المرأة الإريترية.. فصلٌ من دمٍ وكرامة

صحيفة الهدف

عصام عوض
هذه الأيام ينتابني حنين جارف إلى وشائج قديمة، وخيوط وصل لم نحسن، ربما، شدّها كما ينبغي، لكنها ظلّت فينا، ومنّا، وإلينا؛ حاضرةً في الذاكرة، ساكنةً في الوجدان، لا يقطعها البعد، ولا يطفئها تقادم السنين.
حنين يعيدني إلى صورةٍ من صور القضارف، وحكايةٍ من حكاياتها القديمة.. القضارف التي لم تكن جغرافيا عابرة على تخوم النضال، بل ذاكرةً مفتوحة، ومعبرًا للوجع والأمل، وبيتًا واسعًا لوجوهٍ عبرت فيها وتركت في روحها، وفي أرواحنا، أثرًا لا يُمحى.
حنين إلى إخوة وزملاء نشأنا معهم في زمن خصب ومفتوح على الأحلام.. إلى شعب صاحب تجربة نضالية متفرّدة، عرفناها عن قرب، وعرفنا أبناءها رجالًا ونساءً، لا كأخبار عابرة أو حكاياتٍ بعيدة، بل كوجوهٍ وأسماءٍ ومواقف وصداقات وصدق.
شعب ظل يمضغ الصخر والبارود والحنين، حتى استخرج من بين أنيابه وطنًا؛ وصنع من الألم معنى، ومن المنافي جسورًا، ومن التضحيات ذاكرةً لا يليق بها النسيان.
أخذني إلى تلك الوجوه السمراء الصلبة التي عرفناها عن قرب نحن أبناء القضارف، بحكم الصلات المتجذّرة القديمة والجغرافيا والوجدان. فقد كانت القضارف، لقربها المكاني والوجداني من ساحة النضال الإريتري، ليست مجرد مدينة على تخوم الحكاية، بل كانت شاهدةً ومعبرًا وملاذًا ومجلسًا مفتوحًا للثوار والحالمين والعابرين بين الجرح والأمل.
كنا نرى إريتريا في وجوه رجالها ونسائها قبل أن نراها على الخريطة. نراها في مشية المقاتل العائد من الجبهة، وفي صمت الرفيقة التي تحمل أكثر مما تقول، وفي ملامح الرمز حامد إدريس عواتي التي رسمناها في خيالنا قبل أن نرى له صورة، وفي عيون الذين كانوا يعرفون أن الطريق إلى الحرّية طويل، وأن الوطن لا يُسترد بالأنين وحده، بل بالصبر، والتنظيم، والدم، والإيمان العميق بعدالة القضية.
وفي قلب تلك الملحمة الطويلة، كانت المرأة الإريترية شيئًا مدهشًا لا يمكن اختزاله في صورة رمزية أو عبارة عاطفية. لم تكن المرأة هناك خلف المشهد، ولا على هامش النضال، ولا مجرد أم تودّع، أو زوجة تنتظر، أو أخت تبكي. كانت في قلب النار نفسها؛ مقاتلة، وممرّضة، وناقلة مؤن، وحارسة سر، ومعلّمة، ومنظّمة، وصوتًا سياسيًا، وكتفًا بكتف مع الرجل في واحدة من أطول وأقسى حروب التحرّر في إفريقيا.
كانت المرأة الإريترية تحمل البندقية كما تحمل الحلم، وتشدّ على الجرح كما تشد على الزناد، وتمشي في الوديان والجبال وكأنها خارجة من معدن لا يلين. لم تكن زينة للثورة، بل كانت من أعمدتها. لم تكن عنوانًا جانبيًا في كتاب النضال، بل كانت فصلًا كاملًا مكتوبًا بالعرق والدم والكرامة.
نحن الذين كنا قريبين من تلك السيرة، نعرف أن النضال الإريتري لم يكن خبرًا بعيدًا في نشرات الأخبار. كان يمشي بيننا في شوارع القضارف، ويجلس في مجالسها، ويدخل بيوتها، ويشارك أهلها الملح والماء والقلق. كنا نسمع أسماء المدن الإريترية وكأنها أحياء قريبة منا، ونسمع أخبار الجبهات كأنها أخبار أهلنا، ونرى في الوجوه القادمة من هناك خليطًا نادرًا من التعب والكبرياء.
وكم كانت المرأة الإريترية، في ذلك كله، درسًا لا يُنسى. امرأة لا ترفع صوتها كثيرًا، لكنها ترفع أمة. لا تستعرض بطولتها، لكنها تمارسها كواجب يومي. لا تطلب التصفيق، لأنها تعرف أن الحرّية لا تُنجز بالتصفيق، بل بالتضحية. كانت تمشي في صفوف النضال وكأنها تقول للعالم: لسنا نصف الثورة، نحن روحها أيضًا.
تحيّة للمرأة الإريترية التي لم تنتظر أن يكتبها الآخرون، فكتبت نفسها في سجل الحرّية.
وتحيّة لرجال ونساء إريتريا الذين جعلوا من المعاناة طريقًا، ومن الطريق وطنًا، ومن الوطن معنى لا يسقط بالتقادم.
أما نحن، أبناء القضارف القريبة من ذلك الوجع وتلك البطولة، فقد كنا شهودًا على أن بعض الشعوب لا تولد مرة واحدة، بل تولد من جديد كلما قاومت.
التجربة النضالية للمرأة الإريترية ملحمة عظيمة لم تُكتب بعد كما ينبغي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.