسس في تفكيك هذه الأوهام واحداً تلو الآخر، وكأنه يريد أن يقول: النهضة تبدأ أولاً بتصحيح المفاهيم قبل تغيير المؤسسات.
الوهم الأول: القومية ليست عنصراً ولا ديناً ولا تاريخاً جامداً:
في مستهل مقاله، يضع القائد المؤسس عفلق يده على واحدة من أكثر الإشكاليات التي شوّهت مفهوم القومية العربية في الخطاب السائد. فهو يرى أن مصطلح (القومية العربية)، في استعماله الشائع، أصبح خليطاً من أفكار واتجاهات سياسية وعواطف، ومن رواسب وانحرافات سلبية وإيجابية، جعلته بعيداً عن المعنى الصادق الخلاق الذي يوحي به.
وهنا يرفض القائد المؤسس عفلق، منذ البداية، اختزال القومية في أي من هذه المعاني الجزئية. فهو يكتب: (العرب اليوم لا يريدون أن تكون قوميتهم عنصرية، لأنهم جربوا معنى العنصرية والظلم). كما أنهم لا يريدون أن تكون قوميتهم دينية، لأن الدين له مجال آخر وليس هو الرابط للأمة، بل قد يفرق بين القوم الواحد. وهم لا يريدون أن تكون قوميتهم تاريخية بالمعنى الجامد، لأن القومية العربية لا تنفي التراث التاريخي غير العربي، بل هي وارثة لتراث حضاري غني يشمل شتى الحضارات التي دخلتها وتفاعلت معها. وهذا التحرر من الاختصارات الجزئية هو ما يمنح القومية العربية، في رؤية القائد المؤسس عفلق، سعة أفقيّة لا تضيق بها حدود العنصر، ولا ترهقها قيود الدين، ولا تحبسها جدران التاريخ. فالقومية، بهذا المعنى، تصبح إطاراً يحتضن التنوع، ويتجاوز الانقسامات، ويؤسس لانتماء أوسع. إنها ليست رد فعل على الآخر، بل هي وعي بالذات في علاقتها بالكون.
الوهم الثاني: القومية ليست ديناً: فكثيرون يخلطون بين القومية والدين، وكأنهما شيء واحد، أو وكأن القومية يمكن أن تحل محل الدين. لكن القائد المؤسس عفلق يرفض هذا الاختزال بحزم، مؤكداً أن (العرب اليوم لا يريدون أن تكون قوميتهم دينية، لأن الدين له مجال آخر وليس هو الرابط للأمة، بل قد يفرق بين القوم الواحد). فالدين، في جوهره، علاقة بين الإنسان وخالقه، وقيم روحية وأخلاقية، أما القومية فهي إطار تاريخي وحضاري للانتماء الجماعي. وقد يفرق الدين بين أبناء القوم الواحد، كما حدث في تاريخ العرب بين مسيحيين ومسلمين، دون أن يفقدوا شعورهم بانتمائهم القومي المشترك. ولهذا فإن جعل القومية ديناً هو خطأ، كما أن جعل الدين قومية هو خطأ مماثل.
الوهم الثالث: القومية ليست مجرد تاريخ جامد. ففي ذهنية كثيرين، تبدو القومية وكأنها مجرد استعادة للماضي، وتكريس للتراث، وتقديس للتاريخ. لكن القائد المؤسس عفلق يرفض هذا الاختزال، لأنه يجعل القومية مجرد ذاكرة، بينما هي في جوهرها مشروع مستقبلي. فهو يكتب أن القومية العربية (لا تنفي التراث التاريخي غير العربي، بل هي وارثة لتراث حضاري غني يشمل شتى الحضارات التي دخلتها وتفاعلت معها). فالقومية ليست سجناً للماضي، بل هي جسر بين الماضي والمستقبل، وهي وعي بالتاريخ يتحول إلى إرادة لصناعة المستقبل.
الوهم الرابع: القومية ليست مجرد رد فعل على الاستعمار. فكثيرون يظنون أن القومية العربية ولدت كرد فعل على الاحتلال الأوروبي، وأنها ستنتهي بانتهائه. لكن القائد المؤسس عفلق يرفض هذا الاختزال، ويرى أن القومية فكرة خالدة سابقة على الاستعمار، وأن الاستعمار هو الذي أيقظها وأعطاها صياغتها الحديثة، لكنه ليس مصدرها. فالعروبة، في جوهرها، فكرة حضارية وروحية، تتجذر في أعماق التاريخ، وتتجاوز حدود الزمان والمكان. والاستعمار، مهما طال، لا يملك أن يخلق هوية، بل يملك فقط أن يكشفها أو أن يحجبها.
