قلم : ماجد الغوث
لم تكن انتخابات عام 1977 حدثاً عادياً في التاريخ السياسي للكيان الغاصب، بل مثلت تحولاً عميقاً أعاد تشكيل بنية النظام الحزبي، وغير موازين القوى التي استقرت قرابة ثلاثة عقود منذ إعلان قيام الكيان عام 1948. وقد أطلق الباحثون على تلك الانتخابات اسم الانقلاب السياسي. (المهاباخ )
،لأنها أنهت احتكار حزب العمل للسلطة، وفتحت الباب أمام صعود تيار يميني حمل معه رؤية متطرفة لإدارة الدولة والصراع مع الفلسطينيين والأمة العربية.
فمنذ تأسيس الكيان، قاد حزب “ماباي”، الذي تحول لاحقاً إلى حزب العمل، المشروع السياسي للدولة المصطنعة، مستنداً إلى نخبة عسكرية وسياسية أسست المؤسسات المدنية والعسكرية والاقتصادية. وخلال تلك المرحلة، تشكلت صورة الحزب بوصفه “حزب الدولة”، بينما بقيت الأحزاب اليمينية في موقع المعارضة، رغم حضورها المؤثر في بعض القضايا، ولا سيما ما يتعلق بوهم “أرض إسرائيل الكاملة”.
لكن حرب أكتوبر عام 1973 أحدثت هزة عنيفة داخل المجتمع الاستيطاني. فعلى الرغم من النتائج العسكرية والسياسية المعقدة للحرب، فإن المفاجأة التي تعرض لها الكيان الصهيوني الغاصب أضعفت ثقة قطاعات واسعة من الجمهور في القيادة التقليدية، وأثارت تساؤلات حول كفاءة النخبة الحاكمة. وقد كشفت لجنة “أغرانات” التي شُكلت للتحقيق في أسباب الإخفاق عن جوانب من القصور في التقدير والاستعداد، وهو ما انعكس مباشرة على المكانة السياسية لحزب العمل.
وفي الوقت ذاته، كانت التحولات الاجتماعية تتسارع داخل الكيان. فقد شعر كثير من اليهود القادمين من الدول العربية والإسلامية بأنهم لم يحظوا بالمكانة نفسها التي حظيت بها النخب ذات الأصول الأوروبية (الأشكناز)، وهو ما استثمره حزب الليكود بمهارة، مقدماً نفسه بوصفه ممثلاً للشرائح المهمشة، وموجهاً خطاباً يجمع بين الهوية القومية المتطرفة والوعود الاقتصادية والنقد الحاد للنخبة التقليدية.
قاد مناحيم بيغن هذا التحول بخطاب مختلف عن السائد آنذاك، مستفيداً من إرثه الإرهابي والسياسي الطويل، ومن قدرته على مخاطبة فئات شعرت بأنها خارج دائرة النفوذ. ولم يكن صعود الليكود مجرد تغير في أسماء القادة، بل كان تحولاً في الفلسفة السياسية، إذ ازداد حضور التيارات التي تنظر إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية بوصفها جزءاً لا يتجزأ من المشروع القومي الاستيطاني، وترفض أي انسحاب واسع منها.
ومع وصول الليكود إلى السلطة، بدأت حكومات الكيان تنظر إلى الاستيطان من زاوية تتجاوز الاعتبارات الأمنية التقليدية، ليصبح ركيزة أساسية من مشروع سياسي وأيديولوجي طويل الأمد يهدف إلى تغيير ديموغرافية الأرض المحتلة. وازداد الدعم الرسمي لإقامة المستوطنات وتوسيع القائم منها، وأصبحت هذه السياسة تحظى بتأييد قطاعات مؤثرة داخل الائتلافات الحاكمة، وهو ما ترك آثاراً بعيدة المدى على مسار الصراع وعلى نسف فرص التسوية السياسية.
ولم يكن هذا التحول منفصلاً عن طبيعة النظام السياسي القائم على التمثيل النسبي، حيث تعتمد الحكومات غالباً على ائتلافات تضم أحزاباً متعددة. وقد منح هذا الواقع الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة مساحة متزايدة للتأثير في القرارات الحكومية، إذ أصبح انضمامها إلى أي ائتلاف شرطاً مهماً لاستقرار الحكومة في كثير من الأحيان، الأمر الذي عزز حضور قضايا مثل الاستيطان والتهويد والدين في الخطاب السياسي.
ومنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، أخذت المنافسة الانتخابية تتجه بصورة متزايدة نحو إبراز ملفات الأمن والصراع باعتبارها من أهم معايير تقييم الحكومات. وأصبحت الأحزاب المختلفة تسعى إلى إقناع الناخبين بأنها الأقدر على إدارة التحديات الأمنية وقمع الانتفاضات والمقاومة، بينما تراجعت نسبياً القضايا الاقتصادية والاجتماعية لصالح لغة القوة والبطش.
كما شهدت تلك المرحلة تنامياً غير مسبوق في دور المؤسسة العسكرية والأمنية داخل الحياة السياسية، إذ انتقل عدد من كبار الضباط بعد انتهاء خدمتهم الدموية إلى العمل الحزبي، مستفيدين من المكانة التي يحظى بها الجيش داخل المجتمع الاستيطاني. وأسهم ذلك في تعزيز الارتباط بين الخبرة العسكرية والعمل السياسي، حتى أصبح حضور الشخصيات ذات الخلفية الأمنية سمة متكررة في المنافسة على رئاسة الحكومة وقيادة الأحزاب الكبرى.
ومع مرور السنوات، لم يعد “الانقلاب السياسي” لعام 1977 مجرد حدث تاريخي، بل تحول إلى نقطة مرجعية لفهم مسار السياسة اللاحقة داخل الكيان الصهيوني الغاصب. فقد أسس لمرحلة اتسمت بتعاظم نفوذ اليمين والفاشية السياسية، وتبدل أولويات الحكومات، وتزايد تأثير الأحزاب الدينية المتطرفة، وتغير طبيعة النقاش العام حول قضايا الصراع، وهي تحولات استمرت آثارها في الظهور خلال العقود التالية، وألقت بظلالها على معظم الانتخابات التي جرت حتى عام 2026.
وفي هذا السياق، فإن فهم انتخابات 1977 لا يقتصر على كونها انتقالاً للسلطة بين حزبين، بل يتطلب النظر إليها بوصفها بداية مرحلة أعادت صياغة موازين القوى، ورسخت أنماطاً عدوانية جديدة في الخطاب السياسي والتحالفات الحزبية، سيكون لها أثر بالغ في تشكيل المشهد السياسي خلال العقود اللاحقة، وفي الطريقة التي تعاملت بها حكومات الكيان مع قضايا الأمن، والاحتلال، والاستيطان، ومحاولات إبادة وتهجير الشعب الفلسطيني.

Leave a Reply