آنا كارينينا وإيزابيلا سيمور: امرأتان قادهما الحب إلى المصير نفسه

صحيفة الهدف

خالد ضياء الدين
أذكر أنه عندما كان عمري بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة، وقعت بين يدي، لحسن حظي، رواية «آنا كارينينا» للكاتب الروسي ليو تولستوي، وهي رواية تحكي عن المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر.
آنا كارينينا، في رواية تولستوي، امرأة فائقة الجمال، ممشوقة القوام، فاتنة وأرستقراطية، تزوجت من رجل يُدعى أليكسي كارينين، وهو أيضاً من طبقة الأرستقراطيين.

التقت صدفة بضابط شاب، فنشأت بينهما علاقة تركت من أجلها زوجها وابنها، وضحّت بانتمائها الطبقي في سبيله.
تذكرت هذه الرواية بعد أعوام عندما قرأت رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، فهناك رابط ما بين آنا كارينينا وإيزابيلا سيمور، التي تركت هي الأخرى زوجها وأسرتها ودينها من أجل الارتباط بمصطفى سعيد، ثم ختمت حياتها، مثلها، بالانتحار.
ولا يمكنني المغادرة قبل الإشارة إلى رسالة إيزابيلا إلى مصطفى سعيد، التي كتبت فيها صراحة أنها لم تعد تؤمن بالمسيحية، وقالت: «لقد كفرت بالمسيح، وأصبحت أعبد إلهاً وثنياً هو أنت». ثم واصلت لتصف عقلها قبل معرفته بأنه كان يعيش في العصور المظلمة، وأن معرفته كانت بمثابة عصر النهضة والتنوير. ومضت مسترسلة في رسالتها بأنها تسير نحو حتفها بكامل إرادتها: «أنا أُضحي بنفسي على مذبح حبك».
هكذا كانت تشبه إيزابيلا آنا كارينينا في كثير من تفاصيل حياتها، واختارت لنفسها النهاية ذاتها.
لم تستطع آنا كارينينا مقاومة حبها الجارف، ولم تهتم بما ستخسره من مجد طبقي أو زوج ذي منصب حكومي أو مكانة اجتماعية، فراحت تقابل عشيقها غير مكترثة لهمزات ولمزات الاخرين، بل سافرت مع الضابط فرونسكي، في رحلة إلى أوروبا هرباً من نظرات الجميع وتعليقاتهم. ولكن بعد فترة اكتشف العاشقان حجم ما خسراه؛ ففرونسكي تخلى عن طموحه العسكري، وهي خسرت ابنها ومكانتها الاجتماعية، وتعرضت للمهانة، وبرغم ذلك ظلا متمسكين بعلاقتهما. الي ان تحولت هذه العلاقة إلى فضيحة اجتماعية وسط النبلاء، مما زعزع استقرارها وأثر في علاقة العاشقين، لتنتهي الرواية بمأساة السقوط في وحل الخطيئة التي تحولت لمأساة ختمت حياة انا كارنينا.
ومن أكثر الجمل رسوخاً في الرواية: «كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة».
وهكذا تظل رواية «آنا كارينينا» عملاً متجدداً، لأنها رواية إنسانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. لذلك تُرجمت إلى معظم لغات العالم، ودخلت العالمية من باب الكلاسيكيات، إذ خاضت في معاني الحب والخيانة، والزواج والندم. السعادة والانتحار، وبين هذه القضايا المتداخلة أدار تولستوي خيوط الرواية بإحكام، لينير لنا مرحلة مهمة من تاريخ روسيا الأرستقراطية، بما فيها من صراع اجتماعي ونفاق مجتمعي وبحث دائم عن السعادة.
وأظن، والله أعلم، أن «آنا كارينينا» كانت إحدى الشخصيات التي ألهمت الطيب صالح، إن لم تكن أكثر من ذلك، في بناء بعض ملامح «موسم الهجرة إلى الشمال»؛ فثمة تشابهات في الصراع بين الحب والواجب، والخيانة والانتحار، والرغبة والاستقرار. وقد تكون، على نحو ما، إحدى الروايات التي أضاءت مصابيح «موسم الهجرة إلى الشمال».
#صحيفة_الهدف #الهدف #السودان #أخبار_السودان #آراء_حرة #أدب #رواية #آنا_كارينينا #الطيب_صالح #موسم_الهجرة_إلى_الشمال #ثقافة #نقد_أدبي #تولستوي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.