عايز تفهم بالضبط الحاصل شنو في البلد دي.؟!….والحل شنو..؟! تابعني :

صحيفة الهدف

بقلم: أبوبكر ضياء الدين

الجزء الثاني:

تقديم:

تناولت في الجزء الأول (حكم الطبيعة) التي وزعت الشعب السوداني إلى (مجتمعات) منعزلة نسبياً عن بعضها البعض، وأن نشأة المدن ليست خلاصة تفاعل طبيعي، بل تكونت بقرارات (اقتصادية فوقية) تخدم حركة رأس المال، لا خدمة الإنسان، وأن الاستقلال السياسي للوطن لم يتم إكسابه مضامينه الاقتصادية والاجتماعية، مما حافظ على بقاء الانعزال (الجغرافي) والتخلف في تقديم (الخدمات الأساسية والضرورية والحياتية للإنسان).

اعتمدت (الحركة المتأسلمة) في نهجها السياسي وضجيجها الإعلامي على مرتكزين أساسيين، الوقوف عليهما يشرح عقلية قيادتها ويفضح عقيدتها، وهما:

أ/ استخدامها ذات الأسلوب الذي استخدمه المستعمر (التركي)، وهو (شعارات الإسلام الزائف والدولة الدينية الإسلاموية)، لغرض كسب التعاطف (الروحي) وخدعة (العقل العلمي)، ولإسكات الآخر المناوئ. وساعد دهاءها المستعين بـ(الماسونية العالمية) من وجود (الشيوعية) في المناخ السياسي الوطني، إذ الضد يوجد ضده، ومصلحة الضدين تكمن في المحافظة على وجود كليهما، فغياب أحدهما يعني غياب الآخر، فهذا أمر علمي بحت. وفي مجال السياسة، فإن الواقع ووقائع الاصطفاف أثناء (ساعات فناء الآخر) تفسره…!!!

ب/ وللبقاء في (السلطة) استخدمت (الحركة المتأسلمة) ذات منهج المستعمر (البريطاني) في (فرق تسد)، فخلقت من (ثغرات) العزلة الجغرافية، مع وجود عوامل التخلف، فرصة عمدت خلالها إلى إشعال الفتن وضرب كل دائرة مجتمعية بأخرى، وتقريب بعضها نحو (كعكة) السلطة وحرمان الأخرى، وهكذا سارت حذو النعل في ذات درب المستعمر وسياسته للبقاء ونهب الأوطان.

بعلمية تؤكدها الشواهد، إن أخطر ما مر بالتاريخ الوطني السياسي هو هذه الطغمة المتأسلمة، فقد جمعت في عقلها وفعلها عقلية وفعل المستعمرين (التركي والبريطاني + الجنسية السودانية)، وهنا تكمن خطورة وجودها…!!!!

أما القوى السياسية الأخرى فهي من تربية الثقافة البريطانية (من يهدي سيف الثائر الإمام المهدي لملكة بريطانيا)، أبعد ما يكون عن دم من استشهد من أجل تحرير السودان، وأبعد ما يكون عن إعطاء الاستقلال السياسي مضامينه الاقتصادية والاجتماعية، أو امتلاكه لـ(تصور) ينهض بالمواطن والوطن، وإن تأثرت هذه (الطائفة وحزبها) فيما بعد بوجود الصوت الوطني الصحيح المخنوق بـ(آل البيت).

وهنا لا أعفي الطائفة الأخرى (الختمية) التي أوجدها المستعمر وارتبطت به لغرض مخابراتي بسيط، وهو جعل المواطن السوداني البسيط محصوراً أمام خيارين (هذه الطائفة أو تلك)، وفي كل الخيارين تحقيق لمصلحته ووجوده، وأيضاً، وللأمانة العلمية والتاريخية، وجد في داخلها الصوت الوطني الصحيح المتحرر من (الطائفة وآل البيت).

