المحرر الاقتصادي
عندما يرتفع سعر أردب الذرة إلى 282 ألف جنيه، وعندما يصل قنطار السمسم إلى 245 ألفاً، فإننا أمام أكثر من مجرد أرقام في نشرة اقتصادية. نحن أمام شهادة وفاة لنمط حياة كامل، وأمام دليل إدانة لفشل ليس موسمياً بل بنيوياً، وأمام صرخة أرض كانت تنتظر البذار فلم يأتها إلا الخراب.
مدينة القضارف، عاصمة الاقتصاد الزراعي السوداني، ليست مجرد سوق للمحاصيل. هي نبض الزراعة السودانية، وميزان الأمن الغذائي، ومؤشر حقيقي على صحة الإنسان قبل صحة الاقتصاد. حين ترتفع أسعار الذرة فيها، فإن السؤال ليس فقط كم سيدفع المواطن لقمة خبزه؟، بل كم سيبقى من السودانيين قادرين على العيش على أرضهم؟
أولاً: تأخر الموسم – حكاية أرض تنتظر بذاراً لا يأتي: في الأعراف الزراعية السودانية، الموسم الصيفي ليس مجرد تقويم زمني، بل هو موعد مقدس بين الإنسان والأرض. الفلاح يعرف متى تشرق الشمس في قلب الحقل، ومتى تنساب الأمطار في أخاديد الأرض، ومتى تمد البذور جذورها نحو الحياة. هذا الموعد لا يتأخر عادة، لأنه ليس من صنع البشر، بل من صنع الطبيعة التي لا تعرف التأجيل.
لكن هذه السنة، تأخر الموسم. ليس بسبب جفاف أو تصحر أو تغير مناخي فقط، بل بسبب الحرب التي حولت كل شيء إلى حالة من العجز المزمن. البذور التي كانت ستنطلق في رحلتها نحو الحياة، بقيت حبيسة المخازن أو نهبت أو أتلفت. الجرارات التي كانت ستشق الأرض، توقفت عن العمل بسبب انقطاع الديزل أو عدم توفر قطع الغيار أو هروب الميكانيكيين. الفلاحون الذين كانوا سيخرون الأرض بأيديهم، إما نزحوا إلى مناطق أكثر أماناً، أو جندوا قسراً، أو فقدوا الرغبة في العودة إلى أرض لم تعد آمنة. الحرب إذن لم تكتفِ بتدمير المدن والقرى، بل ذهبت إلى تجفيف منابع الحياة ذاتها. تأخر الموسم الصيفي ليس فشلاً تقنياً، بل هو انقطاع للصلة بين الإنسان والأرض التي رعتها أسرته لأجيال. إنه انكسار لدورة الخلق والإنتاج، وتحويل للطبيعة من أم حانية إلى زوجة هجرها عشاقها.
ثانياً: الأسمدة والبنزين – غياب الأدوات وانهيار الرغبة: الخبر يذكر أن الاقتصاديين عزوا الأزمة إلى ارتفاع أسعار البنزين وندرة الأسمدة. هذان العنصران، وإن بدا تقنياً، يحملان في طياتهما أبعاداً وجودية عميقة. البنزين ليس مجرد وقود للجرارات، بل هو شريان الحركة في الريف. بغيابه، تتوقف الآلات، وتجف الآبار، وتتعطل طرق النقل، وتتحول الحقول إلى سجون خضراء لا يمكن الوصول إليها. الفلاح الذي لا يستطيع تشغيل مضخة الماء، أو نقل محصوله إلى السوق، أو حتى الوصول إلى أرضه، هو فلاح مشلول، مهما كانت خصوبة تربته.
أما الأسمدة، فغيابها يعني أن الأرض ستنهك ولا تجود. الأسمدة ليست مجرد مواد كيماوية، بل هي تعويض للأرض عن ما تفقده من عناصر غذائية. حرمان الأرض من سمادها، هو كحرمان الأم من غذائها وهي ترضع. وسرعان ما تظهر النتيجة: محصول هزيل، حبات صغيرة، وجودة متدنية، وأسعار مرتفعة لا تعكس قيمة المنتج بل تعكس ندرته.
لكن الأعمق من غياب الأدوات، هو انهيار الرغبة نفسها. الفلاح الذي يعلم أن محصوله قد لا يصل إلى السوق بسبب انعدام الأمن، أو أن ثمنه لن يغطي تكاليف الإنتاج بسبب انهيار العملة، أو أن أرضه قد تصبح ساحة معركة بين ليلة وضحاها، يفقد الرغبة في البذر. وما فائدة البذر إذا كان الحصاد غير مضمون؟ وما قيمة التعب إذا كانت الغلال عرضة للنهب أو التدمير؟ الحرب لا تمنع الزراعة فقط، بل تمنع الرغبة في الزراعة. وهذا هو الموت البطيء للريف السوداني.
