عبد الرزاق إدريس سعد الله
أكاديمي وباحث من ارتيريا
شاركتُ بدعوة كريمة من موقعي (عدوليس) و(عونا)، وبإشارة خاصة من صاحب الرواية د. عبد الرزاق كرار، في أمسية تدشين الرواية (نوريت).
أولًا: عتبة العنوان.. إرباك القصدية
بما أن العنوان هو الوعد الأول بين الكاتب والقارئ، وهو أيضًا “التاج” الذي يكلّل العمل، فقد حدث نوع من الارتباك في ذهني: هل هي إحالة إلى (أنثى نوراي) في الأدب الإريتري لأحمد عمر شيخ؟ أم تناص مع البرنامج التلفزيوني الإريتري (نوريت) الذي يروي بطولات المرأة وتضحياتها؟ أم أنه توأم دلالي لكلمة (نور)؟ وصدق أمبرتو إيكو حين قال: “العنوان ينبغي أن يُربك القارئ قليلًا، لا أن يشرح له كل شيء”.
ثانيًا: الغلاف.. لحظة الصمت التي تسبق الكلام
أثار الغلاف يوم التدشين جدلًا، ولم يستطع أن يتجاوز (عتبات هنقلا) الأولى في التلقي. فالغلاف هو لحظة الصمت التي تسبق الكلام، غير أن هذا الصمت طال وأنا أفتش عن السر الكامن في الصورة.
يتميز غلاف رواية (نوريت) ببساطته وعمقه، إذ يقدم بورتريهًا لامرأة سمراء بملامح منخفضاتية قوية ونظرة غامضة. يعتمد الأسلوب الفني على التجريد التبسيطي، بألوان محدودة: “البني، الأسود، الأبيض، الذهبي، والأزرق”، ما يخلق تباينًا بصريًا جذابًا.
من الناحية الدلالية، توحي النظرة بحمولة من الصراعات الداخلية والقضايا الاجتماعية، مع إشارات إلى موضوعات الهوية والتقاليد ودور المرأة والغموض الوجودي. ويتميّز الغلاف بابتعاده عن الصورة الفوتوغرافية المباشرة، ما يمنحه جرأة تشكيلية ويجعله أكثر قابلية للتأويل، كونه بوابة مشوقة إلى عالم الرواية. إنه عمل بصري متكامل يجمع بين البساطة والعمق، ويؤدي وظيفة جمالية وتسويقية في آن واحد.
ثالثًا: رؤية الرواية.. استحالة النجاة الكاملة
تقوم رؤية الرواية على فكرة “استحالة النجاة الكاملة”. فالوصول إلى جنيف “الفردوس المتخيَّل” لا يعني الخلاص، إذا ظلّت الذاكرة مثقلة بالخراب. المنفى هنا ليس خلاصًا، بل شكل آخر من أشكال الموت البطيء إذا لم يحدث تصالح مع الماضي. ويصدق إدوارد سعيد حين يقول: “المنفى هو تمزق لا يمكن التئامه بين الكائن البشري ومكانه الأصلي، بين الذات وموطنها الحقيقي”.
البناء الفني: تعتمد الرواية على بناء فني يقوم على الاسترجاع وتعدّد المسارات الزمنية، عبر خيوط متوازية تربط رحلة (نوريت) و(آدم) الأولى، ومنفى (آدم) اللاحق، وفضاء الطبيب (جيوفاني) المرتبط بغيبوبة (نوريت).
هذا التشظّي الزمني لا يُعد تفككًا، بل خيارًا جماليًا واعيًا يعكس تفتت الهوية والوعي تحت ضغط الحرب والمنفى. وهكذا تتجاوز الرواية حدود “حكاية الهجرة” التقليدية لتصبح شبكة إنسانية واسعة تربط بين الذاكرة والحرب والطب والقانون والعلاقات العابرة للحدود.
