عباس شريف مدثر
ثلاثمائة وأربعة ملايين إنسان يعيشون خارج أوطانهم. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء سكاني يُدرج في تقارير الأمم المتحدة، بل هو زلزال ديموغرافي واقتصادي وثقافي ووجودي يتشكل بصمت تحت سطح الأخبار العاجلة. إنه إعادة كتابة لتوزيع البشر على وجه الأرض، ليس بالحروب كما اعتدنا، بل بالهجرة التي تحمل في طياتها وعوداً وتهديدات لا تظهر إلا على مدى أجيال.
عندما يتحرك 304 ملايين شخص – أي ما يعادل سكان الولايات المتحدة وكندا مجتمعين – فإنهم لا ينقلون أجسادهم فقط. إنهم ينقلون معهم أحلامهم وطقوسهم ولغاتهم وأديانهم وطرق تفكيرهم. ينقلون معهم جينات المقاومة والابتكار، وذاكرة الاستعمار والاستلاب، ورغبة عارمة في الاعتراف والكرامة. ينقلون جنوبهم الفقير إلى شمالهم الغني، ليس كغزاة، بل كبذور تزرع في تربة لا تشبه تربتهم، وتنتظر عقوداً لتنبت.
هذا المقال هو محاولة لفهم المعنى العميق لهذا التحول البشري الهائل. إنه تأمل في كيف يمكن لحركة بشرية، تبدو عادية في يومياتها، أن تعيد تشكيل علاقات القوى في العالم، وتغير ملامح الإمبراطوريات من داخلها، وتكتب فصولاً جديدة في تاريخ الهيمنة والتحرر.
أولاً: زمن الأجساد ليس زمن الأجيال: لطالما اعتدنا على قراءة الهجرة من زاوية الأرقام السنوية، كم دخل، كم خرج، كم حوّل، كم استثمر. لكن التغيير الحقيقي لا يُقاس بهذا الزمن القصير. فالقرارات المصيرية في السياسة الخارجية، والهوية الثقافية، وتوزيع الثروات، لا تتبدل بتدفق بشري في عقد أو عقدين. إنها تحتاج إلى زمن الأجيال.
وهنا يكمن جوهر الأطروحة في إن ما نراه اليوم من هجرة شبابية (معظمهم في سن العمل والإنجاب) ونصفها من النساء، هو استثمار في مستقبل بعيد. هؤلاء المهاجرون وأطفالهم وأحفادهم هم من سيحددون شكل الغرب بعد خمسين أو مئة عام. وهم من سيجعلون المجتمعات التي تستضيفهم أكثر فهماً وتواضعاً، أو ربما أكثر عنفاً ورفضاً، حسبما تسير الأمور.
المجتمعات الأوروبية والأمريكية تشهد شيخوخة متسارعة غير مسبوقة. معدلات المواليد فيها تهبط إلى ما دون مستوى الإحلال، والهرم السكاني ينقلب رأساً على عقب: كبار السن يزدادون، والشباب يقلون. في هذا السياق، يصبح المهاجرون وأحفادهم أحد مصادر التجدد السكاني والاقتصادي والثقافي الوحيدة. هم من سيملأ الفراغ، ويدفع الضرائب، ويدير المصانع، ويشغل المقاعد الدراسية، ويصوت في الانتخابات.
هذا الواقع يخلق مفارقة تاريخية في إن الغرب الذي بنى إمبراطوريته على استنزاف الجنوب، أصبح الآن محتاجاً إلى سكان الجنوب لإنقاذ شيخوخته. والأكثر عمقاً إن هؤلاء المهاجرون الذين كانوا ضعفاء ومنبوذين، سيصبحون خلال جيلين قوة انتخابية واقتصادية وثقافية لا يمكن تجاهلها.
ثانياً: من الضعف إلى القوة – تشكل الوعي الجديد: لكن السؤال الأعمق ليس عن الأعداد، بل عن الوعي. فمجرد وجود أعداد كبيرة من المهاجرين في بلد ما لا يضمن تغييراً في سياساته. التغيير يحتاج إلى تنظيم، وإلى وعي، وإلى قيادات، وإلى رواية موحدة. يمكن لهذه الجماعات البشرية الجديدة، التي ستصبح خلال جيلين جزءاً لا يتجزأ من النسيج السياسي والاجتماعي في الغرب، أن تشكل لوبي مضاداً للهيمنة الإمبريالية والاستعلاء الثقافي. يمكن لقادتها المنتخبين، ونخبها الأكاديمية، وجماعات الضغط المنبثقة منها، أن تكفينا شر الإدارات الأميركية والأوروبية المتعسفة التي تدعم الحروب، وتنهب الموارد، وتحتقر ثقافات الآخرين.
لكن هذا ليس حتمياً. فالتاريخ يخبرنا أن المهاجرين قد ينصهرون في البوتقة الثقافية الغربية ويتخلون عن ذاكرتهم وهَوِيَّاتهم. قد يتحولون إلى نسخ مكررة من الطبقة الوسطى الاستهلاكية التي لا تهمها إلا مصالحها المباشرة. وقد يستوعبهم النظام ويعيد إنتاجهم كأدوات لهيمنته بدلاً من أن يكونوا أداة لتغييرها.
لذلك، فإن القضية ليست فقط في عدد المهاجرين، بل في نوعية الوعي الذي يحملونه، وفي قدرة مؤسساتهم على الحفاظ على هويتهم ونقلها إلى الأجيال القادمة، وفي قدرتهم على توظيف أدوات الديمقراطية (التي تشرّبها الغرب نفسه) لخدمة قضايا أوسع من مصالحهم الضيقة.