غير أن القول بأن القومية ليست مجرد رد فعل على الاستعمار لا يعني إنكار دورها التاريخي في مقاومته. فالقومية العربية، كما يتجلى في تجربة القائد المؤسس عفلق والبعث، كانت قوة دافعة لحركات التحرر الوطني، وأداة لاستعادة الإرادة العربية في مواجهة الهيمنة الاستعمارية. وقد أدرك القائد المؤسس عفلق أن الاستعمار لا يقتصر على السيطرة العسكرية، بل يمتد إلى السيطرة على الوعي والثقافة، وأن مقاومته تتطلب وعياً قومياً يستعيد الثقة بالذات، ويرفض التبعية، ويؤمن بقدرة الأمة على صناعة مستقبلها.
فهي لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت مشروعاً نهضويًا متكاملاً، جمع بين تحرير الأرض وتحرير الإنسان، وبين النضال السياسي والنهضة الثقافية. وهي، في جوهرها، كانت تجسيداً للفكرة الخالدة التي تحدث عنها القائد المؤسس عفلق، والتي تتجدد في كل مرحلة بحسب تحدياتها.
وهكذا، حين يحرر القائد المؤسس عفلق القومية من هذه الأوهام الأربعة، يكون قد مهّد الطريق لفهم جديد للعروبة: فهي ليست عنصراً، ولا ديناً، ولا تاريخاً جامداً، ولا رد فعل على الاستعمار، بل هي فكرة خالدة، وحب قبل كل شيء، ورسالة متجددة، ومشروع نهضوي يبدأ من الوعي ويمتد إلى الإرادة والفعل.
الحب لا يسأل عن أسباب: القومية تسبق التعريف: غير أن تحرير القومية من الأوهام لا يكتمل دون فهم طبيعة الحب الذي تقوم عليه. فالأستاذ ميشيل عفلق يضع يده هنا على واحدة من أعمق الحقائق الوجودية: أن الحب لا يسأل عن أسباب، ولا يحتاج إلى تعريف مسبق. فهو يكتب: (إن الذي يحب لا يسأل عن أسباب حبه. وإذا سأل فليس بواجد له سبباً واضحاً. والذي لا يستطيع الحب إلا لسبب واضح يدل على أن الحب في نفسه قد فتر أو مات).
وهذه الفكرة تحمل دلالة فلسفية عميقة: فالقومية، في جوهرها، ليست نظرية تُدرَس، بل هي عاطفة تُعاش. والإنسان الذي ينتظر حتى يفهم القومية تماماً ليحبها، قد يفوت عليه فرصة الحب الحقيقي. فالحب، كما يعلمنا القائد المؤسس عفلق، يسبق المعرفة، وهو الذي ينير طريقها، لا العكس. وكما أن الحب في العلاقات الإنسانية لا يحتاج إلى مبرر، كذلك حب الأمة لا يحتاج إلى حجة دامغة. إنه شعور ينبع من أعماق الوجدان، ويتجذر في أعماق التاريخ، ويمتد إلى آفاق المستقبل. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الشاب العربي ليس: لماذا أحب أمتي؟ بل: كيف أحول هذا الحب إلى خدمة؟ لأن الحب، إذا كان صادقاً، لا يبقى عاطفة جامدة، بل يتحول إلى سؤال عن الفعل.
