-
«ما يحدث في السودان هو أكبر كارثة إنسانية في تاريخ البلاد»
-
«حرب 15 أبريل هي النتيجة الحتمية لفشل انقلاب 25 أكتوبر»
-
«تبددت فرضية الحسم العسكري وأصبحت الحرب مجرد أداة لاستنزاف الوطن»
-
«وقف الحرب فوراً وتشكيل سلطة مدنية انتقالية هو المخرج الأوحد للسودان»
-
«لا شرعية لأي تسوية سياسية تعيد إنتاج الأزمة أو تكافئ مشعلي الحرب»
-
«تاريخ الأنظمة العسكرية يثبت أن الحلول السياسية السلمية هي الخيار الوحيد والحتمي»
-
«دعوات العفو الرئاسية هي محاولات يائسة للبرهان للهروب من فقدان الشرعية»
-
«إغراق المبادرات الدولية بداعمي الحرب يفرغها من مصداقيتها ويطيل أمد المعاناة»
-
«التسويات الفوقية التي تُهندس من الخارج لن تجلب سوى هدنة مؤقتة تعيد إنتاج النزاع»
-
«بناء جيش وطني عصري موحد تحت إمرة السلطة المدنية هو الضمانة لاستدامة الديمقراطية»
-
«تطهير القوات المسلحة من قبضة الحركة المتأسلمة والأنشطة الطفيلية ضرورة وطنية قصوى»
-
«بناء جبهة شعبية واسعة هو الطريق الوحيد لقطع الطريق أمام أطماع التدخلات الخارجية»
-
«الوعي الشعبي المتجذر في السودان هو السد المنيع أمام طوفان التضليل وخطاب الكراهية»
—
في ظل استمرار حرب 15 أبريل وتداعياتها الكارثية على الشعب السوداني، أجرت صحيفة «مداميك» حواراً خاصاً من جزئين مع المهندس عادل خلف الله، الناطق الرسمي باسم «حزب البعث العربي الاشتراكي – قطر السودان» للوقوف على موقف الحزب وقراءته المنهجية والفلسفية لمعالجة الأزمة الراهنة. “الهدف” تعيد نشر الحلقة الأولى..
حوار: يوسف الغوث
—
#كيف يقرأ حزب البعث المشهد السياسي والأمني الماثل في السودان اليوم، بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع حرب 15 أبريل؟
يمر السودان بأكثر مراحل تطوره تعقيداً وحساسية. إن الأطراف التي فجرت حرب 15 أبريل 2023 – وداعمي استمرارها – لعبت دوراً حاسماً في إيصال البلاد إلى هذه المرحلة الحرجة، وذلك عقب فشل انقلابهم على الانتقال الديمقراطي في 25 أكتوبر 2021. إن الوضع الماثل الآن، جراء استمرار الحرب وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والنفسية، توجزه عبارة واحدة: «ما يحدث في السودان هو أكبر كارثة إنسانية». لقد أكدت الأحداث عبثية هذه الحرب وتدميرها البنيوي الشامل، كما أثبتت صحة موقف حزب البعث وسلامة تقديراته وتحذيراته المسبقة من مخاطر عدم إيقافها، وهي التقديرات التي تضمنها بيانه الأول الصادر مساء السبت 15 أبريل 2023.
#أين يقف حزب البعث العربي الاشتراكي من كل هذا المشهد؟
إن موقف حزب البعث بات يمثل تياراً وطنياً واسعاً يرفض الحرب كوسيلة للاستيلاء على السلطة أو كأداة لحسم الخلافات، ويدعو إلى وقفها فوراً عبر التفاوض، مع عدم الإقرار بأي من النتائج الناجمة عنها. وقد تحول هذا الموقف – بفضل الوعي الذي جذّرته المعاناة – إلى تيار جامع للقوى الحية في المجتمع السوداني، سياسياً واجتماعياً وجماهيرياً ومهنياً. إذ تمكنت هذه القوى بوعيها وحصانتها الوطنية من عزل طرفي الحرب، وإقامة المتاريس أمام طوفان خطاب الكراهية والتجييش والتضليل الذي يتبارى فيه الطرفان دون أدنى احترام لإرادة الشعب وقيم نضاله السلمي الديمقراطي.