ثالثاً: الأسعار المرتفعة – بين الجوع والربح: الأرقام الواردة في الخبر مثيرة للقلق: أردب الفتريتة 282 ألف جنيه، والدبر 270 ألفاً، والدخن 250 ألفاً، وقنطار السمسم 245 ألفاً. هذه الأرقام، لو قيست بما كانت عليه قبل الحرب، تعكس ارتفاعاً جنونياً يجعل الغذاء رفاهية لا يستطيع تحملها إلا الأغنياء. لكن المقلق ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل هو ما تعكسه هذه الأسعار عن حجم المعاناة. فكل جنيه إضافي يدفعه المستهلك هو دليل على نقص في المعروض، وكل نقص في المعروض هو دليل على ضعف في الإنتاج، وكل ضعف في الإنتاج هو دليل على انهيار في منظومة الزراعة ككل.
الذرة، التي كانت تعرف بـخبز الفقراء، أصبحت سلعة ثمينة قد لا يستطيع الفقير شراءها. السمسم، الذي كان مصدر دخل لملايين الأسر الريفية، أصبح تجارة للمضاربين والتجار الكبار. والدخن، الذي كان غذاء الصامدين في المناطق الجافة، أصبح حلم بعيد المنال. هذه الأسعار ليست مجرد مؤشرات تضخم، بل هي حكم إعدام على الطبقة الوسطى الريفية، وتحويل للفلاح من منتج إلى متفرج، ومن صانع للثروة إلى متسول عند أبواب المدينة.
رابعاً: السودان بين الأمن الغذائي والتبعية الاستيرادية: السودان كان يوماً سلة غذاء الوطن العربي. أراضيه الشاسعة، وأنهاره الجارية، وتنوعه المناخي، جعلته مؤهلاً لأن يكون مصدراً للغذاء، ليس فقط لأبنائه، بل لجيرانه في المنطقة. لكن هذا الحلم الجميل، اصطدم بواقع قاسٍ، وهو التخطيط الريعي، والإهمال المزمن، والحروب المتعاقبة، وهجرة الكفاءات، وتدمير البنية التحتية. اليوم، وبعد ثلاث سنوات من الحرب المدمرة، لم يعد السودان قادراً على تأمين غذائه بنفسه. المناطق الزراعية الكبرى (الجزيرة، سنار، النيل الأبيض، شمال كردفان) إما دمرت بالكامل، أو تحولت إلى مناطق نزاع، أو فقدت عمالتها الزراعية نتيجة النزوح. وهذا يعني أن السودان أصبح أكثر اعتماداً على استيراد الغذاء، في وقت انهارت فيه العملة وضاقت فيه مصادر النقد الأجنبي.
فالمفارقة القاتلة، في إن بلد كان يمكنه إطعام المنطقة، أصبح عاجزاً عن إطعام نفسه. وبلد كان يملك فائضاً زراعياً يصدره للخارج، أصبح يستورد حتى أبسط السلع الزراعية. هذا التحول ليس مجرد فشل اقتصادي، بل هو انكسار للسيادة، ورهن للأمن الوطني بإرادة الأسواق العالمية وتقلباتها. الأمن الغذائي، في التحليل النهائي، ليس مجرد قضية إنتاج، بل هو قضية حياة أو موت للوطن. دولة لا تستطيع إطعام شعبها، هي دولة لا تستطيع حماية سيادتها، ولا الحفاظ على استقرارها، ولا مقاومة الإملاءات الخارجية. إنها دولة تتحول تدريجياً من كيان صاحب إرادة إلى مجرد سوق مستهلك تتحكم فيه قوى لا ترحم.
خاتمة: أسعار المحاصيل في سوق القضارف ليست خبراً عابراً، بل هي جرس إنذار يدق عالياً لمن يريد أن يسمع. إنها تقول إن السودان يفقد أرضه قبل أن يفقد شعبه، ويفقد زراعته قبل أن يفقد اقتصاده، ويفقد أمله قبل أن يفقد أي شيء آخر. إنها تدعو إلى وقفة تأمل، كيف يمكن لبلد زراعي أن يعاني من ارتفاع أسعار محصوله الأساسي؟ كيف يمكن لأرض غنية أن تنتج فقراً ونزوحاً وجوعاً؟ كيف يمكن للفلاح أن يتحول من عمود فقري للاقتصاد إلى هامش مهمش؟ الحل ليس في تخفيض الأسعار أو استيراد الذرة من الخارج. الحل في إيقاف الحرب أولا، ثم في إعادة تأهيل البنية الزراعية، وتوفير البذور والأسمدة والوقود، وتأمين طرق النقل، واستعادة الثقة بين الفلاح وأرضه، وبين المنتج والسوق، وبين الريف والدولة. حتى ذلك الحين، ستبقى أسعار المحاصيل مرتفعة، وستبقى معاناة الفلاح متواصلة، وسيبقى السودان يدفع ثمناً باهظاً لذنب واحد، في أنه لم يحم أرضه، فتحولت من مورد حياة إلى ساحة موت.

Leave a Reply