السؤال الصحيح للشباب: من العاطفة إلى الخدمة: ويصل القائد المؤسس عفلق هنا إلى جوهر الرسالة التي يوجهها إلى الشباب. فهو لا يريدهم أن يضيعوا وقتهم في الأسئلة النظرية المجردة عن تعريف القومية، بل يريدهم أن يسألوا السؤال الأكثر إلحاحاً والأكثر عملية: (ما دمنا نحب أمتنا بخيرها وشَرِّها، في أي طريق نستطيع أن نحول هذا الحب إلى خدمة نافعة، وعلى أي أسلوب؟). فهذا السؤال، في عمقه، يحمل تحولاً جوهرياً من العاطفة إلى المسؤولية، ومن الشعور إلى الفعل، ومن الانتماء السلبي إلى الانتماء الإيجابي. فالحب، في نظر القائد المؤسس عفلق، لا يكتمل إلا إذا تحول إلى خدمة. والقومية، في جوهرها، ليست مجرد شعور يعيش في القلب، بل هي التزام يتحقق في العمل، وتضحية تثبت في المواقف، وبطولة تتجلى في العطاء. ولهذا فإن السؤال الصحيح للشاب العربي ليس: ما هي القومية؟ بل: ماذا يمكنني أن أفعله من أجل أمتي؟ وهنا يتحول الحب من عاطفة سلبية إلى طاقة إيجابية، ومن انتماء إلى التزام، ومن شعار إلى برنامج عمل.
حب الأمة مع عيوبها: الحب غير المشروط: ومن أعمق ما يطرحه القائد المؤسس عفلق في هذا النص، وأكثر ما يحرر الإنسان من أوهام الكمال، هو تأكيده على أن حب الأمة لا يجب أن يكون مشروطاً بخلوها من العيوب. فهو يكتب: (إن الذي لا يحب أمته إلا إذا كانت خالية من العيوب لا يعرف الحب الحقيقي). وهذه الفكرة تحمل دلالة بالغة الأهمية في زمن يكثر فيه النقد الذاتي القاسي، وتنتشر فيه خطابات اليأس والإحباط. فالحب الحقيقي، في نظر القائد المؤسس عفلق، ليس حباً للكمال، بل حباً للجوهر رغم النقص. إنه حب يعترف بالعيوب، لكنه لا يستسلم لها، بل يعمل على معالجتها. وهو حب يرى في الأمة إمكانياتها الكامنة، ويعمل على تحقيقها، رغم كل العقبات.
وهذا هو الفرق بين المحب الحقيقي والناقد المتعالي: المحب الحقيقي يحب أمته كما هي، ويعمل على تغييرها من داخلها، أما الناقد المتعالي فيقف في الخارج، ينتقد ولا يبني، ويرفض ولا يشارك. والحب، في جوهره، ليس إعجاباً بما هو كائن، بل هو التزام بما يمكن أن يكون.
الفكرة العربية والنظرية القومية: ثبات المبدأ وتجدد التعبير: من أبرز ما يميز منهج القائد المؤسس عفلق في هذا المقال، وأكثر ما يمنحه عمقاً فلسفياً، هو تفريقه بين (الفكرة العربية)، و(النظرية القومية). فهو يكتب: (إن الفكرة العربية هي بديهية خالدة، وهي قدر محبب، وأنها حب قبل كل شيء، أما النظرية القومية فهي التعبير المتطور عن هذه الفكرة الخالدة حسب الزمان والظروف). وهذه المقولة وحدها تكفي لإعادة تعريف العلاقة بين الأصالة والمعاصرة في الفكر القومي.
فالفكرة العربية ليست اختراعاً سياسياً، ولا هي رد فعل على الاستعمار، ولا هي شعاراً مؤقتاً ينتهي بانتهاء ظروفه. إنها بديهية تاريخية وروحية، تتجذر في أعماق الوجدان العربي، وتتجاوز حدود الزمان والمكان. وهي، كما يقول القائد المؤسس عفلق، (حب قبل كل شيء)، لأن الحب، في جوهره، ليس مجرد شعور، بل هو علاقة وجودية بالذات والآخر والتاريخ.
أما النظرية القومية، فهي التعبير المتجدد عن هذه الفكرة، وهي التي تتغير بتغير الظروف، وتتطور بتطور المراحل، وتستجيب لتحديات العصر دون أن تفقد ارتباطها بجوهر الفكرة الخالدة. وهذا التفريق يحمي الفكر القومي من الانغلاق والجمود، كما يحميه من التميع والانسلاخ عن جذوره. فالقومية، في هذه الرؤية، ليست نسخة جامدة من الماضي، ولا هي مشروعاً منفصلاً عن التاريخ، إنها وحدة عضوية بين الثبات والتجدد، بين الجوهر والمظهر، بين الروح والشكل.
وهنا نجد تطابقاً مع ما كتبه القائد المؤسس عفلق في مقال (المستقبل) (1950)، حيث قال: (ليس المستقبل هو الزمان الذي سيأتي، بل المستوى النفسي والفكري الذي علينا أن نصل إليه في الوقت الحاضر). فكما أن المستقبل ليس زمناً يأتي، بل وعي نصنعه، كذلك القومية ليست مجرد انتماء نرثه، بل هي وعي نحققه، وإرادة نصنع بها تاريخنا.
