من الصالح العام إلى التصفية الجماعية.. هل يعيد الإسلامويون إنتاج المأساة؟

صحيفة الهدف

أمجد السيد

قبل فترة كتبت محذراً من خطورة الاتجاه نحو تقليص الخدمة المدنية تحت لافتات الإصلاح وإعادة الهيكلة، وأشرت إلى أن أي معالجة لأزمة الدولة لا ينبغي أن تتحول إلى عملية تصفية جماعية للعاملين أو إلى فرصة لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق معايير سياسية. واليوم، مع تداول معلومات عن اتجاه لإنهاء خدمات عشرات الآلاف من العاملين بالمؤسسات الاتحادية، تبدو تلك المخاوف أكثر واقعية من أي وقت مضى.

فالقضية لم تعد مجرد أرقام ترد في التقارير الإدارية، بل أصبحت قضية تمس مستقبل الخدمة المدنية السودانية نفسها، وتطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة التي يراد بناؤها بعد كل ما مر به السودان من ح-روب وأزمات وانقسامات.

لقد عرف السودانيون هذا المشهد من قبل. ففي أعقاب انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 شهدت مؤسسات الدولة واحدة من أكبر عمليات الفصل والإحلال تحت مسمى  الصالح العام، حيث أُبعد آلاف الموظفين وأصحاب الخبرات والكفاءات من مواقعهم لإفساح المجال أمام مشروع التمكين السياسي الذي سيطر على أجهزة الدولة لعقود طويلة. وكانت النتيجة إضعاف الخدمة المدنية، وتسييس مؤسسات الدولة، وهجرة الكفاءات الوطنية، وتراجع المهنية لصالح الولاء الحزبي.

واليوم تعود المخاوف ذاتها بصورة جديدة. فبدلاً من الحديث عن تطوير الخدمة المدنية وتأهيل العاملين ورفع الكفاءة وتحسين بيئة العمل، ينصب التركيز على تقليص أعداد العاملين بصورة واسعة تثير القلق حول الأهداف الحقيقية لهذه الإجراءات وتداعياتها على مؤسسات الدولة ومستقبلها.

والأخطر من ذلك أن غياب المعايير الواضحة والشفافة يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول كيفية اختيار من سيغادرون الخدمة ومن سيبقون فيها. فالإصلاح الإداري الحقيقي يقوم على الكفاءة والإنتاجية والحاجة الفعلية للمؤسسة، لا على اعتبارات سياسية أو حسابات مرتبطة بالصراع على السلطة.

ويبقى السؤال المشروع موجهاً إلى أولئك الذين ملأوا الفضاء العام ضجيجاً عندما أنهت لجنة إزالة التمكين خدمات عدد من الموظفين الذين ارتبطت مواقعهم بمشروع التمكين السياسي الذي أقامه نظام الإنقاذ داخل أجهزة الدولة. يومها تعالت الأصوات بالحديث عن التشريد والظلم وانتهاك الحقوق، رغم أن الإجراءات كانت تستند  في جوهرها   إلى معالجة اختلالات نتجت عن احتكار الوظيفة العامة على أساس الولاء السياسي في ظل غياب العدالة وتكافؤ الفرص أمام أبناء الشعب السوداني.

أين هذه الأصوات اليوم؟ وأين دعاة الدفاع عن العاملين وحقوقهم وهم يلتزمون الصمت تجاه ما يوصف بأنه أكبر عملية إعفاء جماعي في تاريخ الخدمة المدنية السودانية؟ ولماذا أصبح التشريد مقبولاً عندما يتعلق بعشرات الآلاف من العاملين وأسرهم؟

إن هذا الصمت لا يمكن فصله عن المخاوف المتزايدة من أن تكون العملية الجارية مقدمة لمجزرة ثانية في الخدمة المدنية، تستهدف هذه المرة كل من ارتبط اسمه أو موقفه أو قناعاته بثورة ديسمبر المجيدة وشعاراتها في الحرية والسلام والعدالة. وهي مخاوف تجد ما يغذيها في ظل استمرار التعيينات الجديدة وغياب الضمانات والرقابة المستقلة وآليات الاستئناف والمراجعة.

لقد خرج السودانيون في ثورة ديسمبر رفضاً لدولة التمكين، وطالبوا بدولة المؤسسات والمواطنة وسيادة القانون. ولم تكن مطالبهم استبدال تمكين بتمكين آخر أو إحلال ولاء سياسي محل ولاء سياسي مختلف. فالمعيار الذي نادت به الثورة هو الكفاءة والمهنية والعدالة، لا الانتماء السياسي.

إن السودان الذي أنهكته الح-روب لا يحتاج إلى مزيد من التشريد، ولا إلى جولة جديدة من تصفية الحسابات داخل مؤسسات الدولة. بل يحتاج إلى مشروع وطني لإعادة بناء الخدمة المدنية على أسس قومية ومهنية تحفظ الخبرات والكفاءات وتستفيد منها في إعادة إعمار ما دمرته الح-رب.

فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهض بالإقصاء، ولا تُبنى بالفصل الجماعي، ولا تتقدم بتجريف مؤسساتها من الخبرات المتراكمة. وما جرى بعد انقلاب 1989 يجب أن يكون درساً لا نموذجاً يحتذى. أما إعادة إنتاج المأساة ذاتها تحت أي مسمى جديد فلن تقود إلا إلى مزيد من الانقسام والضعف وإهدار ما تبقى من مؤسسات الدولة السودانية.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من محاربة الفساد، وإرساء معايير العدالة والكفاءة، وإخضاع التوظيف والخدمة العامة لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، لا بتحويل آلاف العاملين إلى ضحايا جدد لصراعات السياسة ومشروعات الهيمنة الحزبية.

والسؤال الذي سيظل مطروحاً أمام الجميع هل نحن أمام إصلاح للخدمة المدنية أم أمام عودة جديدة لمشروع التمكين بوجه مختلف؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.