صورة زنكوغرافية لاستراحة المحارب

صحيفة الهدف

جمال عثمان همّد
كاتب وروائي من ارتيريا

بين عالمين، رغم وحدتهما في تضادٍّ مبهم، عند اقترابه من وضوح الرؤية والرؤى، وبيده المرتجفة الممتدة لقبض الراهن: دوت الصفعة.. أتى الدوي مكتومًا.. قادمًا من الجو.. اقترب بخفة وسرعة (المغيرات صبحًا) وهوت كأنفجار.. نصل حاد انشَقَّ داخل جمجمته.. لأن الجسد أصبح خفيفًا مرنًا.
صفا الجو كصباح خريفي.. شفافية عذبة سرّبت روحه.. الأرض تميد تحت رجليه، يفقد توازنه.. تدفّق سائل لزج من هامته، غشيت عيناه وغام كل شيء.. أذرع كثيرة امتدت إليه.. تتنازعه، كادت أن تمزقه. مدّ يده يمسح اللزوجة المالحة المتسربة إلى فمه، فلم يقوَ.. القصف يتباعد، أصوات آليات ومجنزرات يتردد صداها في منعرجات جبال (بارنتو).
صور مشوشة تتداخل.. تتباعد.. تتقارب.. تتضح معالمها. “حدث ذلك منذ زمن بعيد.. لا.. إنه قريب جدًا..”
البيانات العسكرية تتوالى.. فترات إرسال إذاعة صوت الجماهير تزداد..
إنه شهر مايو.. يقتربون من العاصمة.. فرار جيش العدو عبر البحر إلى جيبوتي.. الأناشيد تتقد حماسة.. إنهم ينتظرون عودة الأمين العام من لندن ليعلن كل شيء بنفسه..
الإصابة يا إلهي أين هي؟! مسح رأسه لا أثر!
“إذًا.. أنا.. لماذا هذا الاحتفال؟ من أين أتى (أرعدوم)؟
أرعدوم يرسل مفرداته التي شوّهتها الخطابة عبر مكبر الصوت فوق رؤوس الجميع: “أرعدوم.. أرعدوم أصبح قائد.. ها ها!”
ودوت الصفعة.. انتزعت المدية الصدئة التي انشكت ذات يوم في جمجمته، فاشتعل الذهن بصور شتى أتت متوالية واضحة، حافلة بتفاصيل يومية.. كانت تأتي من جبٍّ سحيق.. من ذاكرة أكّد الطبيب أنها تهشّمت وفقدت خاصية تنظيم وترتيب الزمن والحدث.
“أرعدوم.. دوووم.. م م م”
كان يرنو إلى الطريق المتعرّج الصاعد إلى الجبال في طريقه إلى المدينة (بارنتو). المدى رمادي ساكن، والهواء الجبلي ثقيل، الخوف الأبدي الذي يسبق الاشتباك يسيطر عليه، أعصابه متوترة وإبهامه خلف الزناد يحس به ضخمًا وصلبًا.
ودوي الانفجار صحو استثنائي سيطر على ذهنه، وشفافية عذبة تملّكته. بغتة خرجت كتلة دامية من وسط هامته وغام كل شيء. الصورة جرفت صور الحاضر.. أرعدوم ببزته الرسمية يتصدر الاحتفال، اقترب أكثر، دعك عينيه بكلتا يديه.. افسحوا له ممرًا ضيقًا في وسطهم.. اقترب أكثر.. انشكت ظله بين الأرجل.. طبل قرع بصوت نشاز.. تحفّزت حواسه.. انشدّت.. تراجع.. لم يتراجع ظله.. تقدّمت ريح هوجاء عصفت برأسه.
تفكّك ذهنه المتكلّس.. دخان حار مشبع ببارود قديم يخرج من فمه.
“أرعدوم.. أرعدوم.. دوووم.. م م م”
صرخ.. وانقسمت الأبصار بين أرعدوم ببزته الرسمية وبين الرجل (صاحب الظل) الذي أرعد وازبد بنعوت واضحة وقاطعة، وسرى الاكتشاف لماهية الرجل الذي عاش بينهم كسريان الحياة في الأجساد الواقفة على مضض تحت لهيب شمس الضحى.
