في زمن يبدو فيه كل شيء سائلاً، لم تعد الحدود الفاصلة بين الاقتصادي والسياسي، وبين الوطني والقومي، وبين المحلي والعالمي، مجرد خطوط أكاديمية في كتب النظرية. لقد صارت هذه الحدود شفافة إلى درجة الاختفاء، فصار تضخم بلد يصدر أزمته إلى جيرانه، وانكماش اقتصاد كبير يهز أسواق القارات، وقرار سياسي في عاصمة بعيدة يعيد تشكيل سلاسل التوريد العالمية بين ليلة وضحاها.
نحن نعيش لحظة استثنائية، ليس فقط في تاريخ الاقتصاد، بل في تاريخ الوعي الاقتصادي نفسه. فالحرب في أوكرانيا أعادت رسم خريطة الطاقة، والحرب على غزة كشفت هشاشة الادعاءات الغربية بحقوق الإنسان، والصراع في السودان أثبت أن الاقتصاد الوطني لا يمكن أن يزدهر في دولة تتهاوى مؤسساتها. إنها لحظة تداخل الأزمات، وتشابك المصائر، وتكشف الأقنعة عن وجه الهيمنة الحقيقي: قوة بلا رحمة، وسوق بلا ضمير، وإمبراطورية لا تعرف إلا لغة المصالح.
هذه الافتتاحية ليست تقريراً عن الناتج المحلي أو مؤشرات التضخم. فهذه الأرقام موجودة في كل مكان، وتتغير أسرع مما نقرأها. هي محاولة لفهم ما وراء الأرقام: كيف يفكر الاقتصاد وهو يعيد إنتاج أزماته؟ وأين يقف الوطن العربي من هذه التحولات؟ وما هي فرصنا الحقيقية في بناء اقتصاد وطني وقومي، في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتقلص فيه هامش المناورة؟
فشل العقل الاقتصادي الغربي في تفسير أزماته: قبل عقود، كان الغرب يصدّر لنا نظرياته الاقتصادية كأنها قوانين فيزيائية ثابتة، السوق هو الحل، الخصخصة هي الطريق، العولمة هي القدر، والدولة يجب أن تتراجع لتحل محلها الشركات العملاقة. كانت هذه النظرية تسمى (الإجماع العالمي الجديد)، وكأن من لا يؤمن بها خارج العصر، بل خارج التاريخ. لكن اليوم، وبعد أزمة 2008 المالية، وجائحة كورونا، والحروب التجارية بين أميركا والصين، والحرب في أوكرانيا، والحرب الامريكية الصهيونية وإيران انكشفت الحقيقة، في إن العقل الاقتصادي الغربي يعاني من إفلاس أخلاقي وهيكلي في آن واحد. فهو لا يستطيع تفسير أزماته المتكررة، ولا يملك حلولاً لتفاوت الثروات الصارخ، ولا يعرف كيف يتعامل مع عودة الحمائية والسياسات الإقصائية.
إن ما يسمى بـ (العولمة الجديدة)، لم تعد عولمة تكامل وتقارب، بل عولمة صراع وتناحر. الدول الكبرى لم تعد تبحث عن أسواق مفتوحة، بل عن سلاسل توريد خاضعة لسيطرتها. ولم تعد تروج للتجارة الحرة، بل لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي لصالحها. وهذا يعني أن الوطن العربي، والجنوب العالمي عموماً، لم يعد يواجه تحدياً اقتصادياً فقط، بل تحدياً وجودياً، في كيف نعيش في عالم تتحكم فيه قوانين لا تصنعها مصالحنا، ولا تراعي ظروفنا، ولا تعترف بحقنا في التنمية المستقلة؟
في قلب الأزمة الاقتصادية العربية، تقف الدولة الوطنية مهددة من جهتين: من فوق، بعولمة تذيب سيادتها وتقيد خياراتها، ومن تحت، بانقسامات داخلية تشرذم وحدتها وتفكك مؤسساتها. الدولة التي لا تستطيع حماية عملتها، ولا تأمين حدودها، ولا توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، هي دولة تفقد شرعيتها الاقتصادية قبل السياسية. في السودان، كما في ليبيا وسوريا واليمن، الحرب لم تكن مجرد انهيار للجيش أو فشل للسياسيين، بل كانت انهياراً للنموذج الاقتصادي القائم على الريع والسمسرة والولاء للفرد لا للمؤسسة. عندما تنهار الدولة، ينهار معها كل شيء، العملة تفقد قيمتها، والاستثمار يهرب، والعمالة تتوقف، والتجارة تشل، والجوع ينتشر. ومن الموت عبرة، وأن أسوأ ما في انهيار الدولة ليس خسارة الأرواح فقط، بل خسارة معنى الحياة، حيث لم يعد المواطن يعرف لماذا يعمل، ومن أجل ماذا يضحى، وأي مستقبل ينتظره.
