عندما تتحوّل الحكاية الواحدة إلى حقيقة

صحيفة الهدف

د.حنان الهادي
الصورة النمطية ليست كاذبة.. لكنها غير مكتملة. هذا هو جوهر الفكرة التي قدّمتها الكاتبة النيجيرية شيماماندا نغوزي أديتشي في حديثها الشهير عن “خطر الحكاية الواحدة”.
كانت تقول إن المشكلة ليست في الأكاذيب التي تُقال عن الشعوب والثقافات، بل في أن جزءًا من الحقيقة يتكرّر حتى يتحوّل إلى الحقيقة كلها.
فحين كان كثير من الناس في الغرب ينظرون إلى إفريقيا، كانوا يرون المجاعة والحروب والفقر والمرض فقط. لم تكن تلك الصور كاذبة، لكنها لم تكن إفريقيا كلها. كانت مجرد حكاية واحدة من بين آلاف الحكايات الأخرى.
وحين سمعت تلك الفكرة للمرة الأولى، أدركت أننا في السودان لا نعاني فقط من الحروب أو الأزمات السياسية، بل نعاني أيضًا من الحكاية الواحدة.
حكايات عن الشمال، وحكايات عن الجنوب، وحكايات عن الغرب، وحكايات عن الشرق، وحكايات عن المركز، وحكايات عن الهامش، وحكايات عن القبائل والأقاليم والناس والأحزاب والجماعات. كلها تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تدّعي أنها الحقيقة كلها. ولعل أكثر ما جعلني أفهم هذه الفكرة عمليًا لم يكن كتابًا أو محاضرة، بل موقفًا حدث داخل مدرسة ألمانية.
كان ابني التلميذ الإفريقي الوحيد تقريبًا في فصله. وُلد في ألمانيا وترعرع فيها، وكان يعرف السودان من خلال زيارات متباعدة لبيت جده وجدته، ومن خلال الحكايات التي كنت أحكيها له عن طفولتي ومدرستي وأسرتي وجامعتي وأصدقائي وحياة الناس في السودان.
قبل سنوات طويلة، عاد من المدرسة الابتدائية وهو في الصف الثاني، وقال لي جملة لم أنسها حتى اليوم: “يا ماما.. أنا عاوز أبقى كيني، ما سوداني”!.
أعترف أن الجملة أدهشتني، وتوقّفت للحظات وأنا أحاول أن أفهم من أين جاءت هذه الفكرة.
فأجابني: “كلما قرأت عن إفريقيا في القصص والكتب، أجد كينيا. أجد الحيوانات البرية والمحميات الطبيعية والصور الجميلة والطبيعة الخضراء، لكنني لا أجد السودان”.
كان طفلًا صغيرًا يحاول أن يرى نفسه في الكتب التي يقرأها، وكان يريد، مثل أي طفل، أن يعرف زملاءه من هو، وأن يعرف هو نفسه من أين جاء. لكن المشكلة أنه كلما بحث في القصص والكتب المدرسية عن السودان وجد دولًا أخرى.
وحين لم يجد نفسه، بدأ يبحث عن هوية أخرى يستطيع أن يحبها. وجد في كينيا القصص المصوّرة الأكثر إثارة، تلك التي يحبها الأطفال.
ثم حكى لي أن معلمته، حين لاحظت اهتمامه، حاولت أن تساعده. فأحضرت له كتابًا عن السودان كتبه مؤلف ألماني. لكن السودان الذي وجده في ذلك الكتاب لم يكن السودان الذي يعرفه. كانت الصور تعرض أطفالًا عراة، حفاة الأقدام، يقودون قطعانًا ضخمة من الأبقار ذات القرون الطويلة المتشابكة.
لم يكن في الكتاب ما يشبه بيت جدته، ولا مدرسة والدته، ولا شوارع مدينته، ولا أصدقاءه الذين تعرف عليهم في إحدى زياراته إلى السودان، ولا ملايين السودانيين الذين يعيشون حيوات مختلفة تمامًا، ولا أحلامه الصغيرة التي تشغل خياله.
كان هناك سودان واحد فقط، وحكاية واحدة، وصورة واحدة، وحقيقة واحدة، على الأقل في نظر طفل يحاول أن يفهم العالم. يومها أدركت أن المشكلة ليست في أن الصورة المعروضة كانت كاذبة. فهي تمثّل جزءًا من السودان فعلًا.
لكن المشكلة أنها كانت الجزء الوحيد الذي رآه. وهنا أدركت أن ابني لم يكن يواجه مشكلة هوية، بل كان يواجه مشكلة تمثيل. كان يرى نفسه داخل حكاية واحدة. وحين لا يرى الإنسان نفسه كاملًا في الرواية التي تُحكى عنه، يبدأ بالبحث عن رواية أخرى ينتمي إليها.
لذلك ذهبت إلى المدرسة وتحدّثت مع معلمته.
لم يكن هدفي الدفاع عن السودان بقدر ما كان هدفي توسيع الصورة؛ أن يرى الأطفال أن السودان أكثر من صورة واحدة، وأن إفريقيا أكثر من صورة واحدة، وأن الثقافات لا يمكن اختزالها في مشهد واحد أو كتاب واحد.
ومن هنا بدأت مشاركاتي في الأنشطة الثقافية داخل المدرسة، ثم في مجلس أولياء الأمور، ثم لاحقًا في المساهمة في إعداد موضوعات تعليمية تهدف إلى تعريف الأطفال بالعالم من خلال قصص وثقافات متعدّدة، ضمن ما كان يُعرف بمشروعات العولمة والتعرّف على الشعوب.
واليوم، بعد سنوات طويلة، أجد أن السودان نفسه يعيش داخل المشكلة ذاتها. كل طرف يروي قصة، ثم يطلب من الآخرين أن يصدقوا أنها القصة الوحيدة.
يقال إن الجنوب هو التهميش، وإن الشمال هو السلطة، وإن هذه القبيلة هي المشكلة، وإن تلك الجهة هي الحل.
وتتكرّر الحكايات حتى تتحوّل إلى مسلمات.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك، وأكثر إنسانية أيضًا. فالجنوب ليس التهميش فقط، والشمال ليس السلطة فقط، والحرب ليست السودان كله، كما أن السلام ليس حكايته الوحيدة.
إن أخطر ما تفعله الحكاية الواحدة أنها لا تمنعنا من رؤية الآخرين فقط، بل تمنع الآخرين من رؤية أنفسهم. ولهذا فإن السودان لا يحتاج اليوم إلى رواية واحدة جديدة، بل يحتاج إلى مساحة تتسع لكل الروايات التي لم تُسمع بعد.
فالوطن ليس قصة واحدة.
والوطن ليس صوتًا واحدًا.
والوطن ليس جهة واحدة.
الوطن مكتبة كاملة من الحكايات.
وكلما أغلقنا رفًا منها، فقدنا جزءًا من الحقيقة.
وربما لا تبدأ العدالة عندما نتفق على رواية واحدة، بل عندما نعترف بأن هناك روايات كثيرة تستحق أن تُروى. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب ليس أن تُروى عنه قصة سيئة، بل أن تُروى عنه قصة واحدة فقط.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.