وحُسم الأمر.. مفرزة من الجنود بملابسهم الجديدة انتزعته الرجل الذي لم يقاوم إلى حيث سيارة ذات ماركة (تاتا) تلمع تحت أشعة الشمس الصباحية. تكوّم تحت الأحذية ذات الأعناق الطويلة واللامعة، وتابع وقائع المهرجان الذي يتباعد، وهو يتأمل لمعان الأحذية الجديدة، وصفير حاد تحدثه الأحجار الصغيرة تحت وطأة الدواليب المسرعة في الطريق الترابي الصاعد.
أما المدينة فتحصّنت خلف ذاكرتها، وسردت الوقائع الآتية عن حياة الرجل الذي تجذّر في حياتها: عندما ظهر لأول مرة في المدينة، استشعر الناس الخطر وأحسّوا بضيق ينتابهم، وتصرفات بلهاء تصدر عنهم، ونزق شديد يحكم علاقتهم مع الأشياء، وعداء أخرق يعكّر صفو حياتهم. ذلك شأنهم مع كل وافد؛ ينكبّون على ملفاتهم، يعيدون حساباتهم، يراجعون عقود الشراء، والمستأجرون يعودون لفواتير التوريد للبلدية، أما السماسرة فيبحثون عن المداخل المناسبة للتعرف على القادم الجديد، عسى أن يفوزوا بصفقة رابحة.
لم يهدأ كل ذلك القلق الذي يخفونه عن عيون بعضهم، والذي ينسلّ من بين أيديهم، أو من تلك الاستفسارات الماكرة أو الإجابات الغامضة، إلا عندما عرف الرجل وتناقلت الألسن اسمه الذي لم يُعرف من أطلقه عليه: (صاحب الظل). ظله يتبعه، أم هو يتبع ظله؟ لا فرق. ظلّ يمتد متطاولًا أمامه وخلفه، ظلّ بكامل تقاطيعه يمتد بيسر وسهولة، يتسلق الحيطان، يتمدد في الطرقات، في منعرجات الخيران الصغيرة، في خرائب الدور المهجورة.. ظلّ مميز، مستفز ونابض بالحياة، ظلّ يرتدي بزّة عسكرية عند الكتف منها يبرز أخمص الكلاشنكوف.
يَلُوب الرجل أنحاء المدينة، يلاحقه ظله بإلحاح، فيزداد توتره وتتسارع حركة فكيه. ريح صرصر تمور في داخله.. تصل حلقه فتخرج كاللهيب يشوي العينين الصغيرتين، فتزدادان اتقادًا. عند انتصاف النهار يلوذ الرجل بحجر الرحى الذي ينام أمام المبنى العتيق للطاحونة ذات محرك الديزل. يجلس ساهمًا وقد تصلبت عضلات الوجه، وركّزت العينان باتجاه اللاشيء بالتياع حزين.
يختفي الظل إلى حين، فتتوقف هزات الرأس التي تصاحب حركة الفكين. يسرع إليه عامل المقهى الأصم، يربت على كتفيه وهو يمد إليه “الجبنة” بسعادة بالغة. فتنبسط أسارير الوجه المتعب.. تسري بين الاثنين حياة مرحة في هذه الساعة التي تموت فيها الظلال ويهجر الناس الدروب. ومع هدير ماكينة الطاحونة يستقبل شوارع المدينة لينبعث الظل كعنقاء، ويظل يَلُوب أنحاء المدينة التي اشتهرت بمعابثات ومداعبات مخابيلها، إلى أن جاء الاحتفال ليعكّر كل ذلك.
توقفت السيارة بصرير حاد أمام المبنى العتيق للأمن العام، ترجّلت الأحذية ذات الأعناق الطويلة واللامعة.. انتزعته أيادٍ كثيرة.. صداع حاد يعصف برأسه دون أن يشل تفكيره.. ألم يمتد من الرقبة إلى المتن ليهبط إلى بقية أنحاء الجسم. بحث عن ظله متلفتًا، فتحسّس أحدهم مكمن مسدسه. ابتسم في وجه العسكري..
فتمتم الأخير وأشاح بوجه حزين.. دار بعينيه يبحث عن ظله اللعين، فلفاه هرِمًا هزيلًا مجردًا من بزته العسكرية.
هوامش:
بارنتو: مدينة استراتيجية في غرب إريتريا.
الجبنة: إناء من الفخار أو الصفيح تُصنع فيه القهوة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.