المثقّف الزائف: اللص الذي يسرق وعي المجتمع باسم المعرفة

صحيفة الهدف

زكريا نمر
ليست مشكلة مجتمعاتنا في نقص المتعلمين أو حملة الشهادات، بل في انتشار فئة تدّعي تمثيل الثقافة بينما تمارس دورًا مختلفًا تمامًا عن الدور الذي يفترض أن يقوم به المثقّف. فالمثقّف لا يُقاس بعدد الكتب التي قرأها ولا بعدد المقالات التي كتبها، بل بقدرته على الدفاع عن الحقيقة واستقلاله عن المصالح الضيقة.
المثقّف الزائف هو الشخص الذي يستخدم المعرفة كوسيلة لتحقيق مكاسب شخصية. قد يمتلك بعض المعلومات أو المهارات اللغوية، لكنه لا يوظفها لخدمة المجتمع أو تطوير الوعي العام، بل يستخدمها للحصول على النفوذ أو التقرّب من مراكز القوة. لذلك نجده غالبًا حاضرًا في دوائر السلطة أكثر من حضوره بين الناس وقضاياهم الحقيقية.
المشكلة أن هذا النوع من المثقّفين لا يكتفي بالصمت أمام الأخطاء، بل يشارك في تبريرها. فهو يمنح الفشل أسماء جديدة، ويحوّل الأزمات إلى إنجازات، ويبحث دائمًا عن مبررات للسلطة مهما كانت نتائج سياساتها على المجتمع. وبدلًا من أن يكون ناقدًا للواقع يصبح جزءًا من آلية إنتاج الوهم.
وفي كثير من البلدان الضعيفة سياسيًا ومؤسسيًا، لا تنظر السلطة إلى المثقّف باعتباره شريكًا في بناء الدولة، بل باعتباره أداة يمكن استخدامها لتجميل صورتها. ولهذا يتم تشجيع الأصوات المطيعة وإقصاء الأصوات المستقلة. ومع مرور الوقت تظهر طبقة من المثقّفين المرتبطين بمصالح السلطة، مهمتهم الأساسية الدفاع عنها لا مراقبتها أو مساءلتها.
النتيجة أن الثقافة تفقد دورها النقدي؛ فبدلًا من إنتاج أفكار جديدة تساعد على فهم المشكلات، تتحوّل إلى مجموعة من الخطابات المكررة التي تدور حول تمجيد الأشخاص وتبرير القرارات. وفي هذه الحالة لا يعود المثقّف منتجًا للوعي، بل يصبح جزءًا من الأزمة نفسها.
إن المثقّف الزائف يساهم في إضعاف المجتمع أكثر مما يفعل السياسي الفاسد؛ فالسياسي قد يسيء إدارة الموارد أو يستغل السلطة، لكن المثقّف الزائف يعمل على تشويه الوعي العام وتعطيل التفكير النقدي. وعندما يفقد المجتمع قدرته على النقد والمساءلة يصبح أكثر قابلية لقبول الفشل والفساد باعتبارهما أمرين طبيعيين.
ولا يمكن إعفاء المجتمع من المسؤولية؛ فكثير من الناس يمنحون صفة المثقّف لكل من يتحدث بلغة معقدة أو ينشر الاقتباسات أو يظهر في وسائل الإعلام. وهكذا يصبح المظهر أهم من المضمون، وتتحوّل الثقافة إلى صورة اجتماعية بدلًا من أن تكون مسؤولية فكرية وأخلاقية.
ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الخطباء أو الباحثين عن الشهرة، بل مثقّفين مستقلين يمتلكون القدرة على قول ما لا تريد السلطة سماعه. نحتاج إلى أشخاص يدافعون عن الحقيقة حتى عندما تكون مكلفة، ويضعون مصالح المجتمع فوق مصالحهم الشخصية. إن قيمة المثقّف لا تظهر عندما يكون قريبًا من السلطة، بل عندما يكون قادرًا على الحفاظ على استقلاله عنها. فالثقافة التي تفقد استقلالها تتحوّل إلى دعاية، والمثقّف الذي يتخلى عن دوره النقدي يفقد مبرر وجوده كمثقّف.
لا يمكن بناء مجتمع واعٍ من دون مثقّفين أحرار؛ فالدولة التي تخشى النقد، والمثقّف الذي يخشى قول الحقيقة، ينتجان واقعًا يقوم على الخوف والتبرير لا على المعرفة والتقدم. ولذلك فإن معركة الإصلاح تبدأ أولًا باستعادة معنى الثقافة ودور المثقّف، لا باعتبارهما وسيلة للنفوذ، بل باعتبارهما مسؤولية تجاه المجتمع والحقيقة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.