وطني الجميل

صحيفة الهدف

توفيق قسم الله
كاتب وشاعر من ارتيريا

الوطن.. ذلك الركن الذي يظل في القلب نابضًا، حتى وإن ابتعدت عنه المسافات، وتفرّقت بينه وبيننا الأوقات.
صدقوني، هو المكان الذي لا تُغني عنه الأماكن الأخرى، مهما تغيّرت ومهما تنوّعت.. حتى وأنت في منازل ملبورن الفارهة والفاخرة، يبقى قلبك يتوق إلى (أقدو) بلدك المصنوع من الطين والقش.
الحنين إلى الوطن ليس مجرد شعور عابر أو ذكرى من الماضي، بل هو ندبة في الروح، وجرح يعجز الزمن عن التئامه.
حين تبتعد عن وطنك، تبدأ الذكريات بالتسلّل إلى ذهنك كأشعة شمس دافئة تشرق في فجر القلب.
تتذكّر رائحة الأرض الطيبة التي لا يمكن أن يعوّضها أي عطر آخر، “ولو اعتَصرت فرنسا بأكملها في قنينة عطر”، كما قال درويش.
تتذكّر الوجوه الطيبة التي ألفت ملامحها، فكل تفصيل من تفاصيل الوطن يصبح حكاية، وكل زاوية فيه تشعّ بحب لا ينتهي.
كيف يمكن أن ينسى الإنسان تلك اللحظات البسيطة التي كانت تزيّن أيامه، كالشمس التي تشرق كل صباح على أرض يعرفها، فيشعر وكأنّها جزء من ذاته؟
الوطن.. في معناه الأعمق، ليس فقط المكان الجغرافي الذي نشأت فيه، بل هو مشاعر الأمان والطمأنينة التي يعيشها الإنسان فيه.
هو الأمهات والآباء الذين ترعرعنا في حضنهم، هو الأصدقاء الذين شاركونا الضحك والدموع، هو الذكريات التي تظل تسكن الذاكرة حتى وإن فرّقت بيننا الأيام.
الحنين إلى الوطن لا يتوقف عند حدود الأمكنة المادية، بل يتعدّاها إلى الذكريات العاطفية التي تشكّل جوهر علاقتنا به.
قد نجد أنفسنا نتوق إلى حديث العائلة عند العشاء، أو إلى أصوات الطيور التي تعود في الصباح الباكر لتغنّي للأفق.
وقد يكون الحنين في تلك اللحظة هو تلك الابتسامة التي يوزّعها الشارع في الوطن، أو تلك اللمسة التي تمنحك شعورًا بأنك جزء من شيء أكبر، شيء لا يمكن للغربة أن تخترقه أو تناله.
ورغم المسافات التي قد تبدو بعيدة في البداية، يبقى الوطن أقرب إلى القلب من أي مكان آخر، لأنه لا يُقاس بالمسافة ولا بالزمن، بل بالشعور الذي يرافقك أينما ذهبت.
الوطن هو الذاكرة الحيّة التي لا تموت، وهو الروح التي لا تذبل مهما تفرّقت الأجساد.
ومن هنا، يظل الحنين إلى الوطن رفيق الغرباء، ومدار حديثهم، وزهرهم الذي لا يذبل.
في كل مرة يعبر فيها خاطرك عن تلك الذكريات، تجد أن قلبك لا يزال ينبض بهذا الوطن، مهما حاولت تجاهله أو الهروب من آلامه.
هذا الحنين هو جسر لا ينقطع بين الماضي والحاضر، بين الذات والمكان، بين الإنسان وحلم العودة.
يبقى الوطن في القلب كما هو: شجرة تثمر بالذكريات، وتظل جذورها ممتدة في أعماقنا، لا تعرف الفراق ولا الزوال.
“كل الرجوع تقهقر وانحدار، إلا الرجوع إليك يا وطني الجميل؛ فإنه سموّ وإقدام.”
وطني الجميل..
أراك وجه حبيبتي
عند ابتسامتها
تقول: أنا القضيةْ
شرفي عليك مقدّسٌ
ما كنتُ جاريةً رغم الغاصبين
ولا سبيةْ..
تاجي السماء بوسعها
وقلادتي هذي النجوم على المدى
والشمس لي وحدي أنا
الشمس لي وحدي مطيّةْ..
بمعيتي تلك الأوابد والمدائنْ
بمعيتي تلك الكنائس والمآذن..
ما كان أنكرَ بعضَ أفضالي
سوى وجهٍ تلوّن ألف لون وخائنْ..
ما قيل عبثًا بأني
كنت في سرّي وعلانيتي نبيّةْ..
بمعيتي تلك الحضارة
وزّعتها في واسع الدنيا هدايا
وزرعت في كل زاوية يدًا
وزرعت في كل ناحية منارةْ..
إن تسألوا عني الزمان
فمرحبًا
أو تسألوا عني المرايا
كل الحكايا سوف تروي شهرزاد فصولها
كل الحكايا..
يا حبذا أنا للحضارة أمها
وحبذا
تلك المعيّةْ..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.