الحبكة: تقوم الحبكة على انتقالين أساسيين: عبور الجسد عبر الحدود من الحرب إلى المنفى، وتحول الوعي من خوف النجاة الأول إلى إدراك أكثر تعقيدًا لمعنى الهوية والمنفى. يتحول (آدم) من طفل تابع لأمه إلى رمز لجيل كامل يحمل آثار التهريب واللجوء والانتظار القانوني والنجاة المثقلة بالندوب. وتُبرز الرواية تراكم الجرح النفسي، حيث تكشف التفاصيل الصغيرة عمق مأساة المنفى بوصفه فقدانًا للمركز بقدر ما هو بحث عن الأمان.
رابعًا: الأسلوبية.. لغة الوجع الشفافة
تنتمي هذه الرواية إلى نمط كتابة يراهن على الأثر أكثر من الزينة، وعلى الهمس أكثر من الصراخ، وعلى التفصيل الموحي أكثر من العبارة المباشرة. قوة النص لا تكمن في البلاغة الاستعراضية، بل في قدرته على جعل اللغة شفافة وحاملة للوجع في آن واحد؛ لغة تتألم دون ابتذال الألم، وتقترب من الشعر دون أن تفقد سرديتها.
وتقوم أسلوبية الرواية على خمسة أعمدة: الهدوء المشحون، الاقتصاد العاطفي، التبئير الداخلي، معجم المنفى والذاكرة، والمفارقة الهادئة. كما تعتمد على مزج السرد الواقعي التقريري “المخيمات والحدود” بالسرد الشعري الذي يكشف الأعماق النفسية للشخصيات. ويُلاحظ توظيف “الفجوات السردية”، خاصة في مشاهد الغيبوبة، حيث يتحوّل الصمت إلى عنصر دلالي يفتح المجال لتأويل القارئ.
خامسًا: ميزان النقد: القوة والضعف
نقاط القوة:
جرأة طرح القضايا الشائكة والحساسة، رصانة لغوية وقدرة على تصوير الألم الصامت، مهارة في الانتقال بين الأزمنة والأمكنة “من المخيم إلى جنيف”، ورسم عميق لشخصية نوريت بوصفها رمزًا لمأساة جماعية.
نقاط الضعف:
بعض الشخصيات الثانوية بدت وظيفية أكثر من كونها حية، الإفراط في التفاصيل الطبية أضعف أحيانًا الشحنة العاطفية، الحوارات مالت في مواضع إلى الرسمية الزائدة، النهاية جاءت متوقعة نسبيًا، ما قلّل عنصر المفاجأة.
سادسًا: التناص والبعد السياسي
تتجلى في الرواية ظاهرة التناص مع نصوص الواقع والتاريخ المأساوي للقرن الإفريقي:
أدب اللجوء: تلتقي مع أعمال مثل (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح في ثيمة الصدام الحضاري.
الرواية العالمية: تتقاطع مع أعمال مثل (العمى) لساراماغو في فكرة فقدان الإدراك والتمزق الإنساني.
أما على المستوى السياسي، فتقدّم الرواية نقدًا جريئًا لصراعات القرن الإفريقي، خصوصًا الحرب الإريترية الإثيوبية، بوصفها سببًا مباشرًا لمآسي اللجوء، وتحوّل التجربة إلى صرخة إنسانية ضد الحرب، ودعوة لإعادة التفكير في المسؤولية الأخلاقية تجاه الضحايا.
توصية: للكاتب د.عبد الرزاق كرار، ولكل كتاب الرواية الإريترية: ثمّة صور أكثر تنوّعًا وثراءً للمرأة الإريترية، يمكن أن تمنح الغلاف طاقة دلالية إضافية تعكس تعدّد التجربة لا اختزالها.
قبل الوداع.. إعلان ميلاد أديب
يمكن القول إن رواية (نوريت) عمل أدبي ناضج ومتماسك، يجمع بين قوة السرد وعمق الرؤية، ويؤكد أن الأدب قادر على أن يكون مرآة للواقع وصوتًا للمهمشين.
إنها رواية تتجاوز حدود الزمان والمكان لتلامس أسئلة إنسانية كبرى، وتؤكد حضور كاتب واعد في المشهد الأدبي الإريتري، يكتب بلغة الضاد من داخل جغرافيا الألم والمنفى، ويعلن، من حيث لا يدري، ميلاد مشروع روائي يستحق المتابعة.

Leave a Reply