في رحاب المولد النبوي الشريف

صحيفة الهدف

د. أحمد الليثي

في المولد النبوي الشريف، لا نحتفل بميلاد جسدٍ أضاء ثم رحل، بل بميلاد سرٍّ يتجدد كلما ضاقت بنا الأرض بما رحبت.

جاء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في زمنٍ تمزقت فيه القبائل، وكثرت فيه الحروب، وضاع فيه الضعفاء بين مطامع الأقوياء، فكان مولده بداية عهدٍ جديد، عهد الرحمة التي تغلب الغضب، والوحدة التي تكسر قيد الانقسام.

واليوم، والسودان ينزف جراحه، كأن المولد ينادي علينا أن ندفن ثأر القبائل تحت تراب الوطن الواحد، كما دُفنت أصنام الجاهلية عند قدميه، وأن نطفئ نار السلاح ببركة الكلمة الطيبة، كما أطفأ صلى الله عليه وسلم نار العداوات بسلام قلبه، وأن نولد من جديد في أخلاقنا وسياساتنا، فلا تُبنى دولة على الكراهية، ولا يُقام وطن على الغلبة.

يا أهل السودان، تذكروا أن رسول الرحمة وُلد يتيمًا ليكون سندًا لليتامى، وعاش غريبًا بين قومه ليعلّم الغرباء أن الغربة بداية الطريق لا نهايته. فإن كنتم اليوم مشرّدين في المنافي، أو محاصرين بالجوع والخوف، فاعلموا أن الغربة ليست إلا فجرًا يسبق الوصل.

المولد يقول لنا إن المحنة باب المنحة، وإن الدمعة قد تكون بداية البصيرة. فلتكن دماء السودان دمعةً تطهّر، لا لعنةً تفرّق، ولتكن غربتنا عن وطننا ميلادًا لوطنٍ أوسع من الخراب.

«وأما بنعمة ربك فحدّث»، وأي نعمة أعظم من أن يولد فينا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم؟

مولده رحمة، وذكراه حياة، وسيرته نورٌ يتجدد في القلوب كلما ضاقت بها الظلمات.

الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف لا يحتاج إلى حديثٍ صحيح، بل إلى قلبٍ صحيح.

فالمحبة لا تُقاس بالروايات، بل بالصدق الذي يسكب الدمع حين يُذكر اسمه، وبالروح التي تهتز شوقًا حين يتردد اسمه في الأذان والصلوات.

لسنا نحن من نُحيي ذكراك يا رسول الله، بل ذكراك هي التي تحيينا. هي التي تسندنا إذا عجزنا، وتجمع شتاتنا إذا تفرقنا، وتضيء أرواحنا إذا أظلمت.

سلامٌ عليك يا رسول الله، في قلب كل أمٍّ تنتظر ابنها من الحرب، وفي يد كل طفلٍ يبحث عن خبزٍ وأمان، وفي قلب كل غريبٍ يحلم بالعودة، وفي كل روحٍ تؤمن أن الرحمة أقوى من البنادق، وأن الوطن يمكن أن يولد من جديد إذا اجتمعنا على كلمة سواء.

يا سيدي يا رسول الله، ما احتفلنا بك إلا لأنك أنت الاحتفال، وما ذكرنا مولدك إلا لأنك أنت النعمة الكبرى التي أمرنا الله أن نحدّث بها.

#ملف_الهدف_الثقافي #أحمد_الليثي #المولد_النبوي #السودان #السيرة_النبوية #محبة_الرسول #وحدة_الوطن

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.