من تاريخ الحركة الطلابية: التحالفات الانتخابية ولماذا التمثيل النسبي؟

صحيفة الهدف

أ. التجاني حسين

لعبت الحركة الطلابية دوراً متميزاً في مقارعة الأنظمة الدكتاتورية عبر مختلف الحقب التاريخية التي مرت على السـ.ودان بعد الاستقلال 1956، وتمتلك أدوات فعالة بحكم حيويتها ونشاطها، مقروناً ذلك بالعنفوان الذي يميز مرحلة الشباب.

تعتبر الاتحادات الطلابية إحدى الأدوات التي تمكن الطلاب وحركتهم الطلابية من الدفاع عن القضايا المطلبية، وحقهم في تكوين اتحاداتهم المنتخبة للدفاع عنها والتعبير عنها، دون أن ينتقص ذلك من أداء الدور الوطني المطلوب.

خلال حقبة النظام المتأسلم البائد المظلمة، لازمت الحركة الطلابية نهضة متصاعدة في انتزاع منابرها الطلابية في العديد من الجامعات (جامعة الخرطوم، النيلين، الجزيرة، الأهلية، الدلنج، كردفان… مثالاً) عبر “دستور الحر المباشر” كدستور انتخابي، ولم تهتم بدستور “التمثيل النسبي” عملياً حتى بعد فوزها بمقاعد الاتحاد، على الرغم من طرح بعض فصائلها للتمثيل النسبي، كـ “جبهة كفاح الطلبة”.

كانت ولا تزال جبهة كفاح الطلبة من أكثر التنظيمات الطلابية مطالبة بإقرار نظام التمثيل النسبي كأساس للعملية الانتخابية؛ لما له من مميزات تجعله أكثر ديمقراطية وتعبيراً عن الحركة الطلابية بما تتمتع به من تعددية سياسية وتنظيمية.

ففي جامعة الخرطوم، كمثال، استطاعت الحركة الطلابية في العام 2002-2003 انتزاع منبرها النقابي بعد نضال قوي وشرس، وكان فوزاً تاريخياً في ظل القبضة الأمنية الشديدة التي يفرضها نظام الحركـ.ة الإسلاميـ.ة وتحشيد مناصريه بالجامعات خلال الفترات الانتخابية، وما يحظى به من دعم مالي وأمني. وبالرغم من ذلك، استطاع التحالف الطلابي الممثل في جبهة كفاح الطلبة وعدد من الفصائل السياسية الطلابية (الاتحاديين، طلاب حزب الأمة، حركة “حق”، الجبهة الديمقراطية، حركة وجيش تحرير السـ.ودان بقيادة عبد الواحد نور…) وبفعل إنجازاته النقابية وأدواره الوطنية، أن يحافظ على مقاعد الاتحاد للدورات 2004-2005 و2006-2007. وغاب الاتحاد في العام 2008 بسبب عدم اكتمال النصاب الانتخابي؛ حيث لا ينص الدستور على جولة ثانية للانتخابات، والسبب الرئيسي في عدم اكتمال النصاب في التقدير هو انقسام القوى الوطنية وخوضها الانتخابات بقائمتين منفصلتين.

أما خلال جولات التفاوض التي تسبق الانتخابات، ظلت جبهة كفاح الطلبة من أكثر التنظيمات طرحاً للطلاب والتنظيمات بضرورة أن يتبنى التحالف الدعوة لتعديل الدستور لعودة دستور “التمثيل النسبي” خلال عمل الاتحاد بعد الفوز. ولكن عند الفوز بمقاعد الاتحاد، انشغل التحالف بالصراع مع الإدارة تارة، والصراع الداخلي بين مكوناته من أجل المكاسب السياسية والحزبية الخاصة تارة أخرى حتى نهاية الدورة، مع العلم أن الإعداد لدستور يتطلب جهداً مقدراً ويحتاج لزمن مناسب حسب التقويم الدراسي لضمان حشد الإرادة الطلابية المطلوبة لتعديل الدستور.

إن الجامعات بطبيعتها فضاء واسع يجمع بداخله مختلف المشارب الفكرية والسياسية والاجتماعية والتوجهات الأيديولوجية، فمن الأفضل البحث عن نظام انتخابي يعبر عن هذا التنوع وينصفه ويجعله مكمن قوة لا تفرقة. ومن هنا تظهر أهمية دستور التمثيل النسبي ليس فقط كآلية حسابية لفرز الأصوات، بل كفلسفة انتخابية تضمن أن يكون الاتحاد معبراً حقيقياً لكل المكونات دون إقصاء، كما يعبر عنه نظام “الحر المباشر” (القائمة الفائزة). إذ تتجلى عبقرية التمثيل النسبي في إعطاء قيمة لكل صوت، مما يجعله – مقارنة بصيغة الحر المباشر – أكثر ديمقراطية بما يجسده بأوسع مشاركة وأصدق تمثيل، مما يجعل عملية التحالفات قائمة واقعياً على أساس ما تسفر عنه النتيجة الانتخابية، بعيداً عن التضخيم الإعلامي، مما يتيح تمثيلاً عادلاً بوجود معارضة داخل مجالس الاتحادات، مما يضمن مراقبة فعالة لعمل الاتحاد واستقراره وقدرته في الاستجابة للمطالب الطلابية والدفاع عنها.

التمثيل النسبي في جوهره ميثاق أخلاقي يسهم بنسبة كبيرة في التقليل من العنف الطلابي، إضافة إلى الاستقرار الدراسي، وهي السمات الملازمة لكثير من التجارب الانتخابية بسبب عدم الاعتراف بالنتيجة أو الشعور بالإقصاء أو بفعل تدخلات نظـ.ام الحركـ.ة المتأسلم الحاكم حينها، خاصة إذا كانت المؤشرات لا تصب في مصلحته وخدمة توجهاته.

تجارب حية وغنية، ما أحوج النضال الطلابي، بما في ذلك تنظيمات حزب البعث الطلابية وجبهة كفاح الطلبة، لاستلهام العبر منها والتعلم من تجاربها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.