#في ظل تعقد الأزمة وتطاول أمد المعاناة، ما هي مخرجات الوعي الشعبي الذي تحدثتم عنه، وكيف يحدد حزبكم الأولويات الوطنية لمواجهة الحرب وتداعياتها؟
من رحم هذه المعاناة، تبلور وعيٌّ شعبيٌّ ناضج أثمرَ عن أولوية وطنية ذات معالم واضحة؛ تتلخص في ضرورة وقف الحرب فوراً عبر التفاوض لفتح الطريق أمام سلام مستدام، مع تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية لمستحقيها دون عوائق، وصولاً إلى التوافق الوطني على إدارة البلاد عبر سلطة مدنية تقود انتقالاً ديمقراطياً محدد الأجل بعام واحد، يمهد لإجراء انتخابات عامة وشفافة تعيد الشرعية والمشروعية لمؤسسات الدولة. إن هذا الوعي هو المتكأ الذي مكن شعب السودان – بصبره ونضاله التراكمي – من إحباط البديل السلطوي الزائف والمتآمر على تقاليد نضاله ووحدة أرضه وشعبه. كما كان كفيلاً بكشف أبعاد التكالب الإقليمي والدولي بأدواته المحلية، العسكرية منها والمدنية، والطامح للسيطرة على ثروات البلاد ومواردها وهويتها الوطنية ودورها الإيجابي في قضايا التحرر. وهو التكالب نفسه الذي أدى – بتضارب المصالح وتباين التقديرات – إلى إطالة أمد النزاع وتحويله إلى «حرب منسية» وفق التوصيف الأمريكي؛ يغذيه في ذلك سلوك طرفي النزاع في تحويل الصراع إلى حرب استنزاف تضمن بقاءهما، لا سيما بعد أن تبددت فرضية الحسم العسكري في عقيدة كليهما.
#إذا كان موقفكم المبدئي هو وقف الحرب، كيف ينظر الحزب إلى مبادرة الآلية الخماسية وموقفه الأخير منها؟
تفاعل حزب البعث مع مبادرة الآلية الخماسية إيجابياً منذ بداية طرحها وأعلن ذلك رسمياً. إلا أننا نبهنا مبكراً – عبر لقاءات مباشرة ومذكرات مكتوبة – إلى وجود خلل في النهج الذي تتبعه الآلية، فضلاً عن التهاون في الالتزام بالهدف الجوهري للعملية، مما يفقدها المصداقية والتأثير الإيجابي لإنهاء معاناة السودانيين. وبما أن الخماسية تُعد إطاراً واسعاً تتقاطع فيه تقديرات أطرافها وتتفاوت نظرتهم ومدى حرصهم على وضع حد لمأساة الحرب، فقد فشلت في تحقيق هدفها المعلن بسبب تكرار الأخطاء والإصرار على المنهج ذاته. وفي تقدير حزب البعث، فإن نجاح الخماسية مرهون بالنأي عما بات يُعرف بـ «الإغراق»؛ أي بالابتعاد عن إشراك داعمي الحرب وواجهاتهم، حتى تكون المبادرة أكثر تعبيراً عن رغبة غالبية السودانيين الرافضين لاستمرار الحرب ولمن أشعلوا نيرانها تحت عناوين خبرها الشعب وعاش مآسيها. وبدون ذلك، نقول بوضوح وتواضع: لن يكون هناك أي تقدم ملموس في عمل الخماسية، رغم حرصنا على أن تمضي في الاتجاه الصحيح.
#وما هي رؤيتكم العملية لوقف الحرب وبناء سلام مستدام؟
إن موقفنا العملي نابع من حقيقة أن رفض الحرب وأولوية وقفها أضحيا مطلباً جماهيرياً وتياراً شعبياً متنامياً، وجد تعبيره الأوسع في موقف قوى «إعلان نيروبي» الرافضة للحرب والمتمسكة بعدم مكافأة مشعليها ومرتكبي جرائمها ضمن العملية السياسية الانتقالية. وفي تقديرنا، يجب أن تنطلق مبادرة الآلية الخماسية من حيث انتهت مبادرة الآلية الرباعية لا أن تقفز فوقها، حتى لا تسهم في إطالة المعاناة، ولتنسجم مع مبدأ «الملكية السودانية الوطنية للحلول»، وهو مربط الفرس.
