كلمة العدد: إريتريا.. ما تقوله الثقافة عن شعبها

صحيفة الهدف

حين يُذكر اسم إريتريا يُستدعى تاريخ طويل من الكفاح المسلح والتضحيات التي انتهت إلى الاستقلال.
غير أن الأوطان لا تُختزل في حروبها مهما عظمت، ولا في انتصاراتها مهما كانت باهظة الثمن. فخلف البنادق التي كتبت ذلك التاريخ، ظل هناك شعر يُكتب، وأغانٍ تُغنّى، وحكايات تنتقل من جيل إلى جيل، وثقافة كاملة كانت تؤدي دورها الهادئ في حماية الروح الوطنية وصون الذاكرة.
وعندما نخصّص ملف هذا العدد من (الملف الثقافي) لإريتريا، فإننا نحاول الاقتراب من بعض ملامح هذا الوطن الذي صاغته الثورة كما صاغته القصيدة، وحفظه التاريخ كما حفظته الذاكرة الشعبية؛ وطنٌ تآلفت فيه العروبة مع عمقه الإفريقي، والتجربة الإنسانية مع خصوصية المكان، فتشكلت عبر الزمن ثقافة ثرية ومتنوعة، متعدّدة الروافد، تستحق أن تُقرأ وأن يُعاد اكتشافها. ولا نفعل ذلك لنعيد سرد ما هو معروف من وقائع الثورة، أو لنحصي سنوات الحرب الطويلة التي خاضها الإريتريون حتى نالوا استقلالهم المستحق بعد عقود من الدماء والتضحيات، فذلك تاريخ حاضر في الذاكرة الوطنية ومكتوب في وجدان الشعب الإريتري، وإنما نحاول، بقدر ما تسمح به هذه الصفحات، أن نقترب من الجانب الآخر من الحكاية؛ من الثقافة التي رافقت مسيرة الكفاح، ومن الأدب والفنون التي لم تكن شاهدًا على تلك التجربة فحسب، بل كانت جزءًا من صنعها وتشكيل وعيها.
فالثورات الكبرى لا تُكتب بالسلاح وحده، وإن كان السلاح أحد أدواتها، وإنما تكتبها أيضًا القصائد التي تحفظ الحلم من التبدّد، والأغنيات التي تمنح الناس قدرة إضافية على الاحتمال، والحكايات التي تبقي جذوة الانتماء متقدة في النفوس. وفي التجربة الإريترية، كان الإبداع شريكًا أصيلًا في معركة الوجود والهوية، حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية كما في ساحات النضال، يسند الذاكرة ويحفظ المعنى.
لا نزعم أننا نقدّم عبر هذا الملف صورة كاملة. فإريتريا أكبر من عناوين صحفية، وأغنى من أن تُحاط في عدد. ما بين الساحل والمرتفعات، وما بين اللغات المتعدّدة والتقاليد المتنوعة، وما بين الشعر الشعبي والأغنية الحديثة، تتشكّل عوالم واسعة لا يمكن إلا أن نلتقط منها لمحات سريعة وإشارات عابرة. لذلك فإن ما نقدّمه هنا ليس سوى نافذة على بعض هذه العوالم، ونماذج من الأدب والفكر والفن الإريتري.
لقد منحت التركيبة السكانية المتنوعة إريتريا ثراءً ثقافيًا لافتًا. تنوّع لم يتحوّل إلى جزر معزولة، بل أسهم عبر الزمن في إنتاج شخصية وطنية ذات خصوصية واضحة. ولذلك تبدو الثقافة الإريترية خلاصة لتجارب عديدة التقت في مساحة واحدة وصنعت ملامحها الخاصة، وفي هذا التنوّع يكمن سر كثير من مظاهر الإبداع التي ميّزت البلاد.
