سدنة الثقافة وحُرّاس المعنى:  الملاحق والملفات الثقافية.. رحلة قرن  في الصحافة السودانية

صحيفة الهدف

محمد الحاج

على أرضٍ رجراجة، وفي وطنٍ تنبت فيه الـح.رب كما تنبت الحناظل في أرض بور، وتعلو فيه قرقعة السلاح على صوت القصائد، تغدو الكتابة فعلاً وجودياً محفوفاً بالمخاطر.

لم تكن الصحافة الثقافية في السودان مجرد صفحات ملحقة بالجرائد اليومية، بل كانت أحد أهم روافد تكوين الوعي الوطني والفكري، وذاكرةً تحفظ ما عجزت السياسة عن حفظه. فقد ارتبط تاريخها منذ بدايات القرن العشرين بالحركة الأدبية والاجتماعية التي مهدت للاستقلال وبناء الدولة الحديثة، ونشأت الصحافة السودانية الأولى بروح ثقافية وأدبية قبل أن تتجه تدريجياً نحو الصحافة السياسية، وظلت الثقافة حاضرة في بنيتها التحريرية عبر أكثر من قرن.

في وطن ظلت الـح.روب والانقلابات والأزمات تهدد استقراره، لم تكن الكتابة فعلاً ترفياً، بل أصبحت محاولة لإنقاذ المعنى من الضياع، وإبقاء جذوة الوعي متقدة. ومن هنا ظهر دور المحرر الثقافي بوصفه أكثر من ناقل للنصوص، فهو يكتشف المواهب، ويصنع الذائقة، ويقترح الأسئلة، ويمنح الأفكار والنصوص فرصة الوصول إلى الجمهور. لذلك أصبحت الملاحق والصفحات الثقافية مؤسسات معرفية أسهمت في التنوير وتشكيل الوعي السوداني.

بدأت ملامح الصحافة الثقافية الحديثة مع الصحف والمجلات الأدبية الأولى، حيث مهّدت (حضارة السودان) التي صدرت عام 1919 بإشراف حسين شريف، و(الرائد) التي ارتبطت باسم حسين قليلاتي، الطريق أمام الكتابة الأدبية والفكرية.

وجاءت مجلتا (النهضة) (1931–1932) و(الفجر) (1934–1937) لتشكلا مرحلة التأسيس الحقيقي للصحافة الثقافية الحديثة. فقد نشرتا المقالات النقدية والأدبية، والترجمات، والقصص، والشعر، وأسهمتا في تكوين جيل من المثقفين المرتبطين بمشروع النهضة الوطنية. برز في (الفجر) عرفات محمد عبد الله رئيساً للتحرير، إلى جانب محمد عشري الصديق وأعضاء جمعية الفجر، بينما شارك في (النهضة) محمد عباس أبو الريش وعدد من رموز الحركة الأدبية.

وفي الثلاثينيات ظهرت مجلة (أم درمان) التي ارتبطت باسم محمد عبد الرحيم، وحررها الشاعر التيجاني يوسف بشير، كما لعبت (مجلة الكلية) الصادرة عن طلاب كلية غردون دوراً مهماً في نشر الأفكار الأدبية، وشارك فيها مثقفون مثل جمال محمد أحمد، وفاطمة طالب، وحاجة كاشف.

بعد الاستقلال توسعت مساحة النشر الثقافي، وظهرت مجلات وصحف اهتمت بالأدب والفنون. برزت (القافلة) في الخمسينيات بمشاركة حاجة كاشف وسعاد الفاتح، واهتمت (صوت المرأة) بقضايا الثقافة والمرأة، بينما أصبحت (الصراحة) بقيادة عبد الله رجب من المنابر المؤثرة.

وفي الستينيات ظهرت مجلتا (القصة) بإشراف عثمان علي نور، و(القلم) التي ارتبطت باسم حسن نجيلة، كما صدرت مجلة (الخرطوم) عام 1965 التي أسسها قيلي أحمد عمر، واحتضنت لاحقاً كتاباً ونقاداً من أجيال مختلفة.

وبلغت الصحافة الثقافية السودانية مرحلة ازدهارها الكبرى في السبعينيات والثمانينيات، حين تحولت الملاحق الثقافية في الصحف اليومية إلى مدارس فكرية وصحفية حقيقية. لعبت مجلة (الثقافة السودانية) دوراً بارزاً منذ 1977، والتي تولى رئاسة تحريرها الشاعر محمد عبد الحي، ثم عبد الرحيم أبو ذكرى وآخرون.

كما ظهرت مجلات متخصصة في المسرح والسينما والموسيقى، من بينها (مجلة الإذاعة والتلفزيون والمسرح) التي تولى تحريرها في وقت مبكر الشاعر محمد مفتاح الفيتوري، إلى جانب مجلات المسرح والسينما والموسيقى والفنون والشباب والرياضة، التي فتحت المجال أمام النقد والمتابعة والتوثيق.

