طارق أحمد – لبنان
باحث في الجيوبوليتيك والسياسة الدولية –
الحلقة الثانية
الوطن العربي بعيون أمريكية: استراتيجية استعمارية مستمرّة
تقديم البحث
يحاول هذا البحث الوقوف على العوامل الحاملة التي حكمت المسار السياسي الأمريكي تجاه الوطن العربي منذ مطالع الأربعينيات من القرن الماضي (القرن العشرين) وحتى نهاية العام الأول من الولاية الثانية للرئيس الحالي “دونالد ترامب” الرقم 47 في المسلسل التتابعي للرؤساء الأمريكيين.
إنَّ استقراءً علمياً للسلوك السياسي الأمريكي من شأنه الخروج بقانون تاريخي يحكم على ثوابت السياسة الأمريكية من منظور المصالح الاستراتيجية وهي مصالح ثابتة في الماضي والحاضر وستبقى ثابتة أيضاً في المستقبل.
لقد عرف المسار السياسي الأمريكي تجاه الوطن العربي منذ تبلور المكوّنات الحديثة للنظام الإقليمي العربي في نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، المراحلية المتدرِّجة عبر ثلاث مراحل مختلفة من حيث التكتيك إلا أنها منسجمة ومتكاملة من حيث التوظيفات الاستراتيجية:
الأولى: مرحلة الاحتواء
الثانية: مرحلة التحييد والإخراج
الثالثة: مرحلة الاحتلال العسكري المباشر
لم يسبق للسياسة الأمريكية أن استجابت إيجاباً لمصلحة وطنية أو قومية عربية، لا بل إنّ جُملةَ المتغيرات التي كانت تطفو أحياناً على سطح العلاقات الأمريكية -العربية، لم تخرج عن كونها متغيرات ظاهرية أقرب إلى التكتيكات الظرفية على قاعدة ثابت استراتيجي يتمحور حول هدف مركزي يقوم على تطويع النظام العربي في الاتجاه الذي يستجيب لحاجة أمريكية – صهيونية مزدوجة على مستويين اثنين:
1- المساهمة في إعادة إنتاج الحراك التراكمي لرأسمالية المركز أو رأسمالية الذروة الأمريكية.
2- توفير المناخات الملائمة الكفيلة بإنجاز مشروع الص.هيونية التوراتي في إقامة ” الدولة اليهودية الكبرى” في قلب المجال الجيوسياسي الحيوي للوطن العربي الذي يجمع بين مرتكزات مربّع القوّة الجيوسياسي: مكة – القاهرة – دمشق – بغداد.
ثمة ثابت مركزي في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الوطن العربي والعالم هو الثابت الأيديولوجي أو (أيديولوجيا التفوق). فقد شاعت مقولات عديدة ربطت بين السيكولوجيا والاقتصاد الرأسمالي، منها، على سبيل المثال لا الحصر:
العملاق الأمريكي! ، أمريكا المارد العالمي! ، القرن الحادي والعشرون هو قرن أمريكي بامتياز! ، أمريكا مدينة على التل أي فوق العالم!، الله هو الذي خصّها لقيادة العالم!، وغير ذلك .
وهنا ثمة مقاربة مع روما-مدينة الاله جوبيتر-اله السماء ورمز العظمة، فهو الذي منح روما أن تكون عاصمة لإمبراطورية عالمية هي الإمبراطورية الرومانية التي حكمت العالم لقرون عديدة.
في كتابه “نهاية التاريخ” ربط ” فوكوياما ” بين التيموسية الأفلاطونية (العنصر المتفوق في النفس الإنسانية) ومبدأ النيتشوية ( نسبة الى نيتشه)، التي تمجد القوة لإثبات الذات. وكذلك فعل “هانتنغتون ” الذي راح يُعظّم “حضارة القمة” الأمريكية في كتاب “صدام الحضارات”. هذه المقولات كانت نتاجاً ثقافياً طبيعياً لقفزات الصعود الخطي الذي عرفته الرأسمالية الأمريكية في تحولها من إمبريالية الدولة في منتصف القرن العشرين إلى إمبريالية ذات فضاء إمبراطوري في نهايته.
أما الدلالات التي تعكسها هذه المقولات فأبرزها إثنتان:
الأولى: ثمة تلازم بين عظمة التفوق الأمريكي ومقولة “اليهود شعب الله المختار”، وأن البشرية تُسلّم بقيادة اليهود نحو الفضيلة!
الثانية: أن المقولات المشار إليها ليست سوى إسقاطات أيديولوجية تُقدم المبرر الإلهي-الديني لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية واستعمارية على حساب قهر الشعوب ونهب ثرواتها واستلاب حريتها.
