حول تاريخية اللغة العربية في إريتريا

صحيفة الهدف

محمد سعيد ناود
سياسي وروائي وقاص من ارتيريا
،
عقدت وزارة التعليم الإريترية من 9 ولغاية 10 أبريل 2010 ندوة حول أهمية ومكانة ودور اللغة العربية في إريتريا، قدّمت خلالها عدد من الأوراق والأبحاث التاريخية، وذلك بحضور كبار المسؤولين في الدولة وفي الجبهة الشعبية، وعدد من الكتاب والمفكرين وممثلين للأقاليم الإريترية الستة. وقدّم الأستاذ محمد سعيد ناود ورقة بعنوان “حول تاريخ اللغة العربية في إريتريا”. وعمومًا للفائدة نقوم بنشر نص الورقة:

إن حبّنا لوطننا ولشعبنا يظل ناقصًا ما لم نلمَّ بتاريخ هذا الوطن وهذا الشعب وتراثه وثقافاته، فإذا توقفنا عند حدود الإلمام بالقبيلة أو الإقليم أو الطائفة الدينية وبالقليل من العموميات من تاريخ الوطن فقط، يظل فهمنا لوطننا ولشعبنا ناقصًا ومبتورًا. لذا يتطلب الأمر أن نحس بالانتماء الكامل للوطن وللشعب بأكمله، وهذا يتحقق من خلال فهمنا لتاريخنا وتراثنا وثقافاتنا ولغاتنا بكل أجزاء الوطن.
فالشعب الإريتري الذي ننتمي إليه، وإريتريا التي نحبّها يجب أن يكون لها معنى واضح في أذهاننا، وليس حبًا هلاميًا غير محدد المعنى.
بعض الأوروبيين الذين كتبوا عن الشعب الإريتري وصفه بعضهم بالفسيفساء “موزاييك”، كما قال تريفاسكس، وكأنه لا رابط بين مكوناته. وفي هذا كانوا بعيدين عن الحقيقة. فنحن نقول إن الشعب الإريتري، على اختلاف أديانه وقبائله وأقاليمه ولغاته المحلية، هو شعب واحد في الأصول والجذور إلى حد كبير. وأمام الشعار المرفوع اليوم في إريتريا (بإعادة البناء والتعمير)، فإن الدراسات التي نقدمها عن أصول وثقافات هذا الشعب نهدف منها تسليط الأضواء على موروثاتنا الثقافية وأصوله، وبالتالي تمتين وحدة الشعب الإريتري بعيدًا عن الأوهام المسنودة بالجهل. فمعرفة أصول شعبنا ولغته وتقاليده وثقافاته وجذوره وتاريخه الموغل في القدم تعتبر من أهم الركائز لوحدة هذا الشعب. نحن مطالبون بالغوص في أعماق مجتمعنا ومعرفة واقعنا بكل تفاصيله وهضمه، ثم العمل للنهوض بمجتمعنا عن وعي ودراية وليس عبر طموحات معزولة وسياسات تجريبية، وهذه المهمة تقع على عاتق المثقفين والباحثين والدارسين والأكاديميين الإريتريين. ولا يزال هناك نقص في المكتبة الإريترية، وبالذات في مجال البحث والتاريخ والأدب بكل فروعه.
إن فكرة التحرير وتحقيق الاستقلال الوطني هي التي هيمنت على شعبنا على مدى خمسة عقود، وتحققت أخيرًا عبر تضحيات وإخفاقات ثم إبداعات وإشراقات ومسيرة طويلة ربما تكون الأطول في القارة الإفريقية. والآن فإن الفكرة المهيمنة على أبناء إريتريا هي إقامة دولة قوية اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وموحدة شعبيًا، وبناء دولة نموذجية تنعم داخليًا بالسلام والاستقرار ويعمها السلام الاجتماعي، وتتعايش بشكل سلمي وعبر تبادل المصالح مع محيطها وجوارها والعالم، بحيث يحصد المواطن الإريتري ثمار جهده وجهاده وعرقه، وبحيث تصبح إريتريا نموذجًا للآخرين في هذه المنطقة، وفي الوقت ذاته نتفادى المزالق التي مرت بها العديد من الأقطار الإفريقية.