وذلك ما يحدث الآن بين الاختيار أو الاصطفاف بين (طرفي الحرب)، فأي من الخيارين يقود لمصلحة (الصه يو نية)، وهذا ما سنحاول الوصول إليه معاً في تناول الأجزاء القادمة. وأي خيار معزول عن الإرادة الجماهيرية المفعلة من خلال الاتكاء على (الإرادة الدولية) هو ما يجعل طرفي الحرب في كفة (تمثل مصلحة الإمبريالية والصهيونية)، والاستناد الكامل على (المجتمع الدولي)، في ظل غياب استنهاض الجماهير، يمثل أيضاً مصلحة (الإمبريالية والصه يو نية)…!!!

المهم… ظلت السياسة في السودان محصورة (بين الضد الذي يوجده ضده، أو بين الاختيار الذي يغرز العدو أعمق في تربة الوطن، أو بين أحزاب ردة الفعل…..).

المهم… قصرت كل القوى السياسية في الوصول إلى تلك المجتمعات (المنعزلة والمعزولة) ومخاطبة قضاياها وتكوين الوعي اللازم لها، مع استنفار طاقاتها وزجها في الفعل النضالي الوطني، ويتجلى ذلك حتى على مستوى خطابها السياسي وبياناتها، التي قد لا تصل إلى ذلك المواطن، وإذا وصلت إليه، وصلت بلغة تفتقد التأثير فيه.

ولنضرب مثالاً لذلك: استخدام القوى السياسية لمصطلح (التنمية المتوازنة). لا أعتقد أن المواطن المعني بوصولها إليه قد يستوعبها أو قد يشعر بها، وقد يعتقد أنها (كلام جرايد أو زي حديث الراديو أو كلام ناس الخرطوم والسياسة). ففي ظل معاناته وواقع التخلف الذي يرزح تحته، والوضع النفسي له، يكفي أن يذكر أي بيان أو موقف اسم منطقته ليشعر بقربك منه، ليتحقق التواصل معه ومع معاناته.

وهنا يظهر ضرورة الوجود الميداني ودوره القائد، ودور التواصل وأهميته. افتقاد هذا الوجود والدور جعل (سلطة المتأسلمين) تمتلك زمام المبادرة في تلك المجتمعات عبر استخدامها لممكنات الدولة واتباعها لـ(سياسة فرق تسد) و(لعبة التوازنات)، الأمر الذي أوجد أخطر ثغرة في الأمن القومي والنسيج المجتمعي، فمن خلاله تم العمل على إشعال وتوسيع الخلافات التقليدية بين الرعاة وأصحاب الحواكير، لتتحول إلى صراعات قبلية، وأحياناً عنصرية، تحمل السلاح لتحقق أمنها الذي لم توفره (سلطة المتأسلمين)، بل وصنعت السلطة مليشيتها (الخاصة) لتقاتل بالإنابة عنها.

هذه الثغرة شكلت البوابة التي ولج من خلالها الدور (الخارجي)، وتمركز فيها وصنع (وجوده) في كل الأطراف المتصارعة، وخلق لكل دائرة مجتمعية مليشيتها الخاصة، وسلحها ودعمها. وهنا لا أعني (دارفور) بمفردها، فقد خلقت سياسة النظام المتأسلم صراعات في كل أطراف السودان وفي مركزه، لذا شكلت (سياسته) دعوة للتدخل الأجنبي بطريقة عملية، وفي نفس الوقت كان الصوت العالي له يبني جداراً من الوهم لتغييب وعي المواطن، ومثال لذلك الصوت (الوهمي):…. (أمريكا.. روسيا… قد دنا عذابهما)….

المهم… واقع السودان بشكله الموصوف في (الجزء الأول)، والممتد خلال كل الدراسة، يجعلنا نتناول كيف سقط (نظام الكيزان)، ومن أسقطه، وما هي الدروس المستنبطة التي غابت عن عقل إدارة (المرحلة الانتقالية).

أتمنى على القارئ المتابع أن يعيد قراءة الجزء الذي سبق مع الجزء الذي بين يديه في اللحظة، لضمان سريان تواصل فكرة التناول ووعيها.

يتبع في الجزء الثالث

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.