(قراءة معاصرة في كتاب في سبيل البعث): المثالية الموهومة والمثالية الحية عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق: لماذا لا تولد النهضة من الأحلام بل من الإيمان الذي يغيّر الواقع؟

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

تحميل المثالية الموهومة
ليست أخطر التهم التي تُوجَّه إلى المفكر أن يُقال إنه مخطئ، وإنما أن يُساء فهمه. فالخطأ يمكن أن يُناقش، أما سوء الفهم فيحجب الفكرة نفسها، ويجعل الناس يحاكمون صورة لم يقلها صاحبها قط. ولعل هذا ما حدث للأستاذ أحمد ميشيل عفلق حين وُصفت دعوته بأنها (مثالية)، حتى أصبح هذا الوصف يتكرر بوصفه حكماً نهائياً، لا يحتاج إلى برهان.
لكن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، في هذا الموضوع القصير والعميق من في سبيل البعث، لا يدافع عن المثالية كما يتصورها خصومه، بل يهدم هذا التصور من أساسه، ويعيد بناء مفهوم جديد للمثالية، في أنها مثالية لا تنفصل عن الحياة، بل تنبع منها، ولا تهرب من الواقع، بل تدخل إليه لتغيّره. ومن هنا فإن هذا النص ليس دفاعاً عن حلم، وإنما دفاع عن إمكان التاريخ. في عام 1943، كان الوطن العربي يعيش تحت وطأة الاستعمار الأوروبي متعدد الصيغ، والحرب العالمية الثانية تعيد تشكيل موازين القوى، والحركة القومية تبحث عن مرجعيتها الفكرية. وفي هذا السياق، كتب الأستاذ أحمد ميشيل عفلق نصه ليؤسس لمفهوم جديد للمثالية.

