التّعليم الخاص والأجنبي.. اغت.يال العدالة

صحيفة الهدف

 إبراهيم الهميم

هناك قاعدة دستورية منسية: “التّعليم حق تكفله الدولة”، لكن الواقع عندنا اليوم يقول: “التّعليم حق تشتريه بمالك”. كيف يصنع التّعليم الحكومي والخاص مستقبليْن مختلفيْن في وطن واحد؟ إنها مفارقة التّعليم الحكومي والخاص والأجنبي، وأثرها السّالب على العدالة الاجتماعية.

(2)
إن تكلفة الوصول للتّعليم الحكومي مجانية نظرياً، ولكن الطّالب والتّلميذ يدفعان ثمن انهياره؛ لا كتاب، لا إجلاس، لا حمام نظيف، ورغم ذلك ملزمان برسوم كثيرة وجبايات متعدّدة لا حصر لها. من جانب آخر، كرّس التّعليم الخاص طبقية حادة، لأن الفقير محكوم عليه بالحكومي الرّديء، والغني يشتري تعليم المستقبل بمال ربما نُهب من الفقراء أنفسهم، ولذلك مـ.اتت العدالة عند بوابة المدرسة.

فمن حيث البيئة المدرسية في التّعليم الحكومي، هناك ما بين (70-90) تلميذ في الفصل الواحد في مبنى منهار؛ لا معمل، لا مكيّف، وأحياناً تحت الشّجر في القرىٰ البعيدة في ريفي كسلا أو كادقلي أو الكُرمك. بينما نجد في مدارس التّعليم الخاص والأجنبي ما بين (15-25) تلميذ في فصل مكيّف، تتوفّر فيه معامل، ملاعب، مسابح، “سمارت بورد”، ومعلّم مؤهل ومدرّب. وهكذا نصنع الغُبن بأنفسنا؛ لأن الطّالب في المدارس الحكومية يحسّ أنّه مواطن من الدرجة الثانية وعمره لا يتجاوز 6 سنوات، ومن هنا يبدأ الحقد الطبقي في النمو.

والمعلّم في التّعليم الحكومي جائع، مكسور الخاطر، مرتّبه لا يكفي 5 أيام، ويدرّس في أكثر من 3 مدارس ليوفّر الحد الأدنى من الحياة المعيشية لأسرته، فهو محبط. بينما المعلّم في الخاص والأجنبي مرتاح مادياً، مُدرّب، راتبه 10 أضعاف معلم الحكومي، متفرّغ للمدرسة طول العام. كان من البديهي أن يحدث نزيف الكفاءات بسحب التعليم الخاص أكفأ المعلّمين، وصارت المدارس الحكومية “مكاناً” للمجبورين وللطّلاب الفقراء، يدرّسهم أستاذ محبط منهجاً سـ.ودانياً قديماً، مشوّهاً، مبتوراً، طباعته رديئة أو لا يوجد أصلاً. بينما الأجنبي يُدرّس منهجاً بريطانياً (IGCSE)، أو أمريكياً (SAT)، أو تـ.ركياً، والطّالب فيه لا يعرف “عازة الخليل” ولا المك نمر ولا علي دينار ولا عثمان دقنة؛ مغترب ثقافياً عن بيئته. المدرسة تعمل لصالح نخبة حاكمة وطبقة طفيلية لا تعرف وجع التّعليم في الرّيف البعيد والرواكيب والبوادي، تتكلّم الإنجليزية وتحتقر اللّغة العربية وتعيش حالة انفصام حاد مع الواقع حولها.

(3)
أما مخرجات ما بعد المدرسة؛ ففي التّعليم الحكومي شهادة سـ.ودانية ضعيفة لتنافس في جامعات حكومية منهارة، أو لا جامعة أصلاً، والوظيفة غير مضمونة ولكن العطالة مؤكدة. وفي التّعليم الأجنبي وبعض المدارس الخاصة، الشّهادة عالمية تُرشّحك لمنح في جامعات أوروبا وأمريكا، أو الجامعات الخاصة، والوظيفة بعد التّخرّج مضمونة (مدير، سفير، وزير، رجل أعمال)؛ فالمناصب تُورّث ممن قبلك في العائلة والطّبقة، ابن الغني ضامن كُرسي السُّلطة، وابن الفقير متوقّع كُرسي العطالة وخيار الغربة إلى المجهول.

