من يقتل شباب السودان؟ (1)

صحيفة الهدف

أ‌. ابوبكر ضياء الدين          أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

ليس الق.تل دائماً رصاصة تخترق الجسد. فالرصاصة هي أبسط أشكال الق.تل، لأنها تنهي الحياة مرة واحدة. أما الأخطر منها فهو ذلك الق.تل البطيء الذي يجعل الإنسان يفقد حياته وهو لا يزال يتنفس، ويغ.تال مستقبله قبل أن يغ.تال جسده، ويطفئ أحلامه قبل أن يطفئ قلبه. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجهه السودانيون من يق.تل شباب السودان؟

إن من يرفع شعار المجد للبندقية بوصفها الطريق الوحيد للتغيير، يلتقي – من حيث يدري أو لا يدري – مع من يغرق الشباب في المخدرات. فكلاهما يصادر الإنسان، وكلاهما يسلبه حريته، وكلاهما يحوله من مشروع بناء إلى أداة هدم. الأول يق.تله برصاصة، والثاني يق.تله بجرعة، لكن النتيجة واحدة، غياب الإنسان.

وليس مخدر الشاشبندي سوى أحدث حلقات هذه السلسلة السوداء. فهو ليس مجرد مادة كيميائية، بل مشروع لتدمير الوعي. إنه لا يسرق المال فقط، بل يسرق العقل، ولا يفسد الجسد فقط، بل يهدم الإرادة. والمدمن لا يفقد صحته وحدها، وإنما يفقد قدرته على الحلم، والعمل، والإبداع، والانتماء، حتى يصبح غريباً عن نفسه قبل أن يصبح غريباً عن مجتمعه.

وليس استخدام المخدرات لإضعاف الشعوب أمراً جديداً في التاريخ. فقد شهد القرن التاسع عشر واحدة من أخطر الح.روب التي لم تكن غايتها احتلال الأرض، بل إخضاع الإنسان، وهي “حروب الأفيون” التي فُرضت على الصين. فقد أُغرقت البلاد بالأفيون حتى تحولت قطاعات واسعة من المجتمع إلى الإدمان، وعندما حاولت الدولة الصينية وقف هذه الكارثة، شُنَّت عليها الح.رب لفرض استمرار تجارة السموم. ولم يكن الهدف بيع مخدر فحسب، بل كسر إرادة أمة بأكملها، وإضعاف اقتصادها، وإفقادها قدرتها على المقاومة. ومنذ ذلك الوقت أصبح واضحاً أن المخدرات ليست مجرد تجارة غير مشروعة، بل قد تتحول إلى أداة استراتيجية لتفكيك المجتمعات، وإضعاف الدول، واحتلال العقول قبل احتلال الأرض. ولهذا فإن انتشار المخدرات بين شباب السودان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشكلة جنائية أو صحية فقط، بل بوصفه تهديداً للأمن القومي، لأن الوطن الذي يُستنزف وعي شبابه، تُنتزع منه أهم عناصر قوته ومستقبله.

لكن المخدر ليس الوجه الوحيد لهذه الج.ريمة. فالذي يدفع الشباب إلى ساحات الح.رب، ويجعل البندقية بديلاً عن الجامعة، هو أيضاً يمارس الق.تل. والذي يحرم الطفل من الروضة، والطالب من المدرسة، والشاب من الجامعة، إنما يغ.تال المستقبل قبل أن يبدأ. الذي يهدم المسرح، ويطفئ الموسيقى، ويحاصر الفنون، ويجعل الحياة بلا جمال، إنما يق.تل الروح، لأن الفن ليس ترفاً، بل أحد شروط بقاء الإنسان إنساناً. الذي يزرع الكراه.ية بين أبناء الوطن الواحد، ويغذي العن.صرية، ويقسم الناس على أساس العرق أو الجهة أو القبيلة أو الدين، لا يق.تل الأجساد، بل يق.تل الشخصية الوطنية، ويغ.تال فكرة المجتمع نفسها. الذي يستخدم الدين والتدين لإشعال الفتن، وتحويل الإيمان إلى أداة صراع، لا يق.تل الناس فقط، بل يق.تل قدسية الدين ذاته، لأن الدين جاء ليحفظ الإنسان، لا ليبرر إهلاكه.