وكانت ملاحق الصحف اليومية أبرز مظاهر تلك المرحلة، وفي مقدمتها (ملحق الأيام الثقافي) الذي أصبح مدرسة صحفية وثقافية، وشارك في تحريره عيسى الحلو، وعبد القدوس الخاتم، وعلي المك، وغيرهم من الأدباء والنقاد. كما شكل (ملحق الصحافة الثقافي) منصة مهمة للنقد والأدب، وشارك فيه عدد كبير من المثقفين.

وفي الفترة نفسها ظهرت مجلات ثقافية مرتبطة بالروابط الأدبية، مثل (الزرقاء) لرابطة سنار الأدبية، و(الأوسط) لرابطة الجزيرة للآداب والفنون، و(أولوس) لرابطة أولوس الأدبية، كما صدرت (الأشقاء) عام 1985 بإشراف سامي سالم وأحمد الطيب عبد المكرم.

لم تكن هذه التجارب مجرد منابر للنشر، بل كانت فضاءات لصناعة الذائقة واكتشاف الأصوات الجديدة وإدارة الحوار حول قضايا الهوية والثقافة والتعدد. وقد حمل محرروها مسؤولية كبيرة في زمن كانت فيه الثقافة تواجه تحديات السياسة والاقتصاد، فكانوا سدنة للمعنى وحراساً للذاكرة.

أدت التحولات السياسية بعد عام 1989 إلى تراجع كبير في المؤسسات الثقافية، فتوقفت بعض المجلات المستقلة أو تقلص دورها، لكن الصحافة الثقافية واصلت حضورها عبر الملفات والصفحات داخل الصحف اليومية. ظهرت ملفات ثقافية في صحف مثل (الأيام)، و(الصحافة)، و(الرأي العام)، و(الحرية)، و(السوداني)، و(الأضواء)، و(الخبر)، و(الوطن)، و(الشاهد)، و(الأزمنة)، وحافظت هذه الملفات على حضور الثقافة رغم ضيق مساحة الحريات.

وبرز في هذه المرحلة عدد من المحررين الذين أسهموا في استمرار الفعل الثقافي، من بينهم مجذوب عيدروس، ونبيل غالي، ومعاوية البلال، والصادق الرضي، وعثمان شنقر، وأسامة عباس، وعامر أحمد حسين، وأحمد عوض خضر، ومحمد إسماعيل، ومصعب محمد علي، وخالد كمتور.

وفي منتصف التسعينيات ظهرت تجارب ثقافية جديدة، من أبرزها (ظلال) التي شارك فيها هاشم صديق وعثمان جمال الدين وآخرون، و(سنابل) التي تولى العمل فيها عادل الباز، ود. اليسع حسن أحمد، وفوزي بشرى، وأمير صديق، ومحمد الربيع محمد صالح، ومجدي علي، وعبد اللطيف مجتبى. كما واصل (ملحق الأيام الثقافي) و(ملحق الصحافة الثقافي) حضورهما، وأسهما في تقديم أجيال جديدة من الكتاب والنقاد.

لم يكن العمل الثقافي الصحفي في تلك المرحلة سهلاً، فقد ظل المحررون يعملون وسط ظروف معقدة تتصل بالرقابة، وشح الموارد، وتراجع سوق القراءة، لكنهم حافظوا على استمرار المنابر الثقافية، مؤمنين بأن الثقافة ليست هامشاً في حياة الأمم، بل أحد شروط بقائها.

مع بداية الألفية الجديدة دخلت الصحافة الثقافية مرحلة مختلفة، فلم تعد الصفحة الثقافية مجرد مساحة لنشر القصائد والقصص، بل تحولت إلى مشروع معرفي يجمع الخبر الثقافي، والحوار، والتحقيق، والدراسة، والترجمة، والفنون البصرية.

برزت تجربة (تخوم) في صحيفة (الأحداث) بين عامي 2006 و2012 بوصفها واحدة من أهم التجارب الجديدة، فقد انفتحت على الأدب الحديث، والترجمة، والنقد، والفنون البصرية، والسينما. وأشرف عليها في مراحلها المختلفة مأمون التلب، وأحمد النشادر، ثم محفوظ بشرى، وأنس عبد الرحمن، وعمار جمال، ومحمد الصادق الحاج، وياسر فائز.

كما ظهر ملحق الثقافة في صحيفة (الصحافي الدولي) بإشراف محمد الربيع، ومجدي علي، والخاتم المهدي، وصدرت (أوراق ثقافية) عن هيئة الخرطوم للصحافة والنشر بإشراف مجدي علي، إلى جانب (مجلة كرامة) عام 2006 عن اتحاد الكتاب السودانيين.

واصلت الصحف تقديم ملفات ثقافية مهمة، فبرز في الملف الثقافي لـ(الحرية) أزهري الحاج وأسامة عباس، وفي (السوداني) الصادق الرضي، ثم جاءت تجربة (الممر) التي أشرف عليها مأمون التلب، وأصبحت من التجارب المؤثرة في الصحافة الثقافية الجديدة.

