طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليس الطعام مجرد سعرات حرارية تملأ بطوناً جائعة. الطعام هو المعادل المادي للإرادة الوطنية، والمقياس الحقيقي لسيادة الدولة، وأول خطوط الدفاع عن الأمن القومي. حين تعجز أمة عن إطعام نفسها، فإنها لا تفقد فقط استقلال قرارها الغذائي، بل ترهن سيادتها لإرادة الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد التي لا ترحم.
الأرقام التي يسوقها التقرير الاقتصادي للمؤتمر القومي الثالث عشر ليست مجرد إحصاءات باردة يمكن تمريرها بسرعة. إنها شهادة إدانة لواقع عربي مفضوح: فجوة غذائية عربية تجاوزت 49.5 مليار دولار في عام 2023، بمعدل نمو سنوي بلغ 4.5%، ونسب اكتفاء ذاتي تتدحرج نحو الأسفل في السلع الرئيسية كالأرز والذرة والسكر والزيوت. هذه الأرقام تكتب قصة أمة تمتلك من الأراضي والمياه والموارد ما يؤهلها لتحقيق قدر كبير من الاكتفاء الغذائي، لكنها تحولت إلى واحدة من أكبر مناطق العالم اعتماداً على استيراد الغذاء.
هذا المقال ليس مجرد عرض لأرقام، بل هو محاولة لفهم الفلسفة العميقة الكامنة وراء هذه الأرقام. كيف تحولت الأقطار العربية من منتجة للغذاء إلى مستوردة؟ وما الذي حدث للقوى العاملة الزراعية التي تراجعت من 49.7% إلى 22.4% في خمسة عقود؟ وكيف يمكن لفجوة الغذاء أن تتحول من مجرد مشكلة اقتصادية إلى سلاح جيوسياسي بيد أعداء الأمة؟
أولاً: انهيار المنظومة الزراعية – من الاكتفاء إلى التبعية: يشير التقرير الاقتصادي للمؤتمر القومي الثالث عشر إلى أن الفجوة الغذائية العربية ارتفعت إلى حوالي 49.5 مليار دولار عام 2023، بمعدل نمو سنوي بلغ حوالي 4.5%. هذه الفجوة لم تأتِ من فراغ. إنها تتويج لمسيرة طويلة من الإهمال والتهميش والتبعية.
في عام 1970، كانت القوى العاملة في الزراعة تمثل 49.7% من إجمالي القوى العاملة العربية. أما اليوم، فلم يتبق منها سوى 22.4%. هذا التراجع ليس مجرد تحول هيكلي طبيعي، بل هو انعكاس لسياسات متعمدة أهملت القطاع الزراعي، ووجهت الاستثمارات نحو قطاعات خدمية وعقارية أسرع مردوداً، وفتحت الأبواب أمام الواردات الغذائية الرخيصة التي قضت على المنتج المحلي. العامل الزراعي العربي، الذي كان يحلم بالاكتفاء، أصبح اليوم أحد أفقر فئات المجتمع. ففي الوقت الذي يزداد فيه سكان الريف هجرة نحو المدن بحثاً عن فرص أفضل، تتسع الفجوة بين ما ننتجه وما نستهلكه، وتتعمق تبعيتنا للأسواق العالمية.
المفارقة القاتلة أن المنطقة العربية تمتلك إمكانات زراعية هائلة: أراضٍ شاسعة، تنوع مناخي، أنهار خالدة، ومقومات طبيعية تجعل منها مؤهلة لتكون مصدراً للغذاء وليس سوقاً للمستوردين. لكن سوء الإدارة، وهيمنة اقتصاد الريع، وإهمال البحث العلمي الزراعي، كلها عوامل اجتمعت لتحويل هذه الإمكانات إلى مجرد أرقام في دفاتر الاستيراد.
ثانياً: المياه كساحة حرب – عندما يصبح الجفاف سياسة: لا يمكن الحديث عن الأمن الغذائي العربي دون التوقف عند أزمة المياه التي تؤرقه من جذوره. التقرير يذكر أن الأقطار العربية تحصل سنوياً على حوالي 260 مليار متر مكعب من المياه المتجددة، نصفها يأتي من دول الجوار (حوالي 129 مليار متر مكعب). هذا يعني أن أكثر من 50% من مياهنا تأتي من منابع خارج حدودنا.