ليست المبادئ كلمات، بل حياة: يبدأ الأستاذ أحمد ميشيل عفلق من الاتهام نفسه. فهو يعترف بأن البعث وقيادته تعرضا مراراً للنقد، وأن كثيرين وصفوه بالمثالية، لكنه يقلب السؤال رأساً على عقب: ما معنى المثالية أصلاً؟ في الثقافة السياسية السائدة، يُقصد بالمثالية الانفصال عن الواقع، والعيش في عالم الأمنيات. أما عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، فالمثالية هي الإيمان بأن المبادئ الكبرى ليست شعارات تُكتب على الورق، وإنما قوى حية تتحقق كلما وجد الإنسان الذي يؤمن بها ويجسدها.
ولهذا يقول، بمعنى بالغ الدلالة، إن المبادئ السامية ليست موجودة في الكتب وحدها، وإنما هي الحياة نفسها، وقد تحققت مراراً في التاريخ حين حملها المؤمنون الصادقون، ويمكن أن تتحقق من جديد.
إنه هنا لا يطلب من القارئ أن يحلم، بل أن يقرأ التاريخ. فالتاريخ، في نظره، ليس سجلاً للهزائم فقط، بل سجل للحظات انتصرت فيها الفكرة لأن الإنسان صدّقها قبل أن يطالب الآخرين بتصديقها.
الفرق بين المثالية المتوهمة والمثالية الحية: هذا هو المحور المركزي في النص كله. فالأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا ينكر وجود مثالية وهمية، بل يرفضها. المثالية الوهمية هي التي تكتفي بالكلام الجميل، وتعيش خارج المجتمع، وتخشى الاحتكاك بالواقع. أما المثالية الحقيقية فهي التي تنزل إلى قلب المجتمع، وتعيش بين تناقضاته، وترى فساده، لكنها لا تسمح لهذا الفساد أن يقتل إيمانها بإمكان التغيير وإعادة البناء. ولهذا يقول إنه يعيش في وسط يرى فيه الفساد من كل ناحية، ويصمم على محاربته، لكنه لا يفقد الأمل في أن يخرج من هذا الوسط الفاسد نور الحياة العربية. إنها ليست مثالية الهروب، بل واقعية المقاومة والتغيير.
كيف يعيش المؤمن وسط الفساد؟ هذه من أعمق أفكار الفصل. فالإنسان، حين يرى الفساد يحيط به، قد يسلك أحد طريقين: إما أن يستسلم له بحجة الواقعية، أو ينعزل عنه بحجة الطهارة. أما الأستاذ أحمد ميشيل عفلق فيقترح طريقاً ثالثاً. أن تبقى داخل المجتمع. أن تخالط الناس. أن ترى الانحراف. أن تواجهه. لكن دون أن تسمح له بأن يهزم روحك. فالمثالية ليست الابتعاد عن المجتمع، وإنما الاحتفاظ بالنقاء داخله. وهنا تصبح المثالية شجاعة أخلاقية، وطاقة وقدرة تغيير، لا عزلة فكرية.
الواقعية والمثالية، وجهان لحقيقة واحدة: ومن أكثر المقاطع أهمية قوله إن الإنسان ينبغي أن يكون مثالياً وواقعياً في الوقت نفسه. وهذه العبارة تهدم أحد أشهر الانقسامات في الفكر السياسي. فالناس غالباً يضعون الواقعية في مواجهة المبادئ، وكأن من يتمسك بقيمه لا يفهم الواقع. أما الأستاذ أحمد ميشيل عفلق فيرى أن الواقعية الحقيقية لا تعني التكيف مع الفساد، وإنما فهمه تمهيداً لتغييره. فالذي يتخلى عن مبادئه بحجة الواقعية ليس واقعياً، بل مستسلماً. أما الذي يتمسك بالمبدأ، ويعرف في الوقت نفسه كيف يتحرك داخل المجتمع، فهو وحده الذي يجمع بين المثال والعمل. إنها واقعية أخلاقية، لا واقعية انتهازية، وانما تجسيد لإرادة الثورة والتغيير.
الجيل الجديد، البرهان العملي: ثم يقدم الأستاذ أحمد ميشيل عفلق دليله. فلا يحتج بالنظريات، ولا بالفلسفات، وإنما بالإنسان. إن هذا الجيل، كما يقول، يزداد يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة. وهنا يطرح سؤاله الفلسفي الجميل: هل هذا الجيل وهم، أم هو الحقيقة بعينها؟ إنه سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يحمل معنى بالغ العمق. فإذا كانت المبادئ مجرد أوهام، فمن أين جاء هؤلاء الذين يؤمنون بها؟ ومن أين جاءت قدرتها على جذب الناس؟ ومن أين جاء هذا الامتداد التاريخي؟ إن وجود الإنسان المؤمن هو البرهان على أن الفكرة ليست خيالاً، وإنما طاقة حية قادرة على إنتاج التاريخ.
حيث يقول (أين هي المثالية الوهمية التي ينسبونها إلينا ما دمنا نثبت يومًا بعد يوم بأن هذه المبادئ هي حياة نابضة بالدم، وأنها تجند جنودا أحياء).
الإيمان بالفعل لا بالشعار: لا يدعو الأستاذ أحمد ميشيل عفلق إلى التفاؤل الساذج، ولا إلى انتظار معجزة. إنه يدعو إلى نوع آخر من الإيمان. إيمان يعمل. إيمان يتحرك. إيمان يترجم نفسه إلى ممارسة يومية. فالفكرة، في تصوره، لا تثبت صحتها لأنها جميلة، بل لأنها تستطيع أن تتحول إلى حياة. ولهذا فإن المبادئ التي لا تنعكس في سلوك أصحابها ليست مبادئ، بل ألفاظ. أما المبادئ التي تصبح جزءاً من ضمير الإنسان، فهي التي تصنع الأمم.
قراءة معاصرة: هل أصبح التمسك بالمبدأ تهمة؟: بعد أكثر من ثمانين عاماً على كتابة هذا النص، تبدو أسئلته أكثر حضوراً. فالعالم اليوم يمجد البراغماتية، ويحتفي بالنجاح السريع، ويطالب الإنسان بأن يكيف مبادئه مع مصلحته. وأصبح من يتمسك بقيمه يُتهم أحياناً بأنه حالم، أو مثالي، أو غير واقعي. لكن السؤال الذي يطرحه الأستاذ أحمد ميشيل عفلق يبقى قائماً: هل الواقعية هي أن نستسلم لما هو قائم، أم أن نمتلك الشجاعة لتغييره؟ إن أعظم التحولات في التاريخ لم تبدأ بمن قالوا إن الواقع لا يتغير، وإنما بمن آمنوا أن الإنسان قادر على تغييره. ولهذا فإن المثالية التي يدافع عنها الأستاذ أحمد ميشيل عفلق ليست نقيض الواقعية، بل شرطها الأخلاقي.
خاتمة: لا يكتب الأستاذ أحمد ميشيل عفلق هنا عن المثالية بوصفها حلماً رومانسياً، بل بوصفها القوة التي تحفظ للإنسان إنسانيته وسط عالم يميل دائماً إلى المساومة. إنه يريد أن يقول إن المبادئ ليست زينة فكرية، ولا شعارات خطابية، وإنما هي الحياة نفسها حين تتحول إلى فعل، والإيمان حين يتحول إلى تاريخ. ولهذا فإن أخطر أنواع الوهم ليس أن نؤمن بالمبادئ، بل أن نظن أن الأمم يمكن أن تنهض من دونها. فالمثالية التي يسخر منها الناس قد تكون وهماً إذا بقيت حبيسة الكتب، لكنها تصبح أعظم قوة في التاريخ عندما تسكن ضمير الإنسان، وتدفعه إلى العمل، وتجعله يرى في الواقع مشروعاً للتغيير لا قدراً للاستسلام.
وهكذا لا يدافع الأستاذ أحمد ميشيل عفلق عن المثالية، بل يعيد تعريفها. فهي ليست الهروب من الواقع، وإنما الإيمان بأن الواقع، مهما اشتد فساده، لا يملك الكلمة الأخيرة، لأن التاريخ لم يصنعه الذين تكيفوا مع ما هو قائم، بل أولئك الذين امتلكوا الشجاعة ليؤمنوا بما ينبغي أن يكون، ثم جعلوه واقعاً. ويقول كذلك إن مثاليتنا هي هذه الروح المتفائلة الواثقة من نفسها ومن الأمة والمستقبل. وهذا هو المعنى العميق لـ (المثالية الحية) التي أرادها: مبدأ يعيش بين الناس، ويختبر نفسه بالفعل، ويظل متصلاً بالحياة حتى يغدو جزءاً من حركتها، لا حلماً معلقاً فوقها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.