مركزية الوطن العربي في الاستراتيجية الأمريكية:
يتميز المجال الجيوسياسي للوطن العربي بأربع خصوصيات على درجة عالية من الأهمية:
الأولى: الموقع الجيو-استراتيجي (قلب العالم)
الثانية: المخزون النفطي (أكثر من ثلثي المخزون العالمي)
الثالثة: الجيو إسلامية للجغرافية العربية لسببين:
1- أنَّ هذه الجغرافية هي قلب الموجة بالنسبة للإسلام
2- أن الكتلة العربية – الإسلامية هي كتلة وازنة عالمياً ( حوالي 400 مليون نسمة).
الرابعة: وهي أن المجال الحيوي العربي بنقاط ارتكازه الأربع، شبه الجزيرة، مصر، بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين، هو مجال الفرصة لتحقيق مشروع ص.هيوني مدفوع بنزوع أيديولوجي ديني تبريري يتخذ من مقولتي “شعب الله المختار” و “أرض الميعاد” تبريراً لإقامة الوطن القومي اليهودي في قلب المجال الحيوي العربي (من الفرات إلى النيلٍ).
على قاعدة هذه الخصوصيات المشار إليها، وعلى قاعدة المصلحة الأمريكية-الصهيونية كانت الثوابت الاستراتيجية للسياسة الأمريكية تجاه الوطن العربي.
أبرز هذه الثوابت كانت التالية:
الثابت الأول: التجزئة
من سايكس – بيكو إلى احتلال العراق، كانت التجزئة ثابتاً استعمارياً غربياً بريطانياً – فرنسياً حتى الحرب العالمية الثانية، وأمريكياً بعد ذلك. فالتجزئة، في المنظور الأمريكي تستجيب لثلاثة أهداف كبرى:
الأول: الحؤول دون قيام قطبية عربية قادرة بموقعها الجيو-استراتيجي وثرواتها الاقتصادية والبشرية، على منافسة القطبية الأمريكية الساعية إلى تكريس أحاديتها في عصر العولمة.
الثاني: الحؤول دون قيام كتلة عربية – إسلامية قادرة على أن تُقدم للعالم نموذجها الإنساني في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والعلاقات الدولية (الإسلام البديل للرأسمالية)
الثالث: التجزئة المساعد الأكبر على استكمال حلقات المشروع الصهيوني في إقامة “الدولة اليهودية الكبرى”. وهنا يكمن التلازم العضوي بين رأسمالية الذروة الأمريكية والصهيونية كضرورة لهذه الرأسمالية.
الثابت الثاني: تصفية مواقع القوة في المشروع النهضوي العربي
وذلك من خلال:
1- سياسة الاحتواء السياسي والاقتصادي والثقافي للنظام الإقليمي العربي عبر جامعة الدول العربية
2- سياسة التحييد للقوى الوازنة عربيا مثال ً:
أ- إسقاط عبد الناصر بالواسطة “الإسرائيلية” إثر هزيمة 1967.
ب- إسقاط مصر في كامب ديفيد وانسحابها من القضايا القومية العربية وفي مقدمتها قضيتا الوحدة وفلسطين.
ج- تفريغ الوحدة العربية من قاعدتها المادية المتمثّلة بالثروة النفطية؛ لا سيّما في بلدان الخليج العربي، وذلك عبر احتواء النظم السياسية لهذه الدول، والتشجيع على إقامة الدولة النفطية الريعية المعوّقة للوحدة ولمشروعات التكامل العربي.
3- الاحتلال العسكري المباشر للعراق وإسقاط نظامه السياسي ودولته المركزية بهدف إجهاض تجربته الوطنية وتصفية مشروعه الوحدوي النهضوي الذي يدعو إلى قيام الدولة – الأمة في الوطن العربي على قاعدة التلازم النضالي بين التوحّد القومي والتحرر السياسي والاجتماعي
الثابت الثالث: التزام أمريكي دائم بضمان التفوق الاستراتيجي لإس.رئيل،
إس.رائيل هي وليدة المشروع الرأسمالي الغربي في نزعته الكولونيالية. وإذا كانت الإمبريالية القديمة الأنكلو – فرنسية قد وفّرت المستلزمات الأساسية لقيام
“الكيان-الدولة” لإسرائيل عام 1948، فإن الإمبريالية الأمريكية، التي تبوأت سدة الهرم الرأسمالي في أعقاب الح.رب العالمية الثانية، التزمت تنفيذ الحلقات المتبقية من المشروع الص.هيوني في إقامة “الدولة اليهودية الكبرى” من الفرات إلى النيل أي في قلب المجال الحيوي للوطن العربي.
