د نائل اليعقوبابي
علِّميني المشْيَ فوْقَ الماءِ
والرّقْصَ على الحبْلِ
وقبْضَ الرِّيحِ،
حتى أتقِنَ التجديفَ،
فالطوفانُ آتٍ!
واعذريني، ربّما أطمحُ في خاتمةِ اللُّعبةِ..
أنْ أسرِجَ فلْوَ الرِّيحِ كي أهديكِ نجماً
ظل من عليائه يدنو وينأى!
ثم أهديكِ مع النّجمِ بديعَ الأغنياتْ
وأهازيجَ لأطفالٍ تنادوا..
رُغْمَ سيْفِ القهْرِ والجوعِ تنادوْا ليغنّوا،
تحتَ ضوءِ القمرِ الضاحكِ أنغامَ حياةٍ
لكِ.. لي، للناسِ في كل أوانْ!
لبلادٍ تعلنُ الحرْبَ على تاريخِها ثم تنامْ!
علّميني لغةَ الصّبْرِ لأنِّي..
في الزمانِ القحطِ لا أحني جبيني..
لعويلِ الرِّيحِ والعزْفِ النشازْ!
2
علّميني كيف من أوْجاعِنا
ننْسِجُ أحلاماً وورْداً للصِّغارْ
كيف من ظُلمتِنا،
تسطعُ أضواءُ النهارْ!
أمسِ بعثرْتُ مع اللّيْلِ همومي
هبَطتْ في راحتي نجمةُ صيف
قالتِ النّجمةُ:
إنّ الليْلَ في آخِرهِ..
فاصعدْ على سلّمِ أحلامِك
واشهدْ غُرّةَ الفجْرِ جميلاً وعليلا
طارتِ النّجمةُ.. عادَ اللّيْلُ أفعى تتمطَّى
كان فجّاً وثقيلا!
بيد أنِّي في ثناياه..
رأيْتُ الشمسَ في نُضرتِها ضاحكةً..
تغسلُ بالضوءِ قرانا!!
خرج الأطفالُ أزهاراً على الحقْلِ
تنادوْا ليغنّوا لكِ، لي، يا ورْدةَ النّارِ..
لفجرٍ رائعِ الطّلْعةِ،
يهدينا زغاريدَ الحياة!
تنساب المفردات في فمه كأنها تتدفق من عيون سهول وتلال كردفان التي جاءنا منها محملاً بالخضرة والدهشة وعذب النسيم.. موهوب من الطراز الرفيع، تأتي إليه الكلمات، يجمعها براعم ورد وفيوضات ماء، ويلتقطها من الطبيعة ومن الليل وحنين أنثى خلقت بين يديه قصيدة.
فضيلي جمّاع مسيرة شعرية وأدبية طويلة، نظم خلالها عمراً من القصائد والأعمال المسرحية والأدبية، فأسهم في تشكيل رؤاه الخاصة به وترجمتها بعدة أشكال في مدوناته الشعرية التي أغنى بها مكتبتنا الأدبية والإذاعية السودانية.
بكلّ ما يليق بالكلمة حين تُنصف أهلها، وبالشهادة حين تُكتب بميزان الوعي والمسؤولية، يمكن القول إنّ الشاعر المبدع فضيلي جماع يشكّل قامةً أدبية وثقافية سودانية راسخة الجذور، تجاوز حضوره حدود النص ليغدو فعلاً وطنياً متجذّراً في الوعي الجمعي.
لم يكن شاعراً يكتب من برجٍ معزول، بل مثقفاً ولد من رحم الطين السوداني، انخرط في همّ القضية السودانية بوصفها مصيراً ومعنى، فجاء شعره مشبعاً بروح الوطن، وذاكرته، وجراحه، وأسئلته المفتوحة على المستقبل.
في كتاباته، يتقدّم السودان لا كشعارٍ عابر، بل ككائنٍ حيّ له صوته ووجعه وأحلامه، تُروى بحساسية عالية ومسؤولية أخلاقية نادرة، حيث تتقاطع التجربة الفردية مع المصير الجمعي دون افتعال أو ادّعاء.