هذا الانهيار ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة لسياسات اتبعت لعقود، أهملت بناء الإنسان قبل بناء المصنع، وأهملت إصلاح المؤسسات قبل جذب الاستثمارات، وأهملت العدالة الاجتماعية قبل السعي وراء النمو الاقتصادي. فاقتصاد لا يشعر به الفقير، هو اقتصاد هش مهما كانت أرقامه مبهرة. ودولة لا تحمي مواطنيها من الجوع، هي دولة لا تستحق الوجود.
من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج – الحلم العربي المؤجل: الوطن العربي يمتلك مقومات اقتصادية نادرة لا تجتمع في كثير من مناطق العالم، موقع جغرافي استراتيجي يربط ثلاث قارات، احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والمعادن، موارد زراعية متنوعة، أسواق استهلاكية واسعة تتجاوز 400 مليون نسمة، وكتلة بشرية شابة تمثل أكبر ثروة حقيقية للأمة العربية. لكن هذه المقومات ظلت لعقود أسيرة لاقتصاد الريع، الذي يقاس نجاحه بحجم الإيرادات النفطية لا بحجم الإنتاج المحلي، ويهتم بتوزيع الثروات لا بتوليدها، ويعتمد على الاستيراد أكثر من الاعتماد على التصنيع المحلي، ويجعل الدولة رهينة لتقلبات الأسواق العالمية بدلاً من أن تخضع إرادة الأمة لتنميتها المستقلة. فالتجارب الناجحة في العالم، من كوريا الجنوبية إلى الصين إلى ألمانيا، أثبتت أن النهضة الاقتصادية لا تصنعها الموارد الطبيعية، بل تصنعها الإرادة السياسية، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وبناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة، وربط الجامعة بسوق العمل، وجعل الابتكار والإنتاج محوراً للتنمية. ففي الوطن العربي، ولسوء الحظ، لا يزال بعيداً عن هذا النموذج. فالتعليم العربي يعاني من أزمة حادة، والبحث العلمي يعاني من عزلة وتهميش، والتصنيع لا يزال محدوداً ويعتمد على تقنيات مستوردة، والتكامل الاقتصادي بين الأقطار العربية لا يزال ضعيفاً، وسوق العمل العربية مجزأة بأغلال التأشيرات والقيود. إذاً الأمة العربية ليست فقيرة في مواردها، لكنها فقيرة في إرادة التخطيط والتكامل، وفي القدرة على تحويل الإمكانات المتفرقة إلى قوة إنتاجية جامعة. وبينما تتجه التكتلات الاقتصادية الكبرى في العالم نحو مزيد من التكامل، ما تزال الاقتصادات العربية تعمل في معظم الأحيان بصورة منفصلة، مكررةً بذلك المشروعات نفسها ومهدرةً فرص التعاون.
العولمة الجديدة وسؤال الهيمنة – لماذا لا يوجد اقتصاد محايد؟: من أخطر الأوهام التي سادت في عصر العولمة الأولى، أنها كانت تحكمها قوانين اقتصادية محايدة، وأن الجميع يلعبون بنفس القواعد، وأن النجاح فيها مرهون بقدرة كل دولة على التكيف والمنافسة. هذا الوهم كان غطاءً أيديولوجياً لهيمنة حقيقية، لم تكن محايدة ولا عادلة. فالعولمة الجديدة، التي تتشكل اليوم تحت وقع الحروب التجارية والصراعات الجيوسياسية، كشفت هذا الغطاء تماماً. فالدول الكبرى لم تعد تتردد في استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية، وتوظيف أسواق المال في إضعاف خصومها، واستخدام قوتها التكنولوجية في التجسس الاقتصادي، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد وفقاً لمصالحها الأمنية لا وفقاً لقوانين السوق. هذا يعني أن أي مشروع اقتصادي عربي طموح، لا يمكن أن يكون اقتصاداً محايداً يلعب في الملعب الذي رسمه الآخرون. لابد له من وعي بطبيعة الصراع، ومن قدرة على بناء تحالفات اقتصادية بديلة، ومن استراتيجية للاكتفاء الذاتي في السلع الاستراتيجية (الغذاء، الدواء، الطاقة، الأمن السيبراني)، ومن رؤية للاندماج مع التكتلات الاقتصادية الصاعدة (بريكس، الاتحاد الأوراسي، مجموعة العشرين). فالحياد في عالم لا يحترم الحياد، ليس حكمة، بل هو استسلام بالوكالة. والاقطار العربية التي تظن أنها تستطيع التعايش مع كل الأطراف دون أن تدفع ثمناً لانحيازاتها، هي واهمة. الاقتصاد اليوم جزء من صراع وجودي بين قوى كبرى، ومن لم يختر موقعه، سيجد نفسه موقعه اختير له.
