في السودان، حيث تتقاطع فظائع الحرب مع مآسي النزوح التشرّد، وتتشظى المدن بين ذاكرة مفقودة وحياة تحاول الاستمرار، يظل الفن سؤالًا ملتبسًا لا يُحسم بسهولة. فهو من جهة يبدو ضرورة إنسانية تمسّ جوهر البقاء، ومن جهة أخرى يطلّ أحيانًا في صور من الترف والسهر والحفلات التي تثير أسئلة ثقيلة حول التوقيت والمعنى والعدالة الرمزية.
في لحظة تاريخية يعيش فيها كثير من السودانيين قسوة الفقد والاقتلاع، تظهر مشاهد الحفلات والسهرات والفعاليات الفنية في بعض الفضاءات، محمّلة بإيقاع مختلف عن الإيقاع العام للحياة.. ليست المشكلة في وجود الفن ذاته، بل في المسافة التي يمكن أن تتسع فجأة بين واقعٍ مثقل بالألم، ومشهدٍ ثقافي يبدو وكأنه يتحرك في اتجاه آخر؛ اتجاه أكثر خفة، وأقل التصاقًا بجراح اللحظة.
لكن هذا التوتر، على حدّته، لا يمكن قراءته خارج طبيعة الفن نفسه، ولا خارج التاريخ الإنساني في لحظات الانكسار. فحتى في أكثر البيئات قسوة، لا يتوقّف الإنسان عن البحث عن مساحة صغيرة للبهجة، وكأن الفرح هنا ليس نقيضًا للألم، بل أحد أشكال مقاومته الخفية.
هذا التناقض ليس جديدًا في التجارب التي مرّت بالحروب، لكنه في السياق السوداني يبدو أكثر حدّة، لأن الفجوة بين المركز والهامش، بين من يعيشون تفاصيل النزوح ومن يملكون القدرة على إنتاج الفعل الثقافي، أصبحت أكثر وضوحًا.
ومع ذلك، فإن اختزال المشهد في ثنائية “ترف مقابل معاناة” لا يبدو كافيًا لفهمه. فالفن في السودان، حتى في لحظات السهر والحفلات، يحمل في داخله طبقات متداخلة من المعنى. فهو من جهة محاولة للتمسّك بالحياة، ومن جهة أخرى تعبير عن حاجة نفسية واجتماعية لعدم الاستسلام الكامل للخراب.
في هذا السياق تحديدًا، تبرز مسؤولية ثقيلة على بعض الفاعلين في الوسط الفني، أولئك الذين يعيشون في مساحات مريحة أو “بروج” رمزية ومادية بعيدة عن القسوة اليومية التي يعيشها الناس.. فالمشكلة ليست في امتلاك الفن للبهجة أو الاحتفاء، بل في تحوّل هذه البهجة إلى نمط حياة منفصل.
إن ما يثير النقد هنا ليس النجاح أو الظهور أو تنظيم الفعاليات في حد ذاته، بل ذلك الانفصال البارد بين التجربة الفنية والواقع الاجتماعي. حين يصبح الفن مجرد منصّة للاستعراض، عندها يفقد جزءًا من معناه الأخلاقي، حتى لو احتفظ ببريقه الشكلي.
فالفن، في جوهره، ليس امتيازًا اجتماعيًا، بل علاقة حسّاسة مع الواقع. وحين تُقطع هذه العلاقة أو تضعف، يتحوّل الفنان من شاهد على زمنه إلى كائن عابر فوقه، يعيش تفاصيله الخاصة بينما ينهار محيطه بصمت.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن هناك فنانين وكتّابًا ومبدعين يواصلون العمل من داخل هذا التوتّر بمنتهى المسؤولية، محاولين إعادة وصل الإبداع بالواقع.
إن الإشكال لا يكمن في الفن بوصفه فعلًا جماليًا، بل في موقعه من اللحظة التاريخية. فحين تتسع الهوة بين الواقع والمعنى، يصبح الفن نفسه موضوعًا للنقاش: هل هو مساحة مقاومة تحفظ ما تبقى من إنسانية المجتمع، أم أنه يتحوّل في بعض تجلياته إلى مشهد موازٍ للحياة؟
في السودان اليوم، لا يبدو هذا السؤال سؤالًا نقديًا، بل ضرورة لفهم علاقة الثقافة بالزمن القاسي. فالفن، سواء جاء في شكل أغنية تُغنّى في سهرة مكتظة، أو قصيدة تُكتب من قلب الخراب، يظل مرآة حساسة لمجتمع يعيش على حافة التحوّل. لكنه مرآة لا تعكس صورة واحدة، بل صورًا متداخلة: الألم، والرغبة في النجاة، والتناقض الذي لا ينفصل عن كليهما.
وهكذا، يبقى الفن في السودان محكومًا بهذه المفارقة: لا يستطيع أن يتخلى عن حقّه في الفرح، ولا يمكنه أيضًا أن يتجاهل ثقل الواقع الذي يُنتج فيه. وبين هذين الحدّين، تتشكل أسئلته الكبرى، وتُختبر قدرته على البقاء بوصفه فعلًا إنسانيًا لا مجرد مشهد عابر، بل مساحة يتجاور فيها الجمال مع الوجع دون أن يلغي أحدهما الآخر.

Leave a Reply