منتصر منصور
كدمة في صدري على جانبه الأيسر، أتحسسها كل مرة. جدي كان يتحسس ساعة جيبه، يفتحها ينظر الزمن ويغلقها، تتدلى لها سلسلة، وأنا كنت أضع يدي عليها كأني سأغلقها، لكن لا أراها، وبدوت كأني أنشد السلام الجمهوري بوضع الراقد مفتقد الحماس، صرنا نردده بصمت، أو عند تلويح انتصار مباغت…
أراه يشحذ الألم في صدره بإضافة شمعات أخرى، لتصنع خطوات مُسودة على كتفه الأيسر ويتنفس بعد المائة بارتياح، وريثما تعجبت من سرعة (مرواده)، ظلت تراودني فكرة الشواء، وستبقى جهنم ماثلة في مخيلة العطن، وأبتعد عن خلط عمل صالح بعمل ضار يتقبله الله، ويزينني بعلامة نور في منكبي، أو يحجلني بقافية يتوضأ عليها قلبي، فيشكر نعمته ويرقب مكاناً علياً.
في الحلم.. لا يخطر بقلبي شيء، الأمل الذي نصبو له عسير الرؤيا، يجتاح صدري في نوبة صلاح..
واتذكر، عندما كنا نمارس الألعاب الخشنة قديماً، كنت أخفي كدماتي، جدتي تفحصنا بدهاء، لن نستطيع مهما أوتينا من تمثيل للبراءة إلا أن نخضع لاستنتاجها الفاضح، وبعده يأتي دور التقريع الملائم..
في المدارس كنا نضج، شغبنا مستمر، نلعب ونقرأ، البعض يتفوق والآخر يفشل، لم يكن هناك معالج نفسي لدراسة حالات الفشل (يبقى بالفصل)، ولم نبلغ المئة درجة جدارة، كانت الإعادة طبيعية، كما نبقى دوماً على ضفة الحياة برُكب مخدوشة، كدمات، ورضوض على الرأس، وكانت ذكرياتنا سخية قوية، ونمارس ألعاباً من صنعنا بسعادة وغير إلكترونية، ماذا دهى هذا الزمن؟ ستصبح الداندرمة يوماً ما معدلة وراثياً، واقتناء (الدُّقة) جنحة يعاقب عليها القانون..!
صدري يعزف لحن الإله، الألم يمنحني قوة المتابعة رغم الشكوك التي تزرعها رحلة التأمل، الفولاذ الذي في صدري يلتوي، لا ريب بأن السخونة في القلب، ولعل أحد بلاطات قفصي الصدري بدأت تحيد عن مكانها، أو ممشاها، ولذا عبرتني أشياء كثيرة، ربما إحداها قد ضغطت عليها بعض الفتيات، لكنهن خفيفات كالفراش ولا يسببن الألم حين يتسلقن سلم صدري ليصلن لذلك المتكور، لهن أثر نسمة وخفة ياسمين، ما الذي أتى بهذا اللبلاب، لا أدري، عليّ أن أرتق تلك العتبة، حتى يخفت الحمل على التي بعدها، وكي لا تصنع إحداهن أنشوطة تصطاد قلبي على الفور أو تدليه، لأصبح صاغر الأوردة مقتاد النبض، ويمكنني أن أعد حتى المائة وأتنفس، لكنه محال الآن..
حين يدق قلبي الساعة الرابعة كنشيد مؤمنين، يسليك لتؤدي صلاتك، وتتخلص من خلايا الشر البالية، وتغسل الروح، فبعض العناصر التي تخلو من (الرصاص) ستمنحك صيانة للجسد (أوعز لي جدي بذلك في مئويته)، لذا صرت أستيقظ فجراً لأمسح لحمي بأكسجين، وأعطي عظمي كالسيوم، ونظري كلور مطهر لرؤيا جيدة، هذا الوعي يسمح أحياناً بتجنب صراع لا يضر، سوى أنه يأخذ من العيون النوم اللذيذ، وهكذا أقلعت سريعاً عن الفكرة، تركتها للظروف والسفر..
ماذا أفعل في صدري؟ التدخين مأساة تهدم مدينة، ناهيك عن سوري الذي كنت أطليه قديماً بشرب الحليب كعامل مصنع، لا بد من زراعة مصدات رياح للجسد وتدوير الهواء، حتى لا يحدث انخفاض أوزون يؤثر على كوكبي الدوار، أو ممارسة هواية جميلة كتربية شتول أو زهور…
كقاتل محترف اقتنيت أصيص لورود (إيوفوربيا) تلك التي يسمونها سراً (عين النسيبة)، ربما لأن زهرتها حمراء تفتح بورقتين كالرموش، وفي منتصفها شوك خفي حاد القسمات، لقد كان نموها بطيئاً ونظرتها لم تتغير، وقد لا تذبل أبداً، تظل مفتوحة دائماً وتراقب كعسكري أمن.. بعد مئة يوم ورعاية أهديتها لجارتنا التي تزوجت رجلاً مات والده ووالدته بعد زواجه بيومين فقط…
كأن صدري جمهور يصفق بعد كل وصلة تفكير يؤديها عقلي، يبدو ساخراً من محاولاتي الشائقة، في جعله مستوٍ فوق أعلى غاطس للضغينة، وربما أكثر انتساباً لفضيلة الانشراح للخير والبشرية، ومتسامياً مع العشق، يؤدي دوره بحرية ولا يقيد شيئاً خلفه، رقراقاً يفتح مسامه للضوء، يرفرف كعلم أحمر..
يبدو الجسد متعباً بأناقة خفية رغم الزيغ الذي يطرأ على أجزائه، ظلت حباله متماسكة كشبكة صيد، يطفو بعضه ويغوص بإيحاء صيد وفير، وعلى ما يبدو أنني سأنصب ظهري، أقف لأواجه العالم بقامة واثقة، وأرخي تقطيبة حاجمي، أزيل توقيع مظهري بابتسامة، وأتخلص من منفضة سجائر، وزخم إنسانية في بالي وفكرة وطن منهوب وقصائد منفى، ورحلة سفر خالية، وفتاة مجهولة أستعيد منها ضلعتي…….
غالباً، سأدعو الله بأن يرشد يد طبيبي الصدري، قبل أن أحاول الاعتناء بنفسي على طريقة جدي الخلابة…!
#ملف_الهدف_الثقافي #العدد_المائة #ثقافة #إبداع #صنّاع_الذاكرة

Leave a Reply