القومية ليست نقيض الإنسانية: من العروبة إلى الرسالة الكونية: من أكثر الأفكار إثارة في هذا النص، والتي كثيراً ما يُساء فهمها، هي علاقة القومية العربية بالإنسانية. ففي ذهنية كثير من النقاد، تبدو القومية وكأنها نقيض للكونية، وكأنها انغلاق على الذات، بينما يذهب القائد المؤسس عفلق إلى عكس ذلك تماماً. فهو يرى أن القومية، في مفهومها الحديث، تحمي الإنسان من الانتكاس إلى العصبيات الصغيرة، وتمنع القفز إلى عالمية مائعة ومجردة. فالإنسان الذي يفقد هويته القومية يضيع في عالمية مصطنعة، فيصبح ضائعاً في هذا العالم، ويحتاج إلى قوة تجريد جبارة ليحفظ على نفسه إيمانها بصفة المواطن العالمي. وهذا الوضع، في نظر القائد المؤسس عفلق، سيعيد الإنسان حتماً إلى نوع من العصبيات الصغيرة، لأن التجريد لا يشبع الحاجة إلى الانتماء. والقومية العربية، بهذا المعنى، ليست نافياً للهويات الفرعية، بل هي إطار يحتضنها ويحميها من الانغلاق، ويمنحها معنى في سياق أوسع. فهي، كما يقول عفلق، قومية إنسانية، لأنها تؤمن بأن للأمة العربية رسالة في التاريخ، وأن هذه الرسالة لا تتحقق إلا بالتفاعل مع البشرية كلها.
والقومية، بهذا المعنى، ليست نقيض الإنسانية، بل هي جسر إليها. فالإنسان لا يصل إلى العالمية من خلال إلغاء خصوصيته، بل من خلال تحقيقها وتجاوزها. فالعربي الذي يعي عروبته بعمق، هو القادر على أن يكون إنساناً كونياً بصدق، لأن هويته تمنحه الجذور التي تمكنه من الانطلاق، والرسالة التي تمنحه هدفاً في التاريخ. وهذا ما يفسر قول القائد المؤسس عفلق بأن القومية العربية، في جوهرها، هي قومية إنسانية، لأنها تؤمن بأن للأمة العربية رسالة في التاريخ، وأن هذه الرسالة لا تتحقق إلا بالتفاعل مع البشرية كلها.
وهذا المفهوم للقومية لا يختلف عن مفهوم (المثالية الواقعية)، الذي طرحه القائد المؤسس عفلق في مقال عام 1943، حيث قال: (المثالي ليس نقيض الواقعي، لأن الواقعي ليس الذي يستسلم للواقع بل الذي يفهمه… وفي عرفنا يجب أن يكون المثالي واقعياً كي يقدر على تحقيق مثله في العمل). فالقومية، في هذا السياق، هي المثالية التي تنزل إلى أرض الواقع، والحب الذي يتحول إلى عمل، والرسالة التي تتجسد في التاريخ.
القومية والدين: تكامل لا تصادم: ومن أكثر الأفكار التي يطرحها القائد المؤسس عفلق في هذا النص، والتي تستحق التوقف عندها طويلاً، هي رؤيته للعلاقة بين القومية والدين. فهو يرفض الفكرة القائلة بأن القومية والدين في حالة تصادم دائم، ويؤكد أنهما يمكن أن يسيرا متآزرين ومتعانقين. فهو يكتب: (ولا خوف أن تصطدم القومية بالدين، فهي مثله تنبع من معين القلب وتصدر عن إرادة الله، وهما يسيران متآزرين متعانقين، خاصة إذا كان الدين يمثل عبقرية القومية وينسجم مع طبيعتها).
وهذه الرؤية تحمل دلالة فلسفية عميقة، في إن القومية والدين، في جوهرهما، ينبعان من نفس المصدر الروحي، ويؤديان إلى نفس الغاية الإنسانية. فالدين، عندما يكون تعبيراً عن عبقرية القومية ومنسجماً مع طبيعتها، يصبح قوة دافعة للنهضة، لا عائقاً عنها. وهو، في هذه الحالة، يمنح القومية بُعداً روحياً وأخلاقياً، ويحميها من الانزلاق إلى العصبية العمياء أو المادية الجافة.