ثلاث عشرة دولة عربية تعاني من شح مائي مطلق (أقل من 500 متر مكعب للفرد سنوياً)، وست دول أخرى تعاني من شح مائي (بين 500 و1000 متر مكعب للفرد). هذه الأرقام تحكي قصة وطن عربي يعيش فوق أرض يابسة، ويستجدي الماء من جيرانه الذين يتحكمون في منابع الأنهار.
وهنا تبرز الحقيقة الجيوسياسية الأكثر خطورة: الماء صار سلاحاً بيد أعداء الأمة. إثيوبيا، التي تحتل منابع النيل، تستخدم سد النهضة كورقة ضغط على مصر والسودان. تركيا تتحكم في منابع دجلة والفرات، وتستخدم المياه كسلاح في صراعاتها الإقليمية. وإيران تسيطر على شط العرب، وتلعب بأمن المياه العراقي. أصبحت المياه محوراً للخلافات الاستراتيجية بين عدد من الاقطار العربية ودول المنابع، بما يجعل الأمن المائي العربي أكثر حساسية للتطورات الإقليمية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الأمن الغذائي عن الأمن المائي، والأمن المائي عن الأمن القومي. فالدولة التي لا تضمن مياهها، لا تستطيع أن تضمن قوت شعبها، والدولة التي لا تضمن قوت شعبها، هي دولة مستباحة السيادة، مرهونة الإرادة.
ثالثاً: الحروب والأزمات – كاشف الفجوة الحقيقي: جائحة كورونا والحرب الأوكرانية كشفتا عن حقيقة كانت مخبأة تحت وطأة الاعتماد على الواردات: سلاسل الإمداد العالمية هشة، وأسعار الغذاء متقلبة، ودول المصدر لا تتردد في استخدام الغذاء كورقة ضغط سياسي. عندما توقفت موانئ البحر الأسود، وتعطلت سلاسل التوريد، ارتفعت أسعار الحبوب إلى عنان السماء، وتهاوت العملات العربية تحت وطأة فواتير الاستيراد. والعرب وقفوا عاجزين، لا يملكون من أمرهم شيئاً، لأنهم أهملوا أرضهم، ورهنوا قوتهم لمن لا يرحم.
لقد أثبتت الأزمات المتتالية أن الأمن الغذائي لا يمكن أن يتحقق بالاستيراد وحده، مهما كانت الأسعار رخيصة، ومهما كانت الأسواق مستقرة. لأن الاستقرار وهم، والأسعار تتغير، والإرادات السياسية للدول المصدرة ليست بالضرورة منسجمة مع مصالحنا. حين تشتعل حرب في مكان ما من العالم، يدفع ثمنها الفقير العربي في بني سويف أو أم درمان أو صنعاء، الذي يجد فجأة أن رغيف الخبز الذي كان يأكله أصبح رفاهية لا يستطيع تحملها.
رابعاً: الحرب على فلسطين (غزة) وفجوة الغذاء – حين تتحد الهيمنة الأمريكية والصهيونية والإيرانية: ما يجري في فلسطين اليوم ليس مجرد حرب على شعب أعزل، بل هو جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة، وتفكيك مقومات الأمن القومي العربي، واستنزاف موارده، وإخضاعه لشروط الهيمنة الأمريكية والصهيونية والإيرانية.
في هذه الحرب، لم تكن غزة فقط هي المستهدفة. بل كل مكونات الأمن العربي كانت في مرمى النار: الاقتصاد، والمياه، والغذاء، والطاقة. فالحصار المفروض على غزة، والذي منع دخول الغذاء والدواء والماء، هو نموذج مصغر لما يمكن أن يحدث لأي دولة عربية ترهن أمنها الغذائي للخارج.
لقد أثبتت الحرب على غزة أن الغذاء سلاح، والماء أداة ابتزاز، والصحة ورقة ضغط. فكما حوصرت غزة حتى تجوع، فإن أي دولة عربية تعتمد على استيراد غذائها يمكن أن تتعرض لنفس المصير في لحظة أزمة أو صراع.
وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق: ألم يحن الوقت ليتعلم العرب الدرس؟ ألم يحن الوقت لنفك ارتباطنا بسلاسل الإمداد العالمية غير المستقرة، ونبني بدائلنا العربية القادرة على توفير الأمن الغذائي في زمن الحروب والأزمات؟
خامساً: الأمن الغذائي كبعد من أبعاد المشروع القومي: الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تأتي من دولة عربية بمفردها، مهما كانت إمكاناتها. فالمشروع الزراعي العربي لا يمكن أن ينجح إلا في إطار تكامل قومي حقيقي، يربط بين دول الموارد البشرية والأرض والمياه، ويوحد الجهود، ويوجه الاستثمارات نحو استصلاح الأراضي، وبناء السدود، وتطوير التقنيات الزراعية، وتحسين البذور، ونقل الخبرات.
