“الثقافة جسرٌ لإعادة بناء الوجدان… والحـ.رب يجب أن تتوقف اليوم قبل الغد”
يُعد المهندس والشاعر عبدالمنعم محمد أحمد العوض (ود العوض) واحداً من الشخصيات السودانية التي جمعت بين الإبداع والعمل المهني والهم الوطني. فهو مهندس معماري، وشاعر، وفاعل في العمل السياسي والثقافي والاجتماعي، ظل لسنوات طويلة منحازاً لقضايا الوطن والديمقراطية والسلام. وخلال سنوات اغترابه بالمملكة العربية السعودية، أسهم في تأسيس ودعم العديد من المبادرات الثقافية والاجتماعية، ويشغل حالياً رئاسة الملتقى السوداني الثقافي الاجتماعي بالرياض، الذي يمثل إحدى أبرز منصات التواصل بين السودانيين في المهجر، والحفاظ على هويتهم الثقافية والوطنية. في هذا الحوار مع “الهدف الثقافي”، يتحدث عن تجربته الفكرية، ورؤيته لثورة ديسمبر، والحـ.رب التي يعيشها السودان، ودور الثقافة والإبداع في مواجهة خطاب الكراهية، كما يقدم رؤيته لمستقبل البلاد ورسائله إلى الشباب والقوى السياسية والمثقفين.
حوار: عبدالمنعم مختار
■ بدايةً.. من هو عبدالمنعم العوض وما المحطات التي صنعت وعيه الفكري والوطني والإنساني؟
أعرف نفسي بأني سوداني، ويكفيني هذا اسماً ورسماً وفخراً. أما عن المحطات المؤثرة في حياتي فهي كثيرة، ولكن أظن أن مرجعية معظمها كانت نابعة من المحاولات لإعلاء الوطن كقيمة نبيلة، فدائرة الوعي والإدراك غالباً ما تتشكل عند بابه.
■ أنت مهندس معماري، وشاعر، وناشط في العمل العام والسياسي.. كيف استطعت التوفيق بين هذه العوالم المختلفة؟
المعمار فن، والشعر فن، والسياسة ـ كما يقال ـ هي فن الممكن. فالممارسة والتجربة كانتا بالنسبة لي حبلاً متيناً ربط بين كل هذه المناشط التي تبدو مختلفة في ظاهرها، لكنها متوافقة في جوهرها. فعندما يتوحد الهدف والمقصد تأتي الأشياء طائعة ومنسجمة لتشكل مشروعاً يمكن تحقيقه.
■ لعب الشباب الدور الأبرز في ثورة ديسمبر، وقدموا تضحيات جسيمة من أجل التغيير. بعد كل ما جرى، كيف تقرأ تجربة الثورة اليوم، وما الذي تحقق، وما الذي تعثر، وما الدروس التي ينبغي ألا تضيع؟
ثورة ديسمبر هي ثورة شباب بحق وحقيقة، لذلك فلا خوف عليها مهما كان حجم التآمر لمحوها، وهذا هو سر استمراريتها. فهذا صراع لا بد أن يمضي في هذا الطريق الشاق بكل إخفاقاته ونجاحاته. وما تحقق من الثورة شيء يسير، وما تبقى منها درب طويل. وبين هذا وذاك مسيرة صعبة يدركها الشباب الذين هم مستقبل هذه الثورة، ويتحمل الجيل الذي أشعلها مسؤولية استمرارها والحفاظ عليها وعدم التفريط فيها مهما كانت الصعاب والتضحيات.
■ تشهد الساحة السودانية تصاعداً مقلقاً لخطاب الكراهية والعنصرية والجهوية. من وجهة نظرك، ما الدور الذي يمكن أن تنهض به الثقافة والأدب والفنون في مواجهة هذا الخطاب وإعادة بناء الوجدان الوطني؟
الثقافة والفنون والآداب هي وسيلة أصيلة ومن روافد المجتمع للنهوض بالقيم، ورتق النسيج الاجتماعي، ونبذ خطاب الكراهية والعنصرية البغيضة. ولكن في الحالة الماثلة الآن هنالك تردٍ وإسفاف، لذا لا بد من الاجتهاد والإصرار من قبيلة المبدعين للتغلب على هذا الأمر، وتسخير إمكانياتهم للقيام بالدور المأمول منهم في التغيير وإعادة تشكيل الوعي بمزيد من الإبداع دون وجل.