وهنا يبرز سؤال على درجة من الأهمية: لماذا استمرت “إسرائيل” التزاماً أمريكياً ثابتاً في دعمها وضمان تفوقها في المنطقة العربية؟ يعود ذلك للأسباب التالية:
1 -لأنها تمثل إنتاجاً دائماً للتجزئة، فهي نقيض أساسي للوحدة العربية، ولكل محاولة للتوحد العربي أو لمشروع نهضوي عربي.
2 -الحضور الص.هيوني الفاعل في الإدارة والاقتصاد والسياسة في الولايات المتحدة. وهذا ما يدلّ عليه وجود مجموعات ضغط مؤثرة ومنها:
أ- منظمة AIPAC (اللجنة الإسرائيلية للشؤون العامة الأمريكية )، وهي تضمّ جماعات من أصحاب الشركات العملاقة المعولمة في المال والاعلام والنفط والتصنيع العسكري.
ب- اللوبي الأمريكي المؤيد “لإسرائيل”، وقد تمثّل بجماعة ” المحافظين الجدد”، وهم عناصر اعتقادية انجيلية متطرفة تأخذ بأفكار الفيلسوف الألماني ” ليو شتراوس” في ممارسة البطش والعنف بالقوى المناهضة للسياسة الأمريكية، وقد تمكّن هؤلاء من الإمساك بمفاصل السلطة والقرار الأميركي في عهد الرئيس ” جورج بوش الثاني( 2001 – 2009) ، وهم الذين دفعوا هذه الإدارة وبقوة إلى الحرب على العراق واحتلاله عام 2003.
دلالة أخرى تؤكد مدى التزام أمريكا بتفوق “إسرائيل” الاستراتيجي، تتمثل بوقوف أمريكا إلى جانب إسرائيل لجهة احتفاظ هذه الأخيرة بقوة ردع نووية ضاربة. بالمقابل توفير أميركا الدعم الكامل لها لضرب مفاعل تموز العراقي عام 1980 في بداية الح.رب الإيرانية – العراقية آنذاك.
الثابت الرابع: الإبقاء على دور النفط العربي في إعادة إنتاج نظام الذروة الرأسمالي الأمريكي
ثمة ترابط وثيق بين تنامي الرأسمالية الأمريكية وسياسات الاختراق المكثف لمنطقة الخليج العربي بدءاً من مطالع الثمانينيات من القرن العشرين، وإدخالها
في دوامة الأزمات والح.روب تبريراً لحضور أمريكي سياسي وأمني وصولاً إلى احتلال ثلاثي الأوجه:
الأول: احتلال عسكري مباشر للعراق (نيسان 2003)
الثاني: انتشار وتموضع عسكري وازن في غير دولة خليجية. وهذا ما تدل عليه بوضوح المعاهدات الدفاعية المبرمة مع دول المجلس لا سيما بعد أزمة الكويت -العراق (آب 1990)
الثالث: احتلال مقنع للنفط من خلال تحول الشركات البترولية الأمريكية وغير البترولية إلى شريك نفطي في الخليج من جهة، ومن خلال امتصاص رأسمالي أمريكي حاد وعنيف للعائدات النفطية عبر أساليب ووسائل عديدة ومتنوعة من جهة
الثابت الخامس: إلغاء مكوّنات الأمة العربية وتغييب خصوصيتها القومية
وذلك من خلال الترويج الإعلامي المكثَّف لرابطة شرق أوسطية تتسع لهويات ثقافية متعددة ومختلفة؛ الأمر الذي يتيح للكيان الصهيوني تسويقاً لثقافته الإلغائية لكل ما هو تراثي عربي أو إسلامي من خلال :
– النظام الشرق أوسطي هو بديل للنظام الإقليمي العربي
– الشرق أوسطية ليست سوى إنتاج تجزئة جديدة وفقاً لمعايير إثنية وطائفية وثقافية؛ بحيث تلغى معها دولة سايكس – بيكو التي أنشأتها الإمبريالية القديمة الأنكلو – فرنسية، لتظهر هذه المرة دويلات الإثنيات والمذاهب المخططة في مشروع صهيو – أمريكي كي يتحول معها الشرق الأوسط إلى مسرح لح.روب مفتوحة بين الأعراق والطوائف المتعددة، وتكون هذه الح.روب بمثابة صراع بديل للصراع العربي-الص.هيوني.