ثالثاً: الاحتكاك الثقافي كفرصة لتفكيك الهيمنة: الغرب، منذ قرون، نظر إلى الشعوب الأخرى من أعلى، نظرة الاستعلاء الحضاري الذي يرى نفسه قمة التطور الإنساني، ويرى الآخرين متخلفين يحتاجون إلى التوجيه والإصلاح، بالقوة إن لزم الأمر. هذه النظرة بررت الاستعمار، والنهب، والحروب، والتدخلات القذرة في كل بقاع الأرض. ولكن عندما يكبر أبناء المهاجرين في مدارس الغرب، ويتزاملون مع أقرانهم، ويتنافسون معهم في الجامعات وأماكن العمل، ويصبحون جزءاً من روايتهم الإعلامية وثقافتهم الشعبية، فإن شيئاً ما يتغير في أعماق الروح الغربية.
هذا الاحتكاك الثقافي الإيجابي، حين يفهم الغرب أن هناك بشراً آخرين يعانون من سياسته، وأن الموارد التي نهبتها إمبراطوريته كانت سبباً في فقرهم وحروبهم، وأن ثقافات الآخرين ليست أقل قيمة من ثقافته، سيكون بذرة لتغيير جذري. ليس في السياسات فقط، بل في الوعي الجمعي، وفي تعريف (المصلحة القومية) ذاتها.
صحيح أن كثيراً من الغربيين اليوم لا يزالون يعتقدون أن فقر العالم الثالث هو خطأ أهله، وأن تدخلات بلادهم هي لإحلال الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. لكن الأجيال القادمة التي نشأت مع زملاء مهاجرين، وتعرفت على قصصهم، وقرأت تاريخ الاستعمار من وجهة نظر مختلفة، قد تفكر بطريقة أخرى. وهذا هو الرهان الكبير.
رابعاً: الاقتصاد كأداة وليس كغاية: في قراءتنا لهذه الظاهرة، لا ننظر إلى الهجرة كخسارة للدول المصدرة فقط، بل كفرصة للعالم بأسره. فالمهاجرون يحملون معهم إمكانيات اقتصادية هائلة، تحويلات مالية تجاوزت 800 مليار دولار عالمياً في عام 2024، وقدرات شرائية متنامية، ومشاريع استثمارية صغيرة وكبيرة، وشبكات تجارية عابرة للقارات تعيد تشكيل سلاسل التوريد العالمية.
لكن الأعمق من هذه الأرقام هو أن هذه الإمكانيات الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى أدوات للتأثير السياسي والثقافي. فالمال الذي يرسله المهاجرون إلى أوطانهم ليس مجرد دخل للعائلات الفقيرة، بل هو إعادة توزيع للثروة من الشمال إلى الجنوب. والشركات التي يؤسسونها في بلدان المهجر ليست مجرد مشاريع ربحية، بل هي جسور للتفاهم والتأثير. والاستثمارات التي يجذبونها من أوطانهم الأصلية ليست مجرد أرقام، بل هي تحويل لتدفقات رأس المال العالمية بطرق لم يعتدها النظام القائم.
خاتمة: ليس المطلوب من هذه الجماعات أن تغير أوطانها الجديدة، بل أن تجعلها أكثر فهماً وتواضعاً، وأقل عنصرية واستعلاء، وأكثر عدالة في توزيع الثروات والفرص. إنها معركة اقتصادية وثقافية وروائية، تُخاض في البرلمانات والجامعات ووسائل الإعلام والشوارع، وفي قلوب وعقول الأطفال الذين سيصبحون رجال ونساء الغد. فالمسألة لا تكون قريبة، بل على مدى زمني طويل يمتد لأجيال. لكن الصبر ليس انكساراً، بل هو إيمان بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الجذور، وليس من القمم. الهجرة الشابة التي تغير ديموغرافيا الغرب اليوم، هي بذور تغيير حضاري قد لا نرى ثماره، لكن أبناءنا وأحفادنا سيرونها.
وكما أن الإمبراطورية الرومانية لم تسقط بين ليلة وضحاها، بل تآكلت من داخلها عبر قرون، فإن الإمبراطوريات الحديثة قد لا تسقط بضربة قاضية، بل بتحولات بطيئة في التركيبة السكانية والوعي الجمعي. والهجرة، بكل ما تحمله من تناقضات وآلام وآمال، قد تكون أحد مفاتيح هذا التحول. فهل نحن مستعدون لقراءة هذا التحول بعيون لا ترى الأرقام فقط، بل ترى الأجيال التي ستأتي، والوعي الذي سيتشكل، والعالم الذي سيتغير؟ وهل تدرك النخب السياسية والاقتصادية في الغرب أن ما تراه اليوم مجرد (قضية هجرة)، قد يكون غداً (تحولاً حضارياً)، يعيد تعريف الإمبراطورية من الداخل؟
في نهاية هذه الرحلة التأملية، يبقى السؤال الأكبر ليس كم مهاجراً سيصل، بل أي نوع من الوعي سيحملون معهم، وأي نوع من المستقبل سيبنونه لأبنائهم، وأي نوع من العالم سيورثونه للأجيال التي بعدهم. الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه الحركة البشرية الهائلة ستبقى مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة، أم ستصبح فصلاً جديداً في تاريخ تحرر الشعوب من الهيمنة والاستعلاء. وهذا وحده، انتصار.

Leave a Reply