حماد يونس
في يوم الإثنين 28يوليو، عندما وضعت قدمي على عتبة قسم الأورام بمستشفى كوستي، بدا لي الأمر وكأني أخطو نحو الثلث الأخير من معاناة مرضي وأحس بعده أن ظلامه أكفاني
.وعندما أخذوني إلى غرفة العلاج الكيماوي كان الأمر مرعبًا ومهولًا وزاد من هوله حين أقبل نحوي ثلاث طبيبات من الطاقم العلاجي. أخذوني بحنية ثم وضعوني على سرير المرض وجلسن قبالتي بوجوههن الملائكية وبابتسامات “محترفة” “ومدربة”
في تلك اللحظات تذكرت عادة السودانيين، عندما يريدون إيصال خبر “مفجع “لذوي مبتلى ما، تتشكل لجنة يترأسها كبيرهم الذي دائمًا ما يفتتح الزيارة الخبرية بمقدمة معلومة عن الإيمان والصبر على الابتلاء..الخ. فمنهم من يتقبل الأمر من المفجوعين ومنهم من ينهار إلا أن الحياة تمضي في كل الأحوال.
قطع إحداهن حبل استرسالي بالسؤال عن إسمي وعمري ووظيفتي، وسألتني إن كنت أعرف طبيعة مرضي. قلت لها “نعم”مباشرة بدأت بطبطبتي وأن على الإنسان أن يتقبل أقدار الله..الخ. عرفت أنها المسؤولة الاجتماعية النفسية، وفورًا قاطعتها بالقول “شكرًا لك ولمشاعرك النبيلة ولكني أطمأنك بأني قادم من آخر اللحظات والمدن الموشحة بالموت والدمار. هناك حيث مات أجمل الرجال والنساء والأطفال والأحلام وخرجت من غبار أكثر من 520دانة مجنونة حيًا كما ترين. فإن لم يجرفني سيل ذلك الأمس، لن يغرقني قطرة هذه اللحظة، فأتركي شأن العمر لله وأقطعي لي الأسباب. حولتني مباشرة إلى الطبيبة المعالجة التي وضعت الفراشة في يدي وأطلقت العنان لذلك السائل المهيب وهو يسري في جسدي حاملًا معه عبء ملايين المرضى الذين يئنون في المهاجر والمنافي ومعسكرات النزوج والبيوت المتعففة.
تركوني وحدي ممدًا أنظر إلى سقف تلك الغرفة. “الكيماوي “اسم مرعب لكنه العلاج الأخير فلكل داء دواء. والأقدار بيد الله.
طافت بي سحابة إذ غشتني سنة من نوم، كتبت عليها “وكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد..كنت أقرأ الآية ويمر من أمامي، شريط من حياتي عجيب!!وعندما صحوت من بعد الجرعة حيًا لست بميت وأنا أسمع عبارة عافية إن شاءالله. عرفت الله يقينًا وقرأت في سري ومن يتوكل على الله فهو حسبه. قمت من السرير ملء الإيمان، وهأنذا أخط بقلمي ما أخط شاكرًا سبحانه وتعالى الذي يسر لي أمري وحفظ لي ذاكرتي وفكري ومنحني القوة رغم محنة المرض وفك عقدة قلمي كي يكتب ويواصل الكتابة وهو كل مبتغاي فيما تبقى لي من عمر..لست حزينًا لست متشائمًا لست قلقًا ولكني سعيدًا بأن مدني بنعمة الصبر ضمن نعمة التي تحصى “قد ينعم الله بعض القوم بالبلوى وإن عظمت…ويبتلي الله بعض القوم بالنعم.
“ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا لنكونن من الظالمين”
والحمد لله رب العالمين.

Leave a Reply