إن ما يحدث الآن من تجارب فردية في الزراعة الصحراوية، أو استصلاح الأراضي، أو تحلية المياه، مهما كانت ناجحة، يظل محدوداً ما لم يتسع الإطار ليشمل التكامل العربي الكامل. فالعراق، بلاد الرافدين، يمكن أن يكون سلة غذاء العرب لو توفرت له الاستثمارات والأمن. والسودان، الذي يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة وأنهاراً دائمة الجريان، يمكنه أن يغذي نصف العرب لو أتيحت له فرصة البناء والإعمار. ومصر، التي تمتلك الخبرات البشرية والتقنيات الزراعية المتقدمة، يمكنها أن تقدم نموذجاً للاستصلاح والتنمية. لكن كل هذه الإمكانات ستبقى حبيسة ما لم تتحرر الإرادة السياسية العربية من التبعية، وما لم يدرك صناع القرار أن الأمن الغذائي هو خط الدفاع الأول عن السيادة الوطنية، وأول مقومات الأمن القومي العربي.
سادساً: لماذا ما زالت الفرصة العربية قائمة؟: ورغم خطورة المؤشرات السابقة، فإن الصورة ليست سوداء بالكامل. فالوطن العربي يمتلك من المقومات ما يجعله قادراً، نظرياً وعملياً، على تقليص فجوته الغذائية خلال فترة زمنية معقولة إذا توافرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية المشتركة. فالوطن العربي يضم ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة، وموارد مائية متنوعة، وثروات مالية كبيرة، وأسواقاً استهلاكية واسعة، وخبرات بشرية وعلمية متراكمة.
وتكمن المشكلة الأساسية ليس في نقص الموارد، بل في ضعف التكامل بينها. فهناك أقطار تمتلك الأرض والمياه، وأخرى تمتلك رأس المال، وثالثة تمتلك الخبرات والتقنيات. ولو جرى توظيف هذه العناصر ضمن رؤية عربية مشتركة للأمن الغذائي، لأمكن الانتقال من منطق الاستيراد الدائم إلى منطق الإنتاج والتكامل. ومن هنا فإن التخطيط الاقتصادي القومي العربي لا يمثل حلماً أيديولوجياً مجرداً، بل ضرورة عملية تفرضها طبيعة التحديات المعاصرة. فالأمن الغذائي، شأنه شأن الأمن المائي والطاقة والتكنولوجيا، تجاوز قدرة الدولة القطرية منفردة، وأصبح بحاجة إلى أطر أوسع للتعاون والتكامل وتوزيع الأدوار وفق المزايا النسبية لكل قطر عربي.
إن السؤال الحقيقي الذي تطرحه فجوة الغذاء العربية ليس كم نستورد من القمح أو السكر أو الزيوت، بل أي نوع من السيادة نريد؟ فالدولة التي تستورد غذاءها بالكامل لا تستورد السلع وحدها، بل تستورد معها جزءاً من شروط بقائها. ولهذا فإن معركة الغذاء ليست معركة زراعية فقط، بل معركة إرادة وقرار واستقلال. فالخبز في النهاية ليس مجرد منتج اقتصادي، بل أحد الأشكال المادية للسيادة الوطنية.
خاتمة: فجوة الغذاء العربية ليست مجرد مشكلة اقتصادية يمكن حلها بمزيد من الواردات. إنها كاشف حقيقي لمدى ضعف الأمة العربية، وهشاشة دولها، وتفكك مشروعها القومي. لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن الدول الكبرى لا تتردد في استخدام الغذاء سلاحاً جيوسياسياً لتحقيق أغراضها. الحرب على فلسطين (غزة)، كشفت كيف يمكن للحصار الغذائي أن يكون أداة قتل وإذلال، وكيف يمكن لمن يسيطر على مصادر الغذاء أن يسيطر على قرارات الآخرين. الامة العربية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يستمروا في تبعيتهم الغذائية، فيظلوا رهينة لتقلبات الأسواق وأهواء الموردين، وإما أن يستعيدوا أمنهم الغذائي بأيديهم، عبر إحياء مشروع زراعي عربي مشترك، يعيد للأرض اعتبارها، وللفلاح كرامته، وللأمة سيادتها.

Leave a Reply