تميّزت تجربته الأدبية بقدرة لافتة على الجمع بين العمق الفكري والجمالية السردية، وبين الالتزام الوطني والإنفتاح الإنساني، فكان نصّه شاهداً على المرحلة وفاعلاً فيها في آنٍ معاً، لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يسعى إلى تفكيك الألم وفهم أسبابه، وفتح كوى أمل في جدار العتمة.. لم تكن كتابته استعادة لماضٍ مفقود، بل مساءلة دائمة للحاضر، واستشرافاً واعياً لمستقبلٍ لا يُبنى إلاّ على المعرفة والحرية والعدالة، حيث تتحوّل الكلمة إلى فعل مقاومة هادئ وعميق الأثر.
وكان يؤمن أن القصيدة ليست مجرد بناء لغوي، بل كائن حيّ يحمل روح كاتبه. لذلك بقي وفياً لفكرة الشعر بوصفه كشفاً داخلياً، لا مجرد لعبة شكلية.
ولهذا احتفظت نصوصه بحرارتها الإنسانية، حتى في أكثر لحظاتها تجريداً وتأملاً.
غير أن الشعر لم يكن العالم الوحيد الذي جذبه.. فقد كان للرواية سحرها الخاص في روحه. ذلك العالم الذي تختلط فيه الحقيقة بالإمتاع، والكلمة بالموقف.
وإلى جانب منجزه الإبداعي، يبرز دوره بوصفه مربّياً ثقافياً وأخاً أكبر لأجيالٍ من الكتّاب والشعراء الشباب، أخذ بأيديهم دون وصاية، وفتح أمامهم دروب الكتابة بثقة ومحبة وإيمان صادق بقيمة الكلمة وأنا واحد ممن كان له سبق الفضل في حثي على الكتابة وزرع الأمل في نفسي.. ما أعطاني الدافع لمواصلة الكتابة.
لم يحتكر الضوء، بل وزّعه، ولم يتعالَ على التجارب الجديدة، بل أنصت إليها واحتفى بها، وعدّ نجاحها امتدادًا طبيعيًا لنجاح المشروع الثقافي، مؤمنًا بأن الثقافة فعل تشاركي لا يكتمل إلاّ بتعدد الأصوات وتنوّع الرؤى.
في حضوره الإنساني، كما في نصّه، تتجلّى صفات المثقف المسؤول: تواضع، وجرأة الموقف، ووضوح الإنحياز إلى الإنسان وقضيته العادلة.. وهو في منفاه الإختياري اللندني، لا ينسى أو يتنكر لقضية طالما ناضل من أجلها وهي قضية الحرية والسلام والعدالة، وقيم المواطنة الحقيقية، يتعامل معها بوصفها تكليفاً أخلاقياً لا تشريفاً، واضعاً الثقافة في مكانها الطبيعي بوصفها جبهة وعي لا ترفاً نخبوياً.
إن فضيلي جمّاع ليس مجرد اسم في سجل الشعر أو الرواية السودانيّة، بل هو جزء من الذاكرة الثقافية للسودان الحديث؛ ذاكرة كتبتها أجيال آمنت بأن الكلمة الحرة يمكن أن تكون شكلًا من أشكال المقاومة، وأن المثقف الحقيقي لا يُقاس بحجم ظهوره، بل بعمق أثره وبقائه في وجدان الناس.
وإنّ الشهادة بحقّ الشاعر والأديب الكبير فضيلي جماع ليست مجاملة عابرة، بل واجبٌ ثقافي وأخلاقي، لأنّ الحديث عنه هو حديث عن نموذجٍ للمثقف السوداني الملتزم الذي لم يفصل يوماً بين الإبداع والالتزام، ولا بين الكلمة والموقف، ولا بين الذات والجماعة، فمرّ في الحياة بهدوء، لكن أثره بقي عميقاً وراسخاً، ممتداً في الذاكرة الوطنية والثقافية، كأنّه جزءٌ أصيل من سردية السودان نفسه.
واليوم، حين يُذكر اسمه فإننا لا نستحضر شاعراً ورواياً فحسب، بل نستحضر صورة المثقف السوداني الأصيل؛ ذلك الذي عاش للأدب، ودافع عن الجمال، وحمل وطنه في قلبه أينما ذهب.
لقد أثبت عبر مسيرته الطويلة أن الشعر يمكن أن يكون ضميراً، وأن الرواية يمكن أن تكون شرفاً، وأن الإنسان يستطيع، رغم كل الخراب، أن يبقى وفياً للنور الذي يسكن داخله.

Leave a Reply