سلمى نايل
أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قراراً يقضي بعودة مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي إلى مقارها الأصلية، وهو قرار يبدو في ظاهره خطوة نحو استعادة مؤسسات الدولة لعافيتها الطبيعية بعد سنوات الحـ.رب والمعاناة. غير أن القرارات المصيرية لا تُقاس بحسن النوايا وحدها، وإنما بمدى ارتباطها بالواقع وقدرتها على مراعاة ظروف الناس الذين ستنعكس عليهم آثارها.
إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: على أي دراسة ميدانية أو اجتماعية أو أمنية ارتكز هذا القرار؟ فالطالب الجامعي ليس رقماً في كشوفات القبول، بل هو فرد ينتمي إلى أسرة تحمل أعباءً اقتصادية ونفسية هائلة، وقد أجبرت الحـ.رب آلاف الأسر على النزوح واللجوء والاستقرار المؤقت في مناطق بعيدة عن مقار الجامعات الأصلية. فهل تم حصر أوضاع هؤلاء الطـ.لاب؟ وهل تمت دراسة قدرتهم على الانتقال وتحمل تكاليف السكن والترحيل والمعيشة في ظل أوضاع اقتصادية هي الأقسى في تاريخ البلاد الحديث؟
ثم ماذا عن الوضع الأمني والاستقرار المجتمعي؟ فهناك مناطق ما زالت تعاني من هشاشة أمنية أو نقص في الخدمات الأساسية، بينما تحتاج البيئة الجامعية إلى قدر من الاستقرار يضمن سلامة الطـ.لاب والأساتذة والعاملين.
كما أن السؤال المشروع الآخر يتعلق بالبنية التحتية؛ فهل أُجريت تقييمات فنية دقيقة للمباني الجامعية والمعامل والمكتبات والداخليات وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات؟ وهل أصبحت هذه المؤسسات مؤهلة بالفعل لاستقبال عشرات الآلاف من الطـ.لاب بصورة تحفظ كرامتهم وتوفر لهم الحد الأدنى من البيئة التعليمية المناسبة؟
إن العودة الحقيقية لا تعني مجرد فتح الأبواب، بل تعني جاهزية متكاملة تشمل:
-
الأمن والاستقرار.
-
تأهيل المباني والمرافق.
-
توفير السكن والخدمات.
-
مراعاة الظروف الاقتصادية للأسر.
-
وضع خطط انتقال تدريجية.
ولا شك أن الجميع يتطلع إلى عودة الجامعات السـ.ودانية إلى مقارها الأصلية، لأن الجامعة ليست مجرد مبنى، بل رمز لاستقرار الوطن وتعافيه. لكن النجاح في ذلك يتطلب أن تكون القرارات مبنية على دراسات واقعية ومشاورات واسعة مع إدارات الجامعات وأعضاء هيئة التدريس والطـ.لاب والأسر المتأثرة.
إن إعادة بناء الوطن تبدأ من الإنسان، وأي قرار لا يضع الإنسان وظروفه في قلب المعادلة قد يواجه تحديات كبيرة عند التنفيذ مهما كانت أهدافه نبيلة.
لذلك، فإن المطلوب ليس رفض العودة، وإنما ضمان أن تكون عودة آمنة ومدروسة وعادلة، تراعي واقع الطـ.لاب وأسرهم، وتستند إلى معطيات حقيقية لا إلى تقديرات نظرية. فالمستقبل التعليمي لأبنائنا أكبر من أن يُختزل في قرار إداري، وهو يستحق حواراً وطنياً واسعاً يشارك فيه الجميع قبل الشروع في خطوات قد تكون آثارها بعيدة المدى على آلاف الأسر السـ.ودانية.

Leave a Reply