وفي الحـ.رب الأخيرة، (100%) من المدارس الحكومية أغلقت، و(16.5) مليون طفل أصبحوا في الشّارع، بينما (90%) من المدارس الأجنبية والخاصة ظلّت تعمل “أونلاين” أو في مناطق آمنة، تعليمهم ظلّ مستمراً لأنهم يدفعون مقابل ذلك أموالاً. فكان الظُّلم مضاعفاً، لأن الحـ.رب عاقبت الفقير مرّتين، حين دمّرت مدرسته المتهالكة التي بلغت عمرها الافتراضي ولم تُجدّد جدرانها وأبوابها وشبابيكها، بينما واصل ابن الغني تعليمه في المدن التي ترقد على شواطئ الأمن. فنبت الغُبن مسلّحاً بأسباب موضوعية كرّسها هذا التّفاوت “الحاد” بين فئات المجتمع. غُبن نفسي وإحساس بالدّونية حين ينظر الفقراء الكادحون في التّلفزيون لمدرسة في الخرطوم فيها مسبح وميادين لأنشطة حديثة ومعامل، وهم يفترشون الأرض في فصول من قش؛ سيسألون أنفسهم حتماً: ألسنا سـ.ودانيين مثلهم؟ هذا الإحساس المدمّر أخطر من الرّصـ.اص، هو وقود الحـ.روب القادمة إن لم نُعد النّظر في التّعليم.

(4)
لقد أدّت سياسة التّعليم الخاص إلى غُبن اقتصادي، حيث يتم توريث الفقر والإقصاء؛ بينما التّعليم هو السُّلم الوحيد للفقير لكي يخرج من دائرة فقره، وحين ينكسر هذا السُّلم، نكون قد حكمنا على أولاده وأحفاده بالفقر؛ نورّث الفقر ونورّث الغنى وهكذا يتم تدمير النّسيج الاجتماعي. كما ورّثت هذه السياسة المشوّهة في التّعليم الغُبن السّياسي، وشرعنت التّمـ.رّد؛ حين يرى المواطن في قرية في أطراف البلد، ويقتنع أنّ الدولة وفّرت تعليماً راقياً لابن الوزير والطُّفيلي وسمسار الحـ.رب، وهو عاجز عن توفير “راكوبة” لولده، لن يكون لهذا المواطن ولاء لهذه الدولة، ويرى أن حمل السِّـ.لاح ضدها منطقي في نظره. وهكذا ينمو الغُبن الاجتماعي، حين نسمح بهذا التّفاوت الطبقي الحاد ليجتمع في دولة واحدة ويخلق شريحتين في المجتمع: شريحة صغيرة (IGCSE) تتكلّم لغة إنجليزية وتسافر متى أرادت، وتحكم متى عادت، وتسكن أحياءً محدّدة إن شاءت، وتقضي أغلب وقتها في الخارج. وأخرى شريحة ضخمة تتكلّم لغة عربية مكسّرة بسبب نقص التّعليم، وهي نازحة طول الوقت، محكوم عليها أن تسكن في المعسكرات والعشوائيات في أطراف المدن وأحزمة الصّفيح. أفراد هاتين الطبقتين لا يمكن أن يلتقوا إلا في المطار؛ الأولى أفرادها مغادرون في رحلة للخارج، والثّانية أفرادها يعملون في العتالة الشّاقة في ردهاته.

(5)
والسُّؤال الذي يطرح نفسه: مَنْ المستفيد من خراب التّعليم وضياع العدالة الاجتماعية؟ من المؤكد أنهم تُجّار التّعليم، أصحاب المدارس الخاصة والأجنبية، الذين يرون في انهيار التّعليم الحكومي زيادة لأرباحهم المالية وامتيازاتهم الطبقية. فالنخبة الطفيلية ترى أنها بذلك تضمن توريث أولادها السُّلطة واحتكار الثّروة، لأنهم وحدهم الذين تلقوا تعليماً عالي الجودة. والفئة الثالثة التي استفادت وتستفيد من انهيار التّعليم الحكومي هي تُجّار الحـ.روب الطويلة، لأن الغُبن هو المناخ المثالي للاستثمار في الشّباب الحاقد كمقاتلين جاهزين، وبذلك يخسر الوطن وحدته والشّعب أمنه وسلامه الاجتماعي.

والحل ليس بإغلاق مدارس التّعليم الخاص بجرّة قلم، بل بسن القوانين التي تحمي الفقراء والأغنياء معاً:

  • أولاً: قانون يلزم أي مدرسة خاصة بقبول 25% من الطُّلاب الفقراء المتفوّقين مجاناً.

  • ثانياً: تجريم التّسرب بإلزام الدولة توفير مقعد محترم لكل طفل، وتوحيد راتب المعلّم في التّعليم الخاص والحكومي حتى نوقف نزيف المؤهّلين من التّعليم الحكومي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.