زين العابدين الطيب عثمان
أفرزت حرب السودان آثارًا مدمّرة لم تقتصر على فقدان الأرواح وتشريد الملايين وتدمير البنية التحتية فحسب، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي والقيمي للمجتمع السوداني الذي عُرف عبر تاريخه بالاعتدال والحياء واحترام الآخر والتمسك بمنظومة أخلاقية راسخة.
خلال الفترة الأخيرة بدأت تبرز ظواهر جديدة وغريبة على المجتمع، تمثلت في انتشار خطاب الكراهية والعنف اللفظي والتطاول بالألفاظ النابية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بصورة باتت تثير القلق والأسى معًا. وأصبح من المألوف مشاهدة أو سماع عبارات تخجل الآذان من تلقيها، ويصعب تصوّر صدورها من أبناء وبنات مجتمع عُرف بالرقي والاحترام.
صحيح أن الحرب وما خلّفته من صدمات نفسية وفقدان للأمن والاستقرار وانهيار اقتصادي يمكن أن تفسر جانبًا من هذا الانفلات السلوكي، وتخفف من وقع الصدمة التي نشعر بها جميعًا تجاه هذا التراجع القيمي، إلا أنها لا يمكن أن تكون مبرّرًا دائمًا لاستمرار هذه الظواهر أو قبولها كأمر واقع.
إن السودان اليوم بحاجة ماسة إلى مؤتمر مجتمعي شامل يضم القيادات الأهلية والدينية والتربوية والثقافية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني والمتخصصين في علم النفس والاجتماع، من أجل دراسة الآثار الاجتماعية والنفسية للحرب، ووضع برامج وطنية لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي وترميم ما أصاب منظومة القيم من تصدعات.
كما أن الحاجة أصبحت ملحّة لإطلاق مبادرات واسعة لنشر ثقافة التسامح واحترام الاختلاف، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية في تنشئة الأجيال الجديدة على قيم الاحترام والمسؤولية والانتماء الوطني.
إن إعادة إعمار السودان لا تعني إعادة بناء الطرق والجسور والمباني فقط، بل تعني قبل ذلك إعادة بناء الإنسان السوداني وحماية منظومته الأخلاقية والثقافية التي شكلت عبر العقود أحد أهم عناصر تماسك المجتمع وقوته. فالأوطان لا تنهض بالحجارة وحدها، وإنما تنهض بالإنسان الواعي القادر على تجاوز الجراح وصناعة مستقبل أكثر أمنًا وعدالة وتسامحًا.
إن معركة التعافي الحقيقي تبدأ من استعادة القيم وترميم الوجدان الوطني وبناء مشروع مجتمعي جامع يداوي آثار الحرب ويحفظ للسودان شخصيته الحضارية وإنسانيته.

Leave a Reply