من إطفاء الحرب إلى بناء الوطن: السودان بين نهاية البندقية وبداية الدولة (1)

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

في حوارٍ ثريّ وممتد، طرح المهندس عادل خلف الله، الناطق الرسمي باسم حزب البعث العربي الاشتراكي – قطر السودان، جملة من الأفكار التي تتجاوز توصيف الح.رب إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا بعد أن تتوقف الح.رب؟ .

وهو سؤال يبدو للوهلة الأولى سابقاً لأوانه، لكنه في الحقيقة يمثل جوهر الأزمة السودانية، لأن وقف إطلاق النار، مهما كان ضرورياً وعاجلاً، لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة، كما أن صمت المدافع لا يعني تلقائياً ولادة السلام. فالسودان لا يحتاج فقط إلى إطفاء الح.رب، وإنما إلى بناء الدولة التي تجعل العودة إلى الح.رب أمراً أقل احتمالاً.

وفي هذا السياق، يلفت المهندس عادل خلف الله إلى أن (مستقبل هذه العلاقة لا يمكن عزله بحال من الأحوال عن الرؤية الكلية لمستقبل السودان، سودانٍ موحد، ديمقراطي ومستقر، ذي اقتصاد مزدهر قائم على المواطنة متساوية الحقوق، وتتسيده قيم العدالة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات نزيهة وشفافة). وهنا تكمن أهمية الانتقال من سؤال: من ينتصر في الح.رب؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف ينتصر السودان؟

فالانتصار الحقيقي ليس أن يغلب طرف طرفاً، ولا أن تُنتج موازين القوة العسكرية واقعاً سياسياً جديداً، وإنما أن يخرج السودان من هذه المحنة أكثر قدرة على حماية وحدته، وأكثر احتراماً لمواطنيه، وأكثر رسوخاً في مؤسساته، وأبعد عن دورة الانقلابات والح.روب والتسويات الهشة.

من أبرز ما يمكن التقاطه من رؤية الناطق الرسمي أن أولوية وقف الح.رب يجب ألا تُفهم باعتبارها مجرد دعوة إلى هدنة عابرة، وإنما باعتبارها بوابة لإعادة فتح الطريق السياسي. فالهدنة قد توقف إطلاق النار، لكنها لا توقف بالضرورة أسباب الصراع. والسلام الحقيقي أوسع من مجرد غياب المعارك، إنه إعادة بناء للثقة، وإعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة تأسيس للشرعية السياسية، ومعالجة لجذور الاختلالات التي جعلت السلاح يتحول من وسيلة دفاع عن الدولة إلى وسيلة للصراع حول الدولة.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق مرحلة ما بعد الح.رب هو: أي سودان نريد أن نبني؟ فإذا انتهت الح.رب وبقيت أسبابها، فإننا نكون قد أوقفنا جولة من الصراع، لا الصراع نفسه. ولعل العبارة الأكثر وضوحاً في الحوار أن (موقفنا العملي نابع من حقيقة أن رفض الح.رب وأولوية وقفها أضحيا مطلباً جماهيرياً وتياراً شعبياً متنامياً)، على أن يكون وقف الح.رب مدخلاً إلى سلام مستدام ومسار سياسي يعيد الشرعية إلى مؤسسات الدولة.

لقد كشفت الح.رب هشاشة عميقة في مفهوم الدولة السودانية ووظائفها. فالدولة ليست مجرد حكومة، وليست مجموعة من الأجهزة العسكرية والأمنية، وليست سلطة تمتلك أدوات القوة، فالدولة، في معناها الأعمق، هي العقد الذي يربط الإنسان بوطنه، ويمنحه الأمن والحقوق والكرامة والفرصة والعدالة.

ومن هنا تأتي أهمية ما ورد في الحوار حول بناء جهاز دولة حديث، يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والمؤسسات، والتداول السلمي للسلطة. فالسودان بعد الح.رب لا يحتاج إلى إعادة ترميم المباني والمؤسسات فقط، بل يحتاج إلى إعادة ترميم فكرة الدولة نفسها.

وفي توصيفه لمشروع الدولة، يؤكد المهندس خلف الله أن (السيادة ملك للشعب وهو مصدر كل سلطة وقيادة)، وأن قيمة الدولة تنبع من قدرتها على التعبير عن إرادة الجماهير وحريتها في اختيار من يحكمها.