ولعل أجمل ما في تاريخ هذه البلاد أنها ظلت، عبر قرون طويلة، أرضًا مفتوحة على التعدّد والتعايش. فمن هذه المنطقة من العالم خرجت واحدة من أكثر الوقائع إشراقًا في التاريخ الإسلامي، حين وجد المهاجرون الأوائل ملاذًا آمنًا عند مليكها العادل. ومنذ ذلك الحين ظل هذا الساحل المطل على البحر الأحمر ملتقى للناس والثقافات واللغات، ومجالًا واسعًا للتبادل الإنساني والحضاري.
ربما كانت الثقافة الإريترية، مثل كثير من ثقافات المنطقة، قد دفعت ثمنًا باهظًا بسبب انشغال المؤرخين والمثقفين بالسياسة والحروب أكثر من انشغالهم بالناس وحياتهم اليومية. فما زالت جوانب عديدة من الإنتاج الأدبي والفني والفلكلوري تحتاج إلى المزيد من البحث والتوثيق والدراسة. وما زالت أسماء وتجارب كثيرة تستحق أن تُستعاد وأن تجد مكانها اللائق في الذاكرة الثقافية العربية والإفريقية.
وفي سياق هذا الملف، يبرز جانب آخر يستحق الاهتمام، وهو الحاجة إلى توثيق الإرث الثقافي والاجتماعي المشترك الذي تراكم عبر العقود بين شعوب هذه المنطقة. ونخص بالذكر العلاقة بين الشعبين السوداني والإريتري، بما تحمله من تداخلات إنسانية واجتماعية وثقافية عميقة. فما زالت صفحات كثيرة من هذا التاريخ المشترك تنتظر البحث والدراسة، وما زالت الرواية الشفاهية تحتفظ بمواد ثرية تستحق التوثيق. فذاكرة الشعوب يحفظها البحث الرصين بقدر ما تحفظها العاطفة.
في ذكرى الاستقلال، لا يكتمل الاحتفاء بإريتريا من دون استحضار المعنى العميق لذلك الإنجاز التاريخي. فسيادة البلاد لم تكن هبةً من أحد، بل ثمرة كفاح طويل وتضحيات جسام قدّمها شعب آمن بحقه في تقرير مصيره وانتزاع حريته. وقد ظل هذا المكسب الوطني، الذي تحقّق بشق الأنفس، أحد أهم منجزات التاريخ الإريتري الحديث وأكثرها رسوخًا.
غير أن الاستقلال، في معناه الأوسع، لا يقف عند حدود السيادة الوطنية وحدها، بل يمتد إلى ما يحقّقه للإنسان من حرية وكرامة وتنمية وعدالة اجتماعية. وهي أسئلة ما تزال مطروحة في إريتريا كما هي مطروحة في السودان وفي كثير من بلدان المنطقة التي أنجزت استقلالها السياسي وما زالت تخوض معاركها من أجل استكمال مضامينه. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة إريتريا جزءًا من سؤال أكبر يواجه شعوبنا جميعًا: كيف يتحوّل الاستقلال من حدث تاريخي إلى مشروع دائم لبناء الدولة والإنسان، وكيف تصبح تضحيات الماضي قوةً دافعة نحو مستقبل أكثر حرية وعدالة وازدهارًا؟
إن احتفاءنا بإريتريا في ذكرى استقلالها ليس احتفاءً بحدث مضى، بل بتجربة ما تزال حاضرة في وجدان شعبها، وبثقافة أثبتت قدرتها على البقاء والتجدّد، وبإبداع ظل يرافق الإنسان الإريتري في أوقات الحرب كما في أوقات السلام. كما أنه احتفاء بأولئك الذين دفعوا أعمارهم وأحلامهم ثمنًا لوطن حر.
إلى إريتريا، شعبًا وثقافةً وفنًا وأدبًا، نهدي صفحات هذا الملف، تقديرًا لتاريخ كُتب بالتضحيات، ووفاءً لثقافة ظلت قادرة على إنتاج الجمال رغم قسوة الظروف، وإيمانًا بأن الأمم لا تُقاس فقط بما تحقّقه من انتصارات، وإنما أيضًا بما تتركه من أثر في وجدان أبنائها وفي الذاكرة الإنسانية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.