الذي ينهب المال العام، ويفسد مؤسسات الدولة، ويسرق موارد الشعب، لا يق.تل المواطن مباشرة، لكنه يدفعه إلى الفقر، والفقر ليس مجرد نقص في الدخل، بل هو حرمان من الكرامة، ومن العلاج، ومن التعليم، ومن الغذاء، ومن الأمل. ولهذا قال الفاروق عمر بن الخطاب: (رضي الله عنه وأرضاه)، (لو كان الفقر رجلاً لق.تلته (، وقال الإمام علي (كرم الله وجهه)، (كاد الفقر أن يكون كفراً (، لأن الفقر حين يصبح سياسة، يتحول إلى وسيلة لق.تل الإنسان ببطء.

الذي يجبر الملايين على النزوح واللجوء، لا ينقلهم من مكان إلى آخر فحسب، بل ينتزع منهم شعورهم بالأمان، ويقتلعهم من ذاكرتهم، ومن بيوتهم، ومن مدارسهم، ومن قبور آبائهم، ومن تفاصيل حياتهم اليومية. إنه يق.تل إنسانية الإنسان قبل أن يق.تل جسده. ولهذا فإن ما يجري في السودان اليوم ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل مشروع واحد متعدد الوجوه، عنوانه اغت.يال الإنسان السوداني.

قد تختلف الأدوات، بندقية هنا، ومخدر هناك، وخطاب كراه.ية في مكان آخر، وفساد في مؤسسة، وتجويع في مدينة، ونزوح في قرية، لكن الهدف النهائي واحد، هو إنتاج مجتمع منهك، فاقد الثقة، خائف، عاجز عن التفكير، وعن المقاومة، وعن الحلم. ولذلك فإن أخطر ما يحدث اليوم ليس عدد الق.تلى، بل عدد الذين يفقدون القدرة على أن يكونوا مواطنين أحراراً.

إن اغت.يال الشباب يعني إعلان الشيخوخة المبكرة للوطن. فالأمم لا تشيخ عندما يكبر عمر سكانها، وإنما تشيخ عندما تفقد شبابها، أو حين يتحول شبابها من بناة إلى ضحايا، ومن صناع مستقبل إلى وقود لح.روب الآخرين. ولهذا فإن الدفاع عن الشباب ليس قضية اجتماعية فقط، بل قضية وجود وطني. فكل شاب ينقذ من المخدرات، هو جندي ينتصر للحياة. وكل طالب يعود إلى مدرسته، هو انتصار على الح.رب. وكل مسرح يفتح أبوابه، هو هزيمة للظلام. وكل كتاب يقرأ، هو طلقة في صدر الجهل. وكل مشروع إنتاجي يوفر عملاً كريماً، هو حصن ضد الفقر والتطرف والج.ريمة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن ليس أن يخسر معركة عسكرية، بل أن يخسر جيلاً كاملاً. والسودان اليوم يقف أمام هذا الامتحان التاريخي. فإما أن نستعيد الإنسان، فنستعيد الوطن. وإما أن نواصل الصمت، حتى يصبح السؤال بعد سنوات ليس: من ق.تل شباب السودان؟ بل: من بقي ليبني السودان؟

إن الذين يتقاسمون البندقية، ويتنافسون على السلطة فوق أنقاض المدن، والذين يغرقون الشباب في المخدرات، الذين يسرقون الموارد، ويغذون الكراه.ية، ويغ.تالون التعليم والثقافة، قد يبدون أطرافاً متصارعة، لكنهم يلتقون جميعاً في نتيجة واحدة، هي إضعاف السودان وتمزيق مجتمعه. وفي النهاية، فإن المستفيد الأكبر من وطنٍ منهك، وشعب منقسم، وجيل فاقد للأمل، ليس الشعب السوداني، بل كل القوى التي لا تريد للسودان أن يكون دولة قوية، مستقلة، وقادرة على امتلاك قرارها ومستقبلها. ولذلك فإن معركة إنقاذ الشباب ليست معركة اجتماعية فحسب، بل هي معركة سيادة، وكرامة، ومستقبل وطن بأكمله. نخاف أن يضحى أمر الوطن أكبر من قدرة إحاطته سياسياً، في المعالجة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.