إن جيل الثورة كان مشغولًا ومهمومًا بمعركة التحرير، وبالتالي لم تتح له فرصة التعليم والبحث ـ إلا ما ندر ـ لأن كل همه وجهده ووقته كان منحصرًا في القضية المركزية وهي قضية تحرير الوطن. وبعد أن تحقق هذا الهدف النبيل، فإن جيل ما بعد الثورة أصبح مطالبًا وبإلحاح أن يشرع في البحث والتنقيب والكتابة عن كل أوجه الحياة في إريتريا تراثًا وتاريخًا ولغة وثقافة. ولذا فإن ما أقدمه الهدف منه أن يكون حافزًا للآخرين، وهو إشارات ضوئية يمكن الاهتداء بها والانطلاق منها. وفي هذا الصدد فإنه لا يسعني إلا الإشادة بكل الأقلام التي تسهم بالكتابة في هذه المرحلة وتتطرق لشتى الحقول. وحتى من ساهم وأخفق، فهو أيضًا قد ساهم، لأن هناك من يتولى نقده وتصحيحه، وفي النهاية فإن القارئ هو الحكم والفيصل.
لقد كُتب عن إريتريا باحثون من الإيطاليين والبريطانيين، فقد كان هدف الإيطاليين من الكتاب والباحثين هو معرفة أدق التفاصيل عن مستعمرتهم إريتريا، وكذلك سار على نفس النهج البريطانيون. ولا أستطيع القول إنني قرأت كل ما كتبه الأوروبيون عن إريتريا وشعبها من الوثائق والكتب، ولكن القليل الذي قرأته مثل:
– إريتريا في إفريقيا الإيطالية: انطباعات وذكريات، بقلم فرديناندو مارتيني.
– السكان الوطنيون في إريتريا، بقلم البرتو بوليرا.
– مبادئ قوانين العرف في إريتريا، بقلم كارلو كونتي روسيني.
– المستعمرة الإريترية: مفوضية مصوّع الإقليمية في الأول من يناير 1910، بقلم الكافاليري دانتي أوده ريتسي، مفوض المستعمرة.
– التاريخ المختصر لإريتريا، بقلم لونقريغ.
– إريتريا مستعمرة في مرحلة الانتقال، بقلم سير كنيدي تريفاسكس.
– الإسلام في إثيوبيا، بقلم سبنسر تريمنغهام.
هؤلاء وغيرهم من الإيطاليين والبريطانيين وبقية الأوروبيين كتبوا كثيرًا عن إريتريا، وبصرف النظر عن منطلقاتهم ودوافعهم، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معهم جزئيًا أو كليًا، إلا أن الجهد الذي بذلوه وما تركوا لنا من تراث نجد أنفسنا مضطرين للعودة إليه اليوم كمراجع لا يمكن الاستغناء عنها، وبذلك لا يسعنا إلا احترامهم بصرف النظر عن انتمائهم إلى إيطاليا التي كانت تستعمرنا أو إلى بريطانيا. فتراهم يبحثون عن أدق التفاصيل عن وطننا وشعبنا، ففي كتاباتهم يحاولون ألا يتركوا شاردة أو واردة إلا وتناولوها بالتسجيل والتحليل.
يكتبون عن الاقتصاد عمومًا، وعن الأرض وتضاريسها وطقسها وجبالها وطرقها وجزرها وأوديتها، ويكتبون عن الزراعة وعن الأرض الزراعية وأنواع منتجاتها، وعن الأشجار بأنواعها، ويكتبون عن الشعب وتقاليده وعاداته ولغاته وعلاقاته الاجتماعية حتى في إطار القبيلة الواحدة والمنطقة، ويكتبون عن الحياة البرية، بل منهم من كتب عن الماشية وترك إحصائيات عن الأبقار والأغنام والضأن والإبل والحمير والبغال في كل بقعة وحتى في الجزر.
وبالرغم من ذلك فإننا نقول إن ما كتبه الأوروبيون عن إريتريا كان عميقًا ولكنه جاء ناقصًا لأنهم لا ينتمون لهذا الشعب ولهذا الوطن ولهذا المجتمع. وعليه فمن باب أولى أن يقوم أبناء إريتريا من الأكاديميين والمثقفين والباحثين والكتاب بجهد مماثل لمعرفة وطنهم الذي أصبح مستقلًا، ومعرفة تاريخ وحقائق وخصائص شعبهم في إريتريا من أدناها إلى أقصاها.
لقد كثر الحديث ولا يزال عن اللغة العربية في إريتريا، وتناولها الكثيرون كلٌّ من زاوية قناعاته وتفكيره، إلا أن هذه المسألة لم يتم تناولها بالعمق الذي تستحقه. ومن جانبي حاولت تناولها بما يخدم الأمر وطنيًا، وحسب قناعاتي، بل ولتأكيد حقائق الواقع بحكم أن مسألة اللغة مسألة هامة، فاللغة ـ أي لغة ـ تعكس الكثير من الحقائق والتاريخ.