دولة لا يشعر فيها المواطن أن حقوقه مرتبطة بجهته أو قبيلته أو انتمائه السياسي، ولا أن قربه من السلطة هو الطريق إلى الأمن والوظيفة والثروة، وإنما تكون المواطنة وحدها هي معيار الحقوق والواجبات. غير أن الحديث عن بناء الدولة يظل ناقصاً دون مواجهة التحديات التي تعترض هذا البناء. فالسودان اليوم يعيش واقعاً معقداً، يتسم بتعدد الميليشيات والجماعات المسلحة، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية التي تجعل من السودان ساحة للصراعات، وضعف البنية التحتية والاقتصادية التي استنزفتها سنوات الح.رب. وهذه التحديات، التي لا يمكن تجاهلها، حيث تطرح سؤالاً جوهرياً، كيف يمكن بناء دولة حديثة في ظل هذه الظروف؟ فالإجابة لا تكمن في تجاهل التحديات، بل في مواجهتها بوعي وإرادة. فهي تتطلب، أولاً، وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وإغاثة إنسانية عاجلة، وحوار وطني شامل (ماعدا الحركة الاسلاموية وواجهاتها)، وترتيبات انتقالية واضحة تحدد مدة المرحلة الانتقالية وتوزيع المهام بين السلطتين المدنية والعسكرية، وبناء مؤسسات وطنية مؤقتة، وإطلاق عملية مصالحة وطنية شاملة، وإعداد دستور دائم. هذه الآليات، رغم صعوبتها، تمثل الطريق الوحيد للخروج من الأزمة الراهنة.

غير أن المصالحة لا يمكن أن تعني طي صفحة الانتهاكات من دون معالجة آثارها. فبناء السلام المستدام يحتاج أيضاً إلى مسار للعدالة والمساءلة وجبر الضرر، يضمن للضحايا الاعتراف بما تعرضوا له، ويحول دون أن يصبح الإفلات من العقاب جزءاً من شروط التسوية. والمطلوب هنا هو الجمع بين مقتضيات السلام ومقتضيات العدالة، بحيث لا تتحول الحاجة إلى إنهاء الح.رب إلى ذريعة لإلغاء حقوق الضحايا، ولا تتحول العدالة إلى عامل يعطل إمكان الوصول إلى سلام مستدام.

ومن أكثر القضايا حساسية في مرحلة ما بعد الحرب قضية المؤسسة العسكرية. فالحديث عن بناء جيش وطني موحد، كما ورد في الحوار، لا ينبغي أن يكون مجرد شعار سياسي، وإنما يجب أن يتحول إلى مشروع وطني طويل المدى. فالجيش في الدولة الديمقراطية لا يكون منافساً للسلطة السياسية، ولا بديلاً عنها، وإنما يكون مؤسسة وطنية تحمي الدستور والحدود والسيادة، وتخضع في النهاية للسلطة المدنية المنتخبة. وهو ما يعبّر عنه المهندس خلف الله بوضوح حين يقول: (هناك ضرورة وطنية ملحة لبناء جيش وطني عصري وموحد يستند إلى أسس الدولة الحديثة)، بحيث (يكون تحت إمرة السلطة المدنية الديمقراطية). والقضية هنا ليست الانتقاص من المؤسسة العسكرية، بل على العكس، إن إبعاد الجيش عن التجاذبات السياسية هو الذي يحمي هيبته ومهنيته ومكانته الوطنية. وهذه ليست مسألة تنظيمية تخص المؤسسة العسكرية وحدها، وإنما قضية تأسيسية في علاقة الدولة بالقوة.

والأمر نفسه ينطبق على بقية المؤسسات الأمنية، إذ لا يمكن بناء دولة حديثة في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة، أو تداخل النشاط العسكري بالاقتصادي والسياسي، أو تحول المؤسسات النظامية إلى أدوات للصراع الحزبي. وهذه الأفكار، كما عرضها الناطق الرسمي المهندس خلف الله في الحوار، تعكس جانباً أساسياً من الرؤية التي يطرحها حزب البعث العربي الاشتراكي – قطر السودان لمرحلة ما بعد الحرب، ولا سيما في قضايا الدولة والمواطنة والجيش والعملية السياسية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد توقف الح.رب هو أن تتحول التسوية السياسية إلى مجرد ترتيب مؤقت لموازين القوة بين الأطراف المتصارعة، دون أن تمنح الشعب السوداني حقه في صناعة مستقبله. فالسلام الذي يعيد إنتاج شروط الأزمة لن يكون سوى استراحة بين حربين. وفي هذا المعنى، يحذر المهندس خلف الله من (تسويات فوقية)، تعيد إنتاج الأزمة، مؤكداً أن المخرج ينبغي أن يقوم على (الملكية السودانية الوطنية للحلول)، وأن يفتح الطريق أمام حلول سياسية سودانية لا تغيّب إرادة الشعب.

ومن هنا تأتي أهمية أن تكون العملية السياسية سودانية، واسعة، وشفافة، وأن تستند إلى إرادة المجتمع، لا إلى صفقات مغلقة بين القوي السياسية أو ترتيبات تفرضها القوى الخارجية. ولا يعني ذلك رفض الدور الإقليمي والدولي في دعم السلام، فالسودان يحتاج إلى المساندة الدولية في الإغاثة وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات. لكن الفرق كبير بين الدعم الدولي للحل السوداني وصناعة حل للسودان من الخارج.