#ما هي رؤيتكم للدعوة التي وجهها الفريق البرهان والمتعلقة بإعلان العفو عن قيادات تحالف “صمود”؟ وكيف تقيمونها في ظل هذه الظروف؟
ينطبق على هذه الدعوة المقولة الشعبية الشهيرة: «الجواب باين من عنوانه»؛ إذ يبرز توقيت الدعوة تشبث الفريق البرهان بالسلطة والاستمرار فيها كالشمس في وضح النهار. وقبل الإجابة التلقائية عن السؤال المبدئي: من يملك سلطة العفو ومن يمنحها؟، نجد أن متحدثاً باسم إحدى أكثر الواجهات السياسية توظيفاً من قبل الفلول والبرهان وحميدتي – لإعاقة الانتقال والتمهيد لانقلاب 25 أكتوبر 2021 – قد انبرى في تصريح ليَمُنَّ على المعنيين بهذه الدعوة، زاعماً أنه طلب من البرهان هذه الخطوة ضمن ما أسماه «تهيئة الأجواء»! إن هذه الدعوة لا يمكن عزلها عن سياق التدابير الأحادية التي درج الفريق البرهان على اتخاذها في محاولة منه للخروج من نفق فقدان الشرعية والتفرد بالقرار، وذلك على غرار إعلانه تشكيل المحكمة الدستورية، وإعادة تشكيل هيئة أركان القوات المسلحة، وتعيين محافظ لـ «بنك السودان المركزي» ورئيس للوزراء وغيرها. وهي قرارات تعيد إلى الأذهان ذات المنهجية التي اتبعها الرئيس المخلوع عمر البشير فيما عرف سابقاً بـ «حوار الوثبة». كما أنها لا تنفصل عن مساعي بعض الأطراف الإقليمية والدولية لهندسة «تسوية فوقية» قبل وقف الحرب، تضمن إبقاء أطراف النزاع جزءاً من مشهد ما بعد الحرب للسيطرة على مسار البلاد ورعاية مصالح تلك القوى. وهي تسوية على هيئة «هدنة مؤقتة» تعيد إنتاج الأزمة وتُبقي السودان مستنزَفاً ومغرقاً في جراحاته. وبإطلاق هذه الدعوة، يظهر الفريق البرهان متناغماً تماماً مع هذا المخطط ومستعداً لخدمة أهدافه.
#كيف تنظرون لمستقبل العلاقة بين الجيش والقوى السياسية بعد انتهاء الحرب؟
إن مستقبل هذه العلاقة لا يمكن عزله بحال من الأحوال عن الرؤية الكلية لمستقبل السودان؛ سودانٍ موحد، ديمقراطي ومستقر، ذي اقتصاد مزدهر قائم على المواطنة متساوية الحقوق، وتتسيده قيم العدالة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات نزيهة وشفافة. وكما ظل حزب البعث يشدد باستمرار على أهمية بناء جهاز دولة حديث يواكب متطلبات التنمية ويتطهر من آفتي المحسوبية والتمكين، فإن هناك ضرورة وطنية ملحة لبناء جيش وطني عصري وموحد يستند إلى أسس الدولة الحديثة. يتكامل في هذا الجيش دوره الحارس لسيادة السودان واستقراره ووحدة أراضيه، مع تحقيق تنمية متوازنة وترقية للخدمات تحت إدارة مالية تقوم على وحدة التخطيط ولا مركزية التنفيذ، ضمن اقتصاد واحد وخزانة واحدة. ويتطلب هذا النهج – بالضرورة – تفكيك وحظر أي استقطاب سياسي أو عقائدي أو جهوي داخل القوات المسلحة، وتحريرها تماماً من قبضة الحركة المتأسلمة والأنشطة الطفيلية والمليشيات الموازية، ليعود ولاؤها مطلقاً للوطن، وتكون تحت إمرة السلطة المدنية الديمقراطية. وهو مبدأ ينطبق بالقدر نفسه على كافة أجهزة القطاع الأمني، ويحتاج إلى توافق وتواثق وطنيين جامعين، ليصبح بمثابة ثوابت راسخة لبناء الدولة واستدامة نظامها الديمقراطي التعددي.