وهذا الموقف من العلاقة بين القومية والدين يعكس رؤية القائد المؤسس عفلق المتوازنة، التي ترفض الفصل المطلق بينهما، كما ترفض الخلط المخل بينهما. فالقومية والدين، في هذه الرؤية، ليسا بديلين، بل هما قوتان تتكاملان، وتتعاضدان، وتؤديان معاً إلى تحقيق الرسالة الإنسانية للأمة العربية في التاريخ.
اللغة: أبرز عنوان للاستمرار: وفي هذا السياق، يمنح القائد المؤسس عفلق اللغة العربية مكانة خاصة، باعتبارها أبرز عنوان للاستمرار القومي. فهو يكتب أن الصفة العربية المشتركة التي وحدت بين عناصر الأمة المختلفة هي التي استمرت دون انقطاع، وكانت اللغة العربية أبرز عنوان لهذا الاستمرار، بما تتضمنه اللغة عادة من وحدة في التفكير وفي المبادئ والمثل. فاللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاء للفكر، وناقل للقيم، وجسر بين الماضي والحاضر، ورابط بين أقطار الأمة المختلفة. ومن خلالها، تستمر الشخصية العربية عبر الزمن، وتتفاعل مع الحضارات الأخرى، وتحافظ على جوهرها مع انفتاحها على العالم. وهي، كما يقول القائد المؤسس عفلق، ليست مجرد لغة، بل هي تجسيد للروح العربية في التاريخ.
وهذا يرتبط بما كتبه القائد المؤسس عفلق في مقال (الأرض والسماء)، (1944)، حيث ربط بين الحياة اليومية والقيم العليا، وأكد أن النهضة تتحقق بتحقيق التوازن بينهما. فاللغة، في هذا السياق، هي الجسر بين الأرض والسماء، بين الواقع اليومي والرسالة الخالدة، بين التعبير العادي والتعبير الذي يحمل المعنى الأعمق للوجود.
الوعي والإرادة القوية بين الثبات والتحقق: غير أن القائد المؤسس عفلق لا يقع في فخ الجبرية التاريخية. فهو يرى أن القومية، رغم بداهتها وخلودها، لا تزول بإرادة العرب، ولكنها في الوقت نفسه لا تستمر ولا تتحقق تحققاً كاملاً بدون هذه الإرادة. فهو يكتب: (فيها إمكانيات التفسخ والتناثر، كما أن فيها إمكانيات الوحدة والانسجام والنضج). وهنا تبلغ الفلسفة ذروة نضجها: فالقومية ليست قدراً محتوماً، بل هي مشروع يحتاج إلى وعي وإرادة ونضال.
فالقومية ليست مجرد واقع نرثه، بل هي مسؤولية نصنعها. وهي ليست مجرد انتماء عاطفي، بل هي التزام أخلاقي وسياسي. وهي ليست مجرد ماضٍ نستحضره، بل هي مستقبل نبنيه. وهذا هو المعنى الأعمق للقول بأن القومية (حب قبل كل شيء)، لأن الحب، في جوهره، ليس مجرد شعور، بل هو فعل، والتزام، وتضحية، وإرادة على البناء.
وهذا يذكرنا بما كتبه القائد المؤسس عفلق في مقال (خبرة الشيوخ واندفاعات الشباب)، (1955)، حيث قال: (إن الإنسان في سن الشباب يحتوي على أعلى درجة وأكبر طاقة من الفضائل الحية). فالقومية، في جوهرها، هي شباب دائم، وقدرة على التجدد، وإرادة على تجاوز الجمود. وهي، كما قال القائد المؤسس عفلق في مقال (المستقبل)، القوة التي تجسم للأمة مستقبلها، وتحقق هذا المستقبل منذ الآن.
غير أن الحديث عن الوعي والإرادة يظل ناقصاً دون الإشارة إلى البعد التنظيمي للقومية. فالقومية، في فكر القائد المؤسس عفلق، ليست مجرد فكرة تعيش في الأذهان، بل هي مشروع تنظيمي يتجسد في حزب، ونضال، ومؤسسات. وقد أدرك القائد المؤسس عفلق أن الأفكار وحدها لا تغير التاريخ، بل تحتاج إلى تنظيم يحملها، وقوى اجتماعية تتبناها، ونضال طويل يحققها. وهذا ما يفسر إصراره على بناء حزب البعث كأداة لتجسيد القومية في الواقع، وكصورة مصغرة للأمة التي يسعى إلى تحقيقها.