■ بصفتك شاعراً، هل تعتقد أن القصيدة ما زالت قادرة على التأثير في زمن الحـ.رب ووسائل التواصل الاجتماعي، وما مسؤولية المبدع عندما تصبح البلاد ساحةً للصراع والانقسام؟
الشعر وسيلة رفيعة من وسائل الإبداع، والقصيدة لها دور وأثر مباشر على المتلقي، خاصة في مثل هذه المنعطفات الخطيرة، ولها إسهام كبير في إزالة التغبيش وإرساء دعائم السلام. والدليل على ذلك أن كل قصيدة تولد في هذا الظرف وتحمل هذه المعاني تلقى حظها من الانتشار الواسع بأقل جهد، خاصة وأن وسائل التواصل الاجتماعي قد تطورت وتعددت. وعليه فلا يجب أن يتوقف نبض الشعر، فهو حياة وأمل، ومن هنا تبدأ رسالة المبدعين وتتعاظم مسؤولياتهم.
■ الحـ.رب التي يعيشها السودان خلّفت دماراً غير مسبوق على الإنسان والدولة. كيف تنظر إلى جذور هذه الحـ.رب وتداعياتها على حاضر السودان ومستقبله؟
بالرجوع إلى جذور هذه الحـ.رب وأسبابها وتداعياتها وما خلفته من دمار غير مسبوق، أرى أن هنالك أزمة شائكة ومتراكمة ومعقدة لها أوجه سياسية واجتماعية واقتصادية طال ليلها، ويجب أن يتفرغ كل السودانيين لحلها وإمضاء كل الوسائل والطرق في ذلك السبيل، وإلا فإن الوطن معرض للتقسيم.
■ برأيك، ما الدور المطلوب من القوى السياسية، ولا سيما الشباب والمثقفين والنخب الوطنية، في إنهاء الحـ.رب وبناء مشروع وطني يعيد الأمن والسلام ويؤسس لدولة العدالة والمواطنة؟
على كل أبناء الوطن من شباب وسياسيين ونخب وطنية الجلوس إلى مائدة مستديرة لفك طلاسم هذه العقد من خلال حوار بين أبناء الوطن ينفذ إلى لب هذه المشاكل، ويجيب على السؤال المحير الذي تردد كثيراً: “كيف يُحكم السودان؟” حتى نتفادى تداعيات التقسيم والتفتت والانهيار التي أطلت بوجهها جراء هذه الحـ.رب العبثية، والتي يجب أن تتوقف اليوم قبل الغد، لتعود دولة المؤسسات المدنية، وتُطبق شعارات الثورة في السلام والحرية والعدالة.
■ يعيش ملايين السودانيين اليوم بين النزوح واللجوء والهجرة، بينما عشت أنت سنوات طويلة في الغربة. كيف تقرأ الفارق بين غربة الاختيار وغربة الحـ.رب، وما الذي يخسره الإنسان والوطن عندما تتحول الهجرة إلى قدر جماعي؟
الفرق بين أن تعيش غربة اختيارية بمحض إرادتك وطوعك، وبين أن تغترب قسراً بسبب مثل هذه الحـ.رب اللعينة، فرق شاسع. ففي الأولى كان يحدونا الأمل في تغيير الحالة المعيشية وتحسين الأوضاع وبناء الوطن وكسب الخبرات، وقد أفلحنا في كثير من ذلك. أما غربة الحـ.رب والنزوح واللجوء فهي سجن قاسٍ وإرادة منكسرة، ولكن يجب تحويل تلك السلبيات، بتطويع الظروف، إلى ما هو إيجابي رغم صعوبة ذلك. فخسارة الوطن من تفريغ أبنائه لا تعادلها خسارة.
