التّعليم الخاص والأجنبي.. أمام محكمة  التّاريخ

صحيفة الهدف

 محمد طاهرالشّابي

التّعليم ليس مجرّد خدمة، يمكن أن يُقدّمها كل صاحب طموح تجاري، بل هو حق دستوري، ومطلب إنساني عالمي، من واجب الدّولة أن تُوفرّه مجاناً، لشعبها، وفق معايير دولية تنص على ذلك، وهو من الأهمية بحيثُ لا يُترك لكل مستثمر، لارتباطه العضوي بالأمن الاجتماعي للشّعب ومستقبل أجياله في الحياة وفرص النهضة والتّقدم.

وبهذا المعنى التّعليم الخاص والأجنبي، لم يكن بريئاً ولا صادقاً في مسعاه، فقد عمل جنباً إلى جنب السُّلطة، لتدمير التّعليم الحكومي، وحين رفعت الحكومة يدها من دعم التّعليم وجد الكثير من الأدعياء فرصة للاستثمار في هموم المواطن، ورغبته الكبيرة في تعليم ابنائه.

   2

لقد ساهم التّعليم الخاص في تخلي الدولة عن مسؤوليتها الدّستورية، باندفاع أصحاب الأموال، وحماية السِّلطة لهم للاستثمار في التّعليم الخاص، حيث أقبلوا عليه بضوء أخضر، حين رفعت الدولة يدها عن التّعليم الحكومي، وتعثّر صرف المرتبات ، واهملت صيانة المدارس و طباعة الكتاب والإجلاس، ورغم ذلك لم يسد التّعليم الخاص والأجنبي الفراغ، بل كان هو السّبب في صناعة الفراغ وتسميم المزاج العام، وتنميط المجتمع، وقولبة النّفوس، فكلما فُتح دُكان تعليم جديد- أقصد متجر- تُغلق الدولة فصلاً في مدرسة حكومية، وحُوّلت اسوار المدارس إلى متاجر و”بقالات” احتُكرت تصاديقها لعناصر النّظام المباد في التعليم، وغير التّعليم، لتبيع فيها كل شيء، فأفسدت بذلك البيئة المدرسية، ولم تعُد المئات من المدارس في الخرطوم وعواصم الولايات، تصلُح للتّربية والتّعليم.

  3

إنّ التّاريخ علمنا، لا توجد دولة محترمة، يمكن أن تترك التّعليم للقطاع الخاص كُليّاً- كما في السُّودان-ففي فنلندا مثلاً يوجد أفضل نظام تعليمي في العالم، لأنها تمنع المدارس الخاصة الرّبحية تماماً، والتّعليم كُلّه مجاني وحكومي، وفي ألمانيا،  التّعليم الخاص موجود، ولكن بضوابط صارمة، تمنع أخذ رسوم عليه، لأنّه يتلقى دعماً حكومياً، وعليه أن يقبل أي طالب، وفي كوريا واليابان، التّعليم الخاص يعمل تحت رقابة حديدية، بمنهج موحّد، ورواتب موحّدة، وتفتيش كل شهر.

 ولكن الحال في بلادنا مختلف، كل من يمتلك عمارة يُصدّق فيها مدرسة عالمية، تعمل بلا رقابة للمنهج، ولارقابة على  الرّسوم، ولا رقابة للمؤهلات، فهل يمكن أن نُسمي هذا تعليم، أم استثمار عقاري؟

 إن التعليم يتحوّل من حق إلى سوق نخاسة

حين يدخل الرّبح في معادلة التّربية والتّعليم، ويصبح الطّالب زبون، وليس مواطناً، والزّبون الذي يدفع أكثر، هو الذي ينال خدمة أفضل.

ولذلك الأستاذ في التعليم الخاص، لا يستطيع ممارسة دوره التّربوي، والطّالب عنده لا يرسب في الامتحان، حتى لا تخسر المدرسة مقعده، لأنه سيتحوّل إلى مدرسة أخرى إذا فُصل، وغدت الشّهادة تُباع، والضمير يُؤجّر. وهكذا قُتلت العملية التعليمية او اغتيلت، وأصبح التعليم الخاص، دولة داخل الدولة

والمدارس الأجنبية صارت جزر معزولة، علم، قانون، ولاء، لغة، كلها ليست سودانية، وخريجيها لا يعرفون معالم جغرافية السُّودان، لكنهم يحفظون معالم عواصم أخرى في العالم.

 4

وهكذا نصنع نخبة عميلة ثقافياً. ولاءها للجهة التي منحتها الشّهادة، وليس البلد الذي دُفن فيه  أجدادها. التّعليم الخاص جريمة مركبة، بصيغته الحالية المنفلتة، وهو سبب مباشر في انهيار التّعليم الحكومي، لأنه أعطى الدولة سبب للتّخلي عن التزاماتها الدستورية والقانونية تجاه شعبها، وأصبح أداة طبقية لفرز المجتمع وتوريث السُّلطة والثروة.وهو بذلك خطر على الأمن القومي، لأنه ينتج أجيالاً  معزولة عن واقعها،وعلينا أن لا ننتظر تاجر المدرسة الخاصة ليبني لنا وطناً، لأن هدفه الرّبح، وليس الوطن، والحل الجذري ليس تقنين التّعليم الخاص وإفساح المجال للاستثمار فيه، بل تجفيف منابعه، بإعادة الاعتبار للتّعليم للحكومي،

ومنع التّربح بسن قانون التّعليم غير الرّبحي، و أي مدرسة خاصة فائضها يرجع لتطويرها، وليس لجيب المالك، مثل فنلندا،

وسحب التّرخيص من أي مدرسة أجنبية ترفض تدريس 40% منهج سوداني، تاريخ، جغرافيا، تربية وطنية، وتُغلق فوراً.

وإعادة التأميم الجزئي لموارد الدولة أولاً للتعليم الحكومي، حتي يصبح التّعليم الحكومي أقوى من الخاص، عند ذلك  سيتوقّف الخاص لوحده .

هكذا تقول محكمة التّاريخ، وبمحاسبة كل من سمح لهذه الدّكاكين أن تبيع العلم، ومن استفاد من تدمير المدارس الحكومية لأنها جريمة مع سبق الاصرار.ليست هناك يا سادتيؤ دولة محترمة، تترك تعليم أجيالها في يد تاجر، التعليم مثل مؤسسة الجيش، لا تقبل الخصصة .

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.