ومع صعود الصحافة الرقمية انتقلت التجربة الثقافية تدريجياً من الورق إلى الإنترنت، فظهرت منصات جديدة حافظت على دور الملاحق الثقافية في النشر والتوثيق والنقد والترجمة. وكانت (حبر سوداني) عام 2008 من أوائل هذه التجارب، وشارك فيها الصادق الرضي، وفاروق أسامة، ومأمون التلب، ومحمد الصادق الحاج.

ثم جاءت (إكسير) عام 2012 بإشراف محمد الصادق الحاج، ورندا محجوب، ثم أحمد النشادر، وميسرة محمد صالح، لتقدم نموذجاً جديداً للصحافة الثقافية الرقمية. وظهرت لاحقاً منصات مثل (البعيد) بإشراف الطيب المشرف، ومحفوظ بشرى، وياسر فائز، وحاتم الكناني، و(الحداثة) التي شارك في تأسيس تجربتها شمس الدين ضو البيت، وأحمد النشادر، ومحفوظ بشرى، ويوسف حمد، ومأمون التلب.

كما شهدت السنوات الأخيرة ظهور مبادرات رقمية جديدة مثل (جيل جديد) بإشراف أيمن هاشم، ثم راشد يسلم ويس المك، و(ملف القرار الثقافي) بإشراف ميسون عبد الحميد، والأصمعي باشري، والمغيرة حربية، و(حجول) بإشراف محمد بابكر.

وبعد اندلاع الـح.رب عام 2023 تراجعت الصحافة الورقية بصورة أكبر، لكن الثقافة انتقلت إلى فضاءات جديدة، فظهرت تجارب وملفات ثقافية مثل (الهدف الثقافي) في صحيفة (الهدف)، و(كريول) بإشراف حاتم الأنصاري، و(حديقة الكلمات) بإشراف أيمن هاشم، و(البوهيمية) بإشراف إبراهيم الإعيسر.

واصلت هذه المنصات الدور الذي أدته الملاحق الثقافية منذ بداياتها، فهي لا تكتفي بنشر الإبداع، بل تعمل على حفظ الذاكرة، وتوثيق التجارب، وفتح مساحات جديدة للكتاب والنقاد داخل السودان وخارجه.

إن تاريخ الصحافة الثقافية السودانية هو في جوهره تاريخ مقاومة هادئة لحفظ المعنى. فمنذ (الفجر) و(النهضة)، مروراً بـ(الثقافة السودانية)، و(الأيام الثقافي)، و(الصحافة الثقافي)، وصولاً إلى (تخوم)، و(الممر)، و(إكسير)، و(الحداثة)، والمنصات الرقمية الحديثة، ظلت الثقافة تؤدي دورها بوصفها ذاكرة المجتمع وضميره الحي.

وظلت أسماء مثل محمد عبد الحي، ومحمد مفتاح الفيتوري، وعبد الرحيم أبو ذكرى، وعلي المك، وعيسى الحلو، وعبد القدوس الخاتم، ومجذوب عيدروس، ونبيل غالي، ومحمد نجيب محمد علي، والصادق الرضي، ومجدي علي، ومأمون التلب، وأحمد النشادر، ومحفوظ بشرى، وياسر فائز، وميسون عبد الحميد، والمغيرة حربية، وغيرهم، مع العديد من التجارب الرائدة التي كان لها أثرها العميق في الحياة الثقافية يصعب حصرها في هذا الحيز المحدود.

إن محرري الثقافة لم يكونوا مجرد محررين أو ناشرين، بل كانوا سدنة للثقافة وحراساً للذاكرة، أدركوا أن خراب المعنى يسبق خراب المدن، وأن الدفاع عن القصيدة والقصة والفكرة هو دفاع عن الوطن.

فقد أثبتت التجربة السودانية أن الثقافة ليست رفاهية تؤجل إلى زمن السلام، بل هي أحد شروط صناعة السلام وبناء المستقبل.

فقد تهدم الـح.روب المباني، وتحرق المكتبات، وتبدد المؤسسات، لكنها لا تستطيع هزيمة الفكرة ما دام هناك من يكتب، ومن يقرأ، ومن يؤمن بأن الكلمة قادرة على إنقاذ ما تبقى من الذاكرة الإنسانية. وهؤلاء السدنة الذين حملوا مشاعل المعرفة في الأزمنة الصعبة سيبقون شهوداً على أن الأمم تُبنى بالوعي قبل أن تُبنى بالحجارة.

وفي أتون هذه الـح.رب العبثية التي تفتك بالأرض والإنسان، واستناداً إلى تاريخ الثقافة المعمد بحبر المكابدة، يظل السؤال معلقاً في أعناق المثقفين: ما هو دورهم الحقيقي في إيقاف الـح.رب وصناعة السلام؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.