الثابت السادس: إسقاط الأنظمة المناهضة للمشروع الأمريكي-الص.هيوني
من هنا، كان الاحتلال العسكري الأمريكي المباشر للعراق؛ ذلك أنَّ مثل هذا الاحتلال يحقق لأمريكا والكيان الص.هيوني جملة من الأهداف، هذه أبرزها:
كسر الحاجز الذي يحول دون تمدد حلف شمال الأطلسي إلى الخليج العربي تمهيداً للتمدد إلى كل العمق العربي.
كسر الحلقة العراقية بوصفها العمق الاستراتيجي لأمن سوريا، مقابل توفير شروط الفعالية لحلف إسرائيلي-اقليمي بهدف تمكينه من إسقاط المنطقة العربية أمنياً واقتصادياً وسياسياً وصولاً إلى إسقاطها قومياً بالترويج لرابطة شرق أوسطية بديلة.
الإمساك بالموقع الجيو-استراتيجي للعراق بوصفه المفتاح الشرقي للوطن العربي.
من أجل إعادة الاعتبار التاريخي لخط الحرير السابق الذي كان يربط الصين والشرق الأقصى وآسيا الوسطى بمدينة البصرة العراقية، وذلك عبر تحويله هذه المرة إلى طريق لنقل نفطي بحر قزوين ( بعد احتلال أميركا لأفغانستان) إلى موانئ العراق الجنوبية في البصرة وميناء البكر والفاو وسواها.
التحكم بالمخزون النفطي العراقي، وهو مخزون قدَّرته الإحصاءات بحوالي 400 مليار برميل أي ما يمثل حوالي 35% من الاحتياطي العالمي، وبعُمر نفط يصل إلى حوالي 526 سنة هو الأطول في العالم.
إسقاط التجربة الوطنية – القومية للعراق (1968-2003) وهي التجربة التي:
أ- حرَّرت الثروة النفطية وحوَّلتها إلى ثروة وطنية وقومية بفعل قرارات التأميم (حزيران 1972).
ب- وظَّفت العائدات النفطية في خلق قاعدة تصنيعية متميزة تفوقت على العديد من دول العالم الثالث.
ج- أخذت بمبدأ الكنزية الاقتصادية من خلال تدخل الدولة في إحداث توازنات السوق وخاصة بين القطاعين العام والخاص.
د- شجعت على التطوير التقني من خلال إعداد العلماء وفتح العديد من مراكز للبحوث العلمية بهدف توطين التكنولوجيا بخصوصية عراقية دونما حاجة لنماذج الغرب والاستسلام لها.
ه- أظهرت التزاماً صارماً بكل القضايا القومية وفي طليعتها القضية الفلسطينية بحيث أكدت دائماً على المعادلة التالية: فلسطين طريق الوحدة العربية والوحدة العربية الطريق إلى فلسطين.
خاتمة: شروط المواجهة للمشروع المزدوج الأمريكي – الص.هيوني
أولاً: التأكيد على الضرورة التاريخية لقيام مرجعية قومية قادرة على إنجاز المشروع النهضوي العربي.
ثانياً: توصيف الانكشاف الاستراتيجي لعوامل الضعف والتخلف في الأمة العربية وتعيين المخاطر المحدقة بها بهدف تسهيل عملية معالجتها.
ثالثاً: التخطيط لمشروع نهضوي قومي يأخذ بمبدأ المراكمة أي أن تستمر عملية النهوض بالتواصل دونما انقطاع أو فراغ بين المراحل المتعاقبة.
رابعاً: توسيع دائرة الوعي المعرفي العربي الذي يبقى الشرط الأساس في بناء النماذج بخصوصيات عربية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة والتكنولوجيا وسواها.
خامساً: صياغة مضمون وحدوي في الخطاب القومي العربي المعاصر، خطاب يطرح الوحدة كخيار استراتيجي للنهضة العربية، ويتمتع بالقدرة على مواجهة التحديات باستجابات نوعية حاملة للمستقبل.
سادساً: اعتماد خيار المقاومة الشعبية على قاعدة قومية المعركة في العراق وفلسطين وسائر الأقطار العربية الأخرى. فالمقاومة هي الردّ الإستراتيجي على استراتيجية الاحتلال الأمريكي-الصهيوني، والقادرة على إفشاله وإخراجه من المنطقة.
إن المشروع الأمريكي – الصهيوني اليوم يلقى رفضا قاطعا من الشعب في العراق، وهو منكسر في لبنان ومستحيل في فلسطين.
إنّ السياسة الأمريكية الساعية إلى أمركة وصهينة المنطقة العربية لن تنتج سوى الخيبة والإخفاق والهزيمة بوعي ابناء الامة واستمرار دفاعهم عن وجودوها وهويتها وحقها في الحياة والنهضة.

Leave a Reply