فالقومية، في هذا السياق، ليست مجرد انتماء عاطفي، بل هي التزام تنظيمي، ونضال يومي، وممارسة سياسية، وبناء مؤسسات.
قراءة معاصرة: هل ما زلنا نخلط بين القومية والعصبية؟: بعد أكثر من ثمانين عاماً على كتابة هذا النص، تبدو أسئلته أكثر إلحاحاً. ففي زمن تهيمن فيه العولمة، وتتسارع فيه التحولات، وتتداعى فيه الحدود، يظل السؤال عن الهوية والانتماء حاضراً بقوة. وكثيراً ما يُختزل النقاش حول القومية في ثنائيات وهمية: إما التعصب العرقي، أو الانصهار في كونية مائعة. وهذا ما حذّر منه القائد المؤسس عفلق منذ البداية.
فالقومية العربية، في رؤيته، ليست دعوة إلى الانغلاق، ولا إلى التفوق، ولا إلى العداء للآخر. إنها دعوة إلى استعادة الذات، وإلى التفاعل مع العالم من موقع الفاعل لا المفعول به، وإلى تحقيق الرسالة الإنسانية للأمة العربية من خلال وعيها بخصوصيتها. وهي، في جوهرها، مشروع نهضوي يتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ، ويمتد إلى أفق إنساني أرحب.
وربما كان أخطر ما يواجه الفكر القومي اليوم هو تحوله إلى شعارات جامدة، أو إلى خطاب دفاعي عن ماضٍ لا ينتج مستقبلاً. لكن القائد المؤسس عفلق يذكرنا بأن القومية ليست وثيقة تاريخية، ولا خطاباً سياسياً، بل هي حب قبل كل شيء، ووعي متجدد، وإرادة على البناء. وهي، كما قال في مقاله (المستقبل)، ليست شيئاً ننتظره، بل هي شيء نصنعه منذ الآن.
خاتمة: ليس (القومية العربية والنظرية القومية)، مجرد نص سياسي، ولا هو دفاع عن أيديولوجية، بل هو تأمل فلسفي في معنى الانتماء، وفي العلاقة بين الفرد والأمة، وبين التاريخ والمستقبل، وبين الخصوصية والكونية. وقد نجح القائد المؤسس عفلق في هذا النص في تحرير القومية من الاختصارات الضيقة، وإعادة تعريفها كفكرة خالدة تتجدد في كل مرحلة، وكحب قبل كل شيء، وكوعي وإرادة، وكجسر بين العربي وإنسانيته.
فالإنسان الذي يعي عروبته بعمق، لا ينغلق على ذاته، بل ينفتح على العالم. والذين يظنون أن القومية نقيض الإنسانية، يقرؤون القومية من الخارج، ولا يرون فيها تلك الطاقة الروحية والأخلاقية التي تمنح الإنسان جذوره، وتحرره من التيه، وتمنحه رسالة في التاريخ. وكما قال القائد المؤسس عفلق في ختام مقاله، فإن النضال المشترك هو في الواقع الشعار للقومية العربية المتفتحة المنبعثة من جديد، لأن القومية هي التي خلقت هذا النضال، وهي التي تغذيه.
وفي النهاية، تبقى هذه هي الرسالة الأعمق لهذا النص: أن القومية ليست مجرد انتماء، بل هي حب، وليست مجرد ماض، بل هي مستقبل، وليست مجرد هوية، بل هي رسالة. وحين يصبح الحب وعياً، والوعي إرادة، والإرادة فعلاً، تتحقق القومية في التاريخ، وتصبح الأمة قادرة على أن تكون فاعلاً في مسار الحضارة الإنسانية، لا مجرد تابع لها.
وكما قال القائد المؤسس عفلق في مقاله (المستقبل): (ثمة قوة تفوق كل القوى الأخرى هي أن نجسم للأمة مستقبلها). والقومية، في جوهرها، هي تلك القوة التي تجسم للأمة مستقبلها، وتحقق هذا المستقبل منذ الآن، وتجعله حقيقة راهنة في وعي أبنائها وإرادتهم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.