■ بحكم رئاستك للملتقى السوداني الثقافي الاجتماعي بالرياض، كيف تنظر إلى دور السودانيين في المهجر في الحفاظ على الهوية الوطنية، ودعم الثقافة، والإسهام في جهود التعافي وإعادة بناء السودان؟
بالنسبة لظروفنا في الغربة، فقد كانت التجربة في خلق مثل هذه الكيانات، كمثل الملتقى السوداني الثقافي الاجتماعي الرياضي الذي أتحمل مسؤولية قيادته الآن، طويلة ومريرة. ساهم فيها السودانيون على اختلاف توجهاتهم، وبذلوا فيها الغالي والنفيس، فأبدعوا وتميزوا وحققوا نجاحات كبيرة. ورغم أن هذه التجارب تمر أحياناً بفترات ركود وبيات لظروف موضوعية، فإن المحاولات تتواصل دائماً لبعث الحياة فيها من جديد، لأهميتها في الحفاظ على الهوية، وتوحيد السودانيين، ولمّ شملهم، خاصة في ظل ظروف الحـ.رب والشتات.
■ في ظل هذا المشهد المليء بالتحديات، هل ما زلت متفائلاً بمستقبل السودان، وما الرسالة التي تود أن توجهها إلى الشباب السوداني في الداخل والخارج، وإلى القوى السياسية، وإلى المثقفين، وهم يواجهون واحدة من أصعب المراحل في تاريخ البلاد؟
التفاؤل بمستقبل السودان أكيد وراسخ، فبلد كهذا غني بأبنائه وموارده وثرواته الهائلة، لا بد أن ينهض بعد هذا الخراب والدمار الذي خلفته الحـ.رب، والتي يجب أن تتوقف. فقد اقتنع معظم السودانيين الآن، بعد أن طال أمدها، أنه لا خير في استمرارها، وأن الذين يدعون لذلك إنما لهم مصالح ومآرب ذاتية لا يراعون فيها مصلحة هذا الشعب المقهور الذي فاقت معاناته حد التحمل ووصل إلى درجة الانهيار واليأس.
ولهذا فإن على كل فرد في هذه الأمة، بمختلف الفئات، دوراً كبيراً يلعبه لإيقاف هذه الحـ.رب بكل ما يملك من وسائل مشروعة، وعدم الانجرار وراء الدعوات الخاسرة التي تزين استمرارها.
■ إلى جانب تجربتك في الهندسة والعمل العام، تبدو علاقتك بالشعر والغناء حاضرة في تكوينك الإنساني والثقافي. كيف تشكلت هذه العلاقة؟ ومن هم الشعراء والفنانون الذين تركوا بصماتهم في وجدانك؟ وكيف تقيّم الدور الذي لعبه الغناء السوداني، ولا سيما أغاني الطمبور، في إثراء الوجدان الوطني وتعزيز قيم الوحدة والتعايش بين السودانيين؟
أرى أن فن الغناء ونظم الشعر وجهان لعملة واحدة، وقد كان تأثيرهما في نفسي عظيمًا وعميقًا، خاصة إيقاعات الدليب والطنبور والطار. فالنوتة الموسيقية كثيرًا ما تُدَوْزَن في الدواخل، ثم تنعكس إبداعًا وشعورًا.
أما الشعر، فقد نشأت على سماع مديح حاج الماحي، وأشعار ود الدابي، وإبداعات شعراء منحنى النيل كافة، كما تأثرت كثيرًا بوالديّ اللذين كانا يقرضان الشعر، فكان لذلك أثر بالغ في تشكيل وجداني وذائقتي الأدبية.
ويظل شيخنا وحادينا وملهمنا في الغناء للوطن، بلا شك، المبدع الراحل حميد حسن سالم، الذي خلّف كنزًا ثمينًا من الأدب سيظل معينًا لا ينضب، وستنهل منه الأجيال على مر العصور.
وعمومًا، فإن التنوع الثقافي الذي شكّل لوحة الغناء السوداني انعكس إيجابًا على الإنسان السوداني، وأسهم في توحيد المزاج العام، وكان عاملًا مهمًا في تعزيز التواصل والتعايش بين شعوب السودان. وأعتقد أن الفن والغناء سيكون لهما دور محوري في مداواة الجراح وإعادة بناء الوجدان الوطني بعد انتهاء هذا القدر الهائل من القبح الذي خلّفته هذه الحـ.رب الكريهة.

Leave a Reply