في كل عام، حين تفتح ذكرى مولد المصطفى ﷺ نافذةً على الوجدان، تتجدد فينا محبةٌ قديمة لا تحتاج إلى برهان؛ محبةٌ تسكن الذاكرة والبيوت والمساجد والمسيد والخلاوي والمدارس والطرقات…إلخ، وتظهر في المديح والأناشيد والفرح والزينة والحلوى، وفي تلك التفاصيل الشعبية التي صنعت للمولد مكاناً خاصاً في وجدان السودانيين. غير أن المحبة، مهما بلغت حرارة التعبير عنها، لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الاحتفال. فالمحبة الصادقة امتحانها الحقيقي هو ما تتركه في السلوك. كيف يمكن لمن يحب رسول المحبة والرحمة ﷺ أن يحمل في قلبه حق.د وكراهيةً لإنسان آخر؟ وكيف لمن يحتفي بسيرته العطرة أن يقبل العنصرية أو القبلية أو الجهوية أو احتقار المختلف؟ وكيف يمكن أن نرفع أصواتنا انشاد بمدحه صلي الله عليه وسلم ثم نخفض أصوات العقل، ونترك لغة الد.م والكراهية والتحريض تتقدم على لغة السلام والتسامح والامن؟ لقد جاء النبي ﷺ في مجتمع كانت فيه العصبية قادرة على إشعال النزاعات، فجاءت الرسالة لتعيد تعريف الإنسان لا بقبيلته ولا بثروته ولا بصرامة سيفه وطول رمحه وأصالة فرسه، وإنما بإنسانيته وتقواه وخلقه. ولذلك فإن الاحتفاء بمولده اليوم ينبغي أن يكون مناسبة لاسترداد هذه المعاني من ضجيج الواقع، لا مجرد استعادتها في الخطب والمدائح والأناشيد وضرب دفوف الاحتفال. هنا في السودان، حيث أكلت ح.رب من أعمار الناس وأمنهم وبيوتهم وذاكرتهم، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا تعني لنا محبة الرسول ﷺ ونحن نرى أبناء الوطن الواحد يقتتلون، والمجتمع ينقسم، وخطاب الكراهية يجد من يروّج له؟ إن أعظم هدية يمكن أن نقدمها في ذكرى مولده ليست زيادة الزينة وضرب الدفوف وصخب الاحتفال ، وإنما نبذ ومحاربة خطاب الكراهية؛ ليست كثرة الكلام عن الرحمة، وإنما ممارسة الرحمة؛ ليست تمجيد السلام في الأغاني، وإنما العمل من أجل إيقاف ح.رب واستعادة الامن. المولد، في هذا المعنى، يمكن أن يتحول من مناسبة سنوية إلى لحظة مراجعة أخلاقية: أن نتصالح مع المختلف، وأن نرفض تحقير القبيلة أو الجهة أو اللون، وأن نردّ على خطاب الكراهية بخطاب التعارف، وعلى التحريض بالدعوة إلى السلم، وعلى منطق الغلبة بمنطق المواطنة. نحن لا نحتاج إلى مولدٍ يوقظ الذاكرة وحدها؛ نحتاج إلى مولد يوقظ الضمير. فإذا كان رسول الله ﷺ قد جاء رحمةً للعالمين، فإن من أبسط مقتضيات محبته أن نكون أقل قسوةً على بعضنا، وأكثر حرصاً على حياة الإنسان وكرامته وأمنه. ولعل أجمل احتفال بمولده أن يعود السودان إلى السلام، وأن يعود أهله إلى بعضهم، وأن تصبح المحبة جسراً يعبر عليه المختلفون، لا شعاراً نعلقه في المناسبات. فالمولد الذي لا يغيّر شيئاً في علاقتنا بالإنسان، يبقى ذكرى. أما المولد الذي يعلّمنا أن نحقن الد.م، وننبذ الكراهية، ونصون الكرامة، وتحكم بالعدل ونعطي كل ذو حق حقه فهو رسالة تمشي بين الناس.
#ملف_الهدف_الثقافي #المولد_النبوي #السودان #صلى_الله_عليه_وسلم #السلام_في_السودان #أخلاق_النبي #وحدة_السودان #محبة_الرسول #لا_للحرب #السودان_يستحق_السلام

Leave a Reply