فاللغة الإنجليزية جاء تأثيرها من حكم بريطانيا لقارات أمريكا وإفريقيا وأجزاء واسعة من آسيا وكذلك أستراليا. كما أن اللغة الفرنسية اكتسبت الأرضية في المستعمرات الفرنسية السابقة وبالذات كندا ومنطقة “الفرانكفون” في غرب إفريقيا حيث تواجد الاستعمار الفرنسي. ولتقريب الصورة فإن اللغة الإيطالية في إريتريا لا تزال آثارها موجودة بحكم الاستعمار الإيطالي قبل ستين عامًا تقريبًا. ولذا نرى أن اللغة تعكس جزءًا من التاريخ الحقيقي للشعوب.
ومثالًا على ذلك اللغات الفارسية والآرامية والعبرية والتركية توجد لها مفردات كثيرة في اللغة العربية، كما نجد فيها أيضًا مفردات في لغة التجري، حيث إن الفرس والعبرانيين والأتراك وغيرهم كانوا متواجدين في المنطقة العربية التي كانت ترتبط بها إريتريا بشكل أو بآخر، وبالتالي انتقلت عبرهم هذه المفردات.
والاستعمار أينما حلّ يحاول فرض لغته وثقافته بأساليب عديدة، باعتبار السيد الذي يمتلك السلطة السياسية ويهيمن على الاقتصاد وفرص العمل والتوظيف، فإن من يتعلم لغته تتاح أمامه بعض الفرص في التوظيف واستلام مواقع في السلطة الهامشية. ومن خلال ذلك يحاول الكثيرون تعلم لغته للاستفادة من ذلك. ونلاحظ ذلك في فترة الاستعمار الإيطالي في إريتريا، فقد كانت اللغة الإيطالية لغة العمل والتعامل، وكان من يتعلمها كأنه انتقل إلى طبقة أعلى من مستوى المواطنين العاديين، والشيء نفسه في فترة الاستعمار الإثيوبي الذي حارب اللغتين الوطنيتين في إريتريا وهما العربية والتجرينية وفرض مكانهما اللغة الأمهرية كلغة تعليم ومعاملات وتوظيف.
ولكن ماذا تبقى من اللغتين الإيطالية والأمهرية؟ لقد رحل الاستعمار الذي حاول فرضهما، وحتى الجيل الإريتري الذي تعلمهما قد رحل معظمه، وبقي شعبنا يتحدث بلغاته، إلا أن الأمر مع اللغة العربية كان مختلفًا، فاللغة العربية لم تأت مع الاستعمار لأن العرب لم يستعمروا إريتريا، بل إن اللغة العربية جاءت عبر الهجرات العربية الموغلة في القدم في كل من السودان ومصر وشمال إفريقيا والقرن الإفريقي، ونتج عن هذه الهجرات، بالإضافة لظواهر أخرى، انتشار اللغة العربية.
وبالتالي نجد أن السواحلية والأمهرية والتجرينية والتجري تأثرت جميعها بدرجات متفاوتة. فالتجري والتجرينية والأمهرية كلها من أسرة لغوية ذات جذور تاريخية متداخلة.
وهناك كلمات كثيرة في الأمهرية تتطابق في النطق والمعنى مع التجري، بل هناك كلمات في الأمهرية تتطابق مع اللغة العربية، ونفس الشيء نجده في التجري والتجرينية والسواحلية.
وعند حديثنا عن اللغة العربية في إريتريا فليس هناك أي مجال للإرهاب الفكري، حيث إن من يتحدث عن اللغة العربية لا يعني أنه يشطر المجتمع الإريتري بين المسلمين والمسيحيين، كما أن الخطأ الفادح والمفهوم المغلوط هو اعتبار اللغة العربية لغة المسلمين فقط، والتجرينية لغة المسيحيين فقط. إن هذا المفهوم يجب تصحيحه، فكلا اللغتين لغتان إريتريتان.
كما أنه عند حديثنا عن اللغة العربية ليس هناك مجال للنظرة العرقية الضيقة، فكل البشر من آدم وآدم من تراب مهما اختلفت ألوانهم أو ألسنتهم. فلم تعد قيمة الإنسان تقاس بعرقه أو لونه.
والهدف من هذا الحديث ليس الإصرار على انتمائنا العربي، بل الاستفادة من هذا الانتماء باعتباره حقيقة تاريخية وجغرافية وثقافية، لأن أي شعب لم يعد يمكنه العيش بمعزل عن محيطه وتاريخه.
* روائي وأديب وسياسي من إريتريا

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.