#كيف يقرأ حزب البعث التدخلات الإقليمية والدولية في الأزمة السودانية؟
تُشكل التدخلات الإقليمية والدولية سبباً ونتيجة للأزمة الوطنية في السودان في آنٍ واحد؛ إذ لا يمكن فصلها بحال من الأحوال عن حقيقتين جوهريتين؛ أولاهما الموقع الجيوسياسي الفريد وثروات البلاد الهائلة – من معادن نفيسة ومياه وشواطئ ومعابر حيوية – إلى جانب التجربة النضالية والديمقراطية للشعب السوداني، وهي تجربة لطالما شكلت مصدر قلق لمحيط إقليمي لا يرحب باستدامتها، ما جعل السودان محط تنافس واستقطاب ضمن الاستراتيجيات الدولية وما تطلق عليه الإدارات الأمريكية “الشرق الأوسط الجديد”. أمّا الحقيقة الثانية، فتكمن في المتغيرات الدولية واختلال موازين القوى العالمية، مع صعود قوى جديدة تتسابق على الهيمنة والنفوذ في مناطق حيوية يمثل السودان مركز ثقل فيها عربياً وإفريقياً. وقد بلغت هذه التدخلات ذروتها خلال حقبة نظام “الإنقاذ” جراء شعارات “المشروع الحضاري” والتوجهات الأيديولوجية عابرة الحدود، الأمر الذي جرّ على البلاد عقوبات اقتصادية وقرارات دولية صارمة، رغم التنازلات الضخمة التي قدمتها الحركة المتأسلمة للبقاء في السلطة، والتي توجت بتقاسم الحكم تمهيداً لفصل الجنوب وإغراق البلاد في ديون طائلة. وعندما اندلعت ثورة ديسمبر 2018، أربكت الحسابات وفاجأت نظام الإنقاذ ومخططات احتوائه الخارجية، التي صيغت تحت مسمى “الهبوط الناعم” ومخرجات منتديات “تشاتام هاوس”؛ لتأتي هذه الحرب العبثية لاحقاً وتزيد الطين بلة بتفريغها الأبواب أمام أطماع وتدخلات أجنبية أكثر جسامة. ومن هذا المنطلق، يرى حزب البعث – انطلاقاً من تجربته وقراءته لحجم هذه التدخلات وتأثيراتها – أن المخرج الأوحد يكمن في بناء جبهة شعبية واسعة تتكتل فيها القوى السياسية والاجتماعية، لبلورة ميزان قوى وطني يرجّح كفة الإرادة والمصلحة الوطنية المستقلة، ويقطع الطريق أمام كافة أشكال الوصاية والتدخلات الخارجية.
#هل ما يزال حزب البعث يرى أن الحل السياسي هو الخيار الوحيد، أم أن الظروف قد تفرض خيارات أخرى؟
إن الأساس الذي بنى عليه حزب البعث موقفه الرافض للحرب والداعي لوقفها عبر التفاوض، هو موقفه الفكري المبدئي الذي يؤمن بالحلول السياسية السلمية لقضايا التطور الوطني ولفض الخلافات بين الفرقاء. وهو ذات الأساس الذي رفض به الحزب ما سمي بـ «الحل العسكري» لقضية جنوب السودان في عهد المجلس العسكري لانقلاب 17 نوفمبر 1958، وذات الأساس الذي عارض به انقلابَي 25 مايو 1969 و30 يونيو 1989، وكذا انقلاب 25 أكتوبر 2021. لقد أكدت الأحداث نجاعة هذا الموقف بسقوط جميع الأنظمة التي استولت على السلطة بالقوة وتبنت العنف للحفاظ عليها؛ إذ سقطت جميعها بالإرادة الشعبية السلمية عبر الإضراب السياسي والعصيان المدني، بعد أن وصلت خياراتها السلطوية واستقواؤها بالخارج إلى طريق مسدود. إن انقلاب قوى الردة في 25 أكتوبر وحربهم العبثية وإطالتها كانت مجرد مكابرة من أطراف أعماها شبق السلطة والحفاظ على الامتيازات والفرار من المساءلة، متجاهلين الحقيقة التاريخية الساطعة: أنه لا بديل للحلول السياسية السلمية والتداول السلمي للسلطة. ولقطع الطريق على المخاطر المحدقة بالبلاد، ظل حزب البعث – من منبره المستقل وبالتنسيق مع القوى الداعية لوقف الحرب – يؤكد على حشد أوسع إرادة شعبية للحل السياسي، والتنبيه لمخاطر الحرب على وحدة البلاد، وفضح أطرافها والقوى والرأسمالية الطفيلية الناشئة التي ارتبطت مصالحها باستمرار النزاع. إن تمسك حزب البعث وحلفائه بهذا الموقف هو تعبير عن تطلع وطني لتجنيب البلاد مخاطر فرض تسويات فوقية من الخارج لا تخدم المصالح الوطنية.

Leave a Reply