الكتابة على سطح الذاكرة.. الدلنج حكاية مدينة

صحيفة الهدف

حمّاد يونس كوكو
“مقتطف”
في ليالي المدينة المفعمة بالجمال وخاصة في مواسم عودة المغتربين من دول الخليج حيث تحتفي المدينة بقدومهم المملوء بالبهجة والسرور. فهؤلاء هم أصحاب الحظوة في تلك الأزمنة التي كان فيها الاغتراب فرصة لجني المال وتصليح الحال ومساعدة الأهل والأقارب وأصحاب الحاجة وتقديم الهدايا للأصحاب والأصدقاء واتساع آمال جميلات المدينة أو الحي. فالقادم من الخليج ما لم يكن مقترنًا فهو “زول” جاهز في كل الأحوال.
في تلك المواسم تشهد المدينة حركة دؤوبة في تفاصيل حياتها الروتينية فتزداد زيجات الخطوبة والأعراس وتنتشر خيام الأفراح وتنشط الميادين الرياضية بما يجدونه من معينات رياضية من كرات وأحذية وملبوسات رياضية يقدّمها هؤلاء المغتربون خاصة وأن أكثرهم رياضيون أو مهتمون بالرياضة. وفي الأمسيات تضج المدينة بحفلاتها الصاخبة على أصوات الفنانين الشعبيين والحديثين أو أجهزة الناشيونال “أبو قلب” أو طبول دقات “الكرنق”.
ينطلق صوت “الجالوا” من أعلى غرب المدينة معلنًا عن بداية الحفل، والشباب الذين جذبهم ذلك الصوت يتهاوون تجاهه كالفراشات التي تجتذبها لهيب النار أو رحيق الأزهار، وهم في طريقهم إلى الحفل يردّدون النغمات الموسيقية المنبعثة من سماعات الأجهزة الضخمة: “جاني كديس بهنا سكيتو” “شجرة طمطم.. شجرة طمطم زينب باروكا”.
وفي اللحظة يقوم أحدهم بنفض الغبار من بنطال زميله الراقص تعبيرًا عن إعجابه بتلك الرقصة المميزة، ويواصلون المسير باتجاه الحفل. الدعوة مفتوحة إذ لا كروت دعوة إنما أنين الموسيقى الذي يدعو الشباب من كلا الجنسين بنغماته الطروب من الجاز إلى الريغي إلى الجالوا إلى أغنيات الطرب المحلية التي تسيّد مشهده في ذلك الزمان أغنية “يا سلوى قلبي شن سوى سوى” للعملاق إبراهيم عوض، بالإضافة إلى أغنية “يا نديدي. كل صوت في الدنيا صوتك وكل شريان فيك وريدي، الزمن قاسي الملامح وأنت نوارة قصيدي” للمبدع سيف الجامعة.
تعلو الأيادي وتتمايل الأجساد وتنطلق الآهات ويعلو الغبار، والكل في تلك اللحظات أهل وأحباب، والصبايا الجميلات متاحات للرقص مع كل راغب إذ لا احتكار. ومن داخل ساحة الرقص يزداد الهمس ومنه يتشكّل نوع من التعارف قد ينتهي بانتهاء الحفل وقد يمتد لزمان أطول وقد يتوّج بالارتباط خطوبة أو زواج أو حب كبير عارم يتناقل حكاياته خبايا المدينة وينتهي بالفشل والفراق وتترك جراحًا تكون مادة للحكي والتسلّي والتعزّي إلى أن تأتي حكاية أخرى تذهب بالتي قبلها.
“طولو” صاحب الدقات المميزة لطبل “الكرنق” وقد تمنطق النقارة الجلدية العتيقة وهو يقف منتصبًا في إحدى زوايا الدائرة التي شكّلها جموع الراقصين. وفي تجليه وهو غارق يرسل نغمات الطبل من تلك الآلة الجلدية المصنوعة غالبًا من الخشب وجلد الماعز. يحيط به العجائز اللائي صعب عليهن الرقص في الدائرة التي غمرتها الأرجل الشبابية من الجنسين والتي تضرب الأرض بحماسة وقوة وقد عمّهم الغبار.
أما العجائز فقد اكتفين بالرقص بكلتا القدمين مع تمايلات رأسية وجسدية حريفة اكتسبنها عبر خبرة طويلة فيعلو صوت الطبل ويردّده جبال الكلانج والدش “درب الحفير كلّو قش.. ما في طريق إلا القش”. وفي الأطراف الشمالية والشمالية الشرقية يأتي صوت النقارة والمردوم وتشتعل أرجل الراقصين بحماستهم المعهودة وفنياتهم المذهلة في كوبليهات الرقص العجيبة وتنتفض الأجساد في حركات جنونية يبدو للناظر كانها أجساد بلا عظام، ويتصاعد الغبار إلى أعلى تأخذها هبّات نسيم الليل مصحوبة بكورال الغناء الجماعي “الجنزير التقيل البقلّا ياتو.. البيوقد نارها يتدافو”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.