بعد الح.رب، ستكون هناك حاجة هائلة إلى إعادة إعمار البنية التحتية والمصانع والمستشفيات والمدارس والطرق ومؤسسات الدولة. لكن إعادة الإعمار الحقيقي أعمق من ذلك. فكيف نعيد بناء اقتصاد لا يعيد إنتاج الفقر والتهميش؟ وكيف نعيد توزيع التنمية بحيث لا تبقى مناطق واسعة خارج دائرة الدولة؟ وكيف نخلق فرص العمل لملايين الشباب الذين دفعوا ثمناً باهظاً للحرب؟ وكيف نعيد ملايين النازحين واللاجئين إلى وطن قادر على استقبالهم؟ وكيف نعيد بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة لا الولاء؟ هذه الأسئلة ستحدد مستقبل السودان أكثر من حجم الأموال التي ستضخ في مشروعات الإعمار. فإعادة بناء الجدران سهلة نسبياً، أما إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة فهي المهمة الأصعب.

ربما يكون أهم درس يمكن استخلاصه من التجربة السودانية أن السلطة التي تستمد وجودها من القوة قد تستطيع البقاء لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تمنح نفسها شرعية دائمة. الشرعية الحقيقية تأتي من الشعب، ومن المؤسسات، ومن الانتخابات، ومن سيادة القانون. وهذه الفكرة تجد تعبيراً مباشراً في الحوار حين يؤكد المهندس خلف الله أن (السيادة ملك للشعب، وأنه مصدر كل سلطة وقيادة)، وأن الديمقراطية تظل الطريق الذي تُستمد عبره شرعية السلطة ويُضمن به التداول السلمي للحكم.

ولهذا فإن المرحلة الانتقالية بعد الح.رب يجب ألا تكون مجرد مرحلة لتوزيع المناصب، وإنما مرحلة لتأسيس القواعد التي تمنع تكرار الأزمة. وهنا تبرز ضرورة بناء نظام ديمقراطي قادر على استيعاب الاختلاف، لأن الديمقراطية ليست اتفاق الجميع على رأي واحد، وإنما هي إدارة الاختلاف دون تحويله إلى عنف.

لقد أظهرت الح.رب أن السودان يستطيع أن يخسر كثيراً في زمن قصير: الأرواح، المدن، الاقتصاد، التعليم، الصحة، النسيج الاجتماعي، والثقة. لكن الخسارة الأكبر ستكون أن نخرج من الح.رب دون أن نتعلم منها. فالمجتمعات العظيمة ليست تلك التي لا تمر بالمحن، وإنما تلك التي تستطيع أن تحول محنتها إلى درس، ودمارها إلى بداية، وذاكرتها إلى حكمة. ومن هذه الزاوية، فإن ما طرحه المهندس عادل خلف الله في الحوار المشار إليه يفتح باباً مهماً للنقاش حول ضرورة الانتقال من التفكير في إيقاف الح.رب إلى التفكير في منع تكرارها. فالسودان لا يحتاج إلى أن ينتقل من ح.رب إلى تسوية، ثم من تسوية إلى أزمة، ثم من أزمة إلى انقلاب، ثم من انقلاب إلى ح.رب جديدة.

ولعل الرسالة التي اختصر بها الناطق الرسمي المهندس خلف الله رؤيته للشعب السوداني تلخص جوهر هذه الرحلة من الح.رب إلى الدولة: (مصيرنا واحد وقضيتنا واحدة)، وأن الانتصار الحقيقي لا يتحقق إلا بـ(وعينا وإرادتنا الموحدة الصلبة). إنما يحتاج إلى كسر هذه الحلقة التاريخية. نريد سلاماً لا يكون هدنة بين حربين، وديمقراطية لا تكون فاصلاً بين انقلابين، ودولة لا تكون غنيمة لمن يملك القوة.

نريد دولة يكون فيها الجيش جيش الوطن، والسلطة سلطة الشعب، والثروة ملكاً للمجتمع، والقانون فوق الجميع، والاختلاف السياسي طريقاً إلى الحوار لا طريقاً إلى البندقية. فإذا كان وقف الح.رب هو الباب، فإن بناء الدولة هو الطريق. وإذا كانت نهاية البندقية ضرورة، فإن بداية الدولة هي الأمل. ويبقى السؤال الأكبر الذي ينبغي أن يشغل السودانيين جميعاً: هل نستطيع أن نجعل من نهاية هذه الح.رب نهايةً لدورة كاملة من الأزمات، لا مجرد نهاية لح.رب واحدة؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي للسودان، وذلك هو المعنى الأعمق للانتصار.

#(جاء هذا الحوار مع الناطق الرسمي المهندس عادل خلف الله، من إعداد وإدارة الأستاذ  يوسف الغوث، ليطرح رؤية فكرية متكاملة حول مستقبل السودان، متجاوزاً حدود الحوار التقليدي إلى وثيقة سياسية وفكرية تستحق التوقف والتحليل).

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.