الإنسان قبل الربح – إعادة تعريف معنى النجاح الاقتصادي: في النهاية، كل هذه التحليلات والأرقام والنظريات لا تعني شيئاً إذا غاب عنها الإنسان. الاقتصاد ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لخدمة الإنسان، في أن يعيش بكرامة، ويأكل عندما يجوع، ويتعالج عندما يمرض، ويتعلم عندما يريد أن يعرف، ويعمل عندما يريد أن ينتج، ويسكن في أمان. المؤشرات الاقتصادية التقليدية فشلت في قياس هذا المعنى. فالناتج المحلي الإجمالي يرتفع في بلد يزداد فيه الفقراء، وتنخفض نسب البطالة في بلد يعمل فيه الناس ساعات طويلة بأجور زهيدة، وتزدهر أسواق الأسهم بينما تتآكل قدرة المواطن العادي على الشراء. الاقتصاد الذي لا يشعر به المواطن البسيط، هو اقتصاد مزيف، مهما بدت أرقامه مذهلة.
الوطن العربي اليوم، بأزماته المتشابكة وحروبه المدمّرة وتفاوتاته الصارخة، يحتاج إلى إعادة تعريف معنى النجاح الاقتصادي. النجاح ليس فقط في زيادة الصادرات، بل في تقليل الاعتماد على الاستيراد. ليس فقط في جذب الاستثمارات الأجنبية، بل في تشجيع الاستثمار المحلي. ليس فقط في تسريع النمو، بل في توزيع عادل لعوائد النمو. ليس فقط في بناء ناطحات سحاب ومدن جديدة، بل في توفير الخبز والدواء والتعليم لكل مواطن. هذا التحول في الأولويات يتطلب تغييراً في العقلية قبل تغيير في السياسات. يتطلب الاعتراف بأن المواطن ليس مجرد مستهلك، بل هو منتج وشريك وهدف وغاية. يتطلب بناء مؤسسات تحاسب، وإعلام يراقب، وقضاء يحمي حقوق الضعفاء قبل الأقوياء، ومجتمع مدني قادر على النقد والمشاركة. الاقتصاد بلا إنسان، هو اقتصاد بلا روح. والدولة التي لا تشعر بمواطنيها، هي دولة لا تستحق أن تستمر.
خاتمة: اللحظة التي نعيشها ليست لحظة نهاية الاقتصاد العربي، بل لحظة إعادة اكتشافه. فالحروب والأزمات، رغم قسوتها، تكشف العيوب وتفضح الهشاشة وتدعو إلى المراجعة والتجديد. السؤال ليس هل سينهض الاقتصاد العربي؟ بل متى وبأي شروط، ومن سيقود النهضة، ومن سيستفيد منها؟ . فبناء اقتصاد وطني قوي يبدأ من وقف نزيف الحروب وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتأهيل البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتعزيز دور القطاع الخاص المنتج، ومحاربة الفساد والبيروقراطية، وإصلاح التعليم والتدريب المهني. لكن هذا لا يكفي في عالم متشابك ومترابط. فلابد من مشروع قومي عربي طموح يتجاوز حدود الدولة الوطنية إلى التكامل الاقتصادي، وإقامة سوق عربية مشتركة، وتوحيد السياسات الجمركية والنقدية، وتنسيق المواقف في المحافل الدولية، وبناء مشاريع كبرى مشتركة في الطاقة والنقل والاتصالات والتكنولوجيا.
الوطن العربي يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون قطباً اقتصادياً مؤثراً. ما ينقصه هو الإرادة السياسية والتخطيط الاستراتيجي والرؤية البعيدة المدى. الأوان قد آن لننتقل من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن اقتصاد التجزئة إلى اقتصاد التكامل، ومن اقتصاد التبعية إلى اقتصاد السيادة، ومن اقتصاد يخدم النخب إلى اقتصاد يخدم الشعب. هل نحن مستعدون؟ الإجابة ليست في هذه الافتتاحية. الإجابة ستكون في سلوك حكامنا وخبرائنا ونخبنا وشعبنا، ووعينا. فالاقتصاد في النهاية ليس معادلات نظرية، بل قرارات وممارسات وإرادات تتصادم وتتآلف وتتنافس وتتحد. والقادمون إلى هذا العالم لن يسألونا كم أنتجنا، بل كيف أنتجنا، ولمن أنتجنا، وبأي روح أنتجنا. فهل نكون عند مستوى هذه المسؤولية؟

Leave a Reply