الشاعر أحمد محمد سعد ودوره في تطوير الأدب العربي في إريتريا

صحيفة الهدف

ندى أوشي

أحمد محمد سعد (1946 – 1978م) اسمٌ بقامة وطن، وعَلَمٌ يحكي تاريخ شعب ومأساة أمة. إنه إنسان اختصر في سيرته الذاتية ملامح أمةٍ بكامل تفاصيل حياتها: ميلادٌ في رحاب الوطن، وهجرةٌ عن حضن الوطن، ومعاناةٌ ومأساة وقلق واشتياق وخوف ورجاء في هجير بلاد المهجر.
وفي فجر سماوات الوطن تمخضت الأقدار عن كائن اسمه الثورة، بكل حضوره وأهداف مجيئه السامية، لإعادة البسمة إلى شفاه أطفال إريتريا الحالمين بغدٍ أفضل، يحلمون بالدروس والفصول دون هدير الطائرات وأزيز المدافع وانفجارات القنابل:
صغارنا الذين في العراء
يحلمون بالحقول والدروس والفصول
يدندنون بالنشيد
غدًا نعود للديار
نملأ الطريق بالورود
بهذه العواطف الجياشة لوّن الشاعر الفقيد أحمد محمد سعد لوحة الوطن الشعرية.
وُلد الشاعر الشهيد أحمد محمد سعد عام 1946م بقرية حرقيقو، النائمة على ترانيم أمواج البحر الأحمر، حيث تستشف إشراقات الصباح المتكسرة على اللُّجة، فتغدو رفرافًا كالأنغام، وتداعب المغيب على أوتار الصيادين والمراكب، ومنها تشكلت طفولته الأولى على شاطئٍ امتد في القلب والذاكرة.
كان والده من علماء القرية الأفاضل، ووالدته من بيت الشيخ محمود المعروفين بالتدين والتقوى والصلاح، فكانت نشأة الفتى أحمد في بيت علم ودين ومعرفة واطلاع، مما أكسبه ثقافة لغوية ثرّة تفتحت بها مداركه منذ فترة الطفولة المبكرة، وكان لذلك أثرٌ عظيم في تكوين هذا الشاعر الحاذق.
أنهى الشاعر الشهيد أحمد محمد سعد دراسته الابتدائية بمسقط رأسه، قرية حرقيقو، التي كانت من أبرز منارات العلم في ذلك الوقت. ثم انتقل إلى العاصمة أسمرا ليواصل تعليمه المتوسط والثانوي بمدرسة الجالية العربية.
هاجر شاعرنا إلى مصر ليواصل رحلته الجامعية، فالتحق بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، وتخرج فيها عام 1976م.
وبعد حصوله على درجة البكالوريوس قرّر الهجرة إلى ليبيا للعمل، فازدادت آلامه وجراحه التي لم تندمل بسبب فراق الوطن الذي طالما تغنى له وصاغ من أجله الدرر والروائع.
وفي ليبيا كان القدر يترصده، حيث توفي في حادث سير أليم عام 1978م.
كانت القاهرة المحطة الأبرز في حياة الشاعر أحمد محمد سعد، إذ شهدت معظم إنتاجه الأدبي، إضافة إلى نشاطه المسرحي. ومن القاهرة راسل العديد من الصحف والمجلات العربية، مثل مجلة (الحوادث) اللبنانية، ومجلة (الأمّة) القطرية، إلى جانب المجلات والإصدارات الإريترية، وفي مقدمتها مجلة (الثورة) التي نشرت عددًا كبيرًا من قصائده.
وقد جُمعت معظم قصائده، إلى جانب إنتاجه المسرحي، في ديوانه الوحيد “عاشق إريتريا”، الذي ضم أغلب إنتاجه الشعري والمسرحي.
يُعد الشاعر الفقيد من القلائل الذين خاضوا تجربة المسرح من بين أدباء وشعراء إريتريا. وقد بدأ هذه التجربة عام 1970م حين قدّم مسرحية (من أجل إريتريا)، ثم أتبعها بمسرحية (رياح الفجر).
أما أكثر مسرحياته حماسًا وغنائية فكانت مسرحية (طريق البطل)، التي قدّمها طلاب اتحاد طلبة إريتريا بالقاهرة عام 1975م، واستمر عرضها لمدة شهر كامل، وكان لها دور كبير في التعريف بالقضية الإريترية بين الأوساط العربية.
تتجلى ملامح ثقافة الشاعر الراحل في عدة محطات، أولها الخلوة أو الكُتّاب، حيث نهل قدرًا كبيرًا من الثقافة الإسلامية، وكان لذلك أثر بالغ في تكوين شخصيته الشعرية.
وقد تأثّر بعدد من الشعراء العرب مثل درويش وأمل دنقل وأبو ريشة، لكنه كوّن صوته الخاص المرتبط بالثورة والهوية الإريترية.
ويقول عنه د.أحمد حسن دحلي: “لقد التهم الشاعر أحمد سعد إنتاج معظم أقطاب الشعر العربي، لكنّه كوّن صوته الخاص من نبع الثورة الإريترية”.
في قراءة نقدية منشورة في مجلة (الحوادث)، ثم أعيد تداولها في مجلة (الثورة) عام 1981م، يُقدّم أحمد محمد سعد بوصفه أحد الأصوات التي أسهمت في تحديث القصيدة الوطنية الإريترية.
يؤكد النص النقدي أن شعره يتميز بـ”النبرة الثائرة والشفافية الوجدانية”، حيث تتجاور فيه الثورة مع الألم، والحنين مع الاغتراب. وقد تأثّر بوضوح بشعر محمود درويش، لا سيما في البنية المتوتّرة للقصيدة، كما يظهر أثر عمر أبي ريشة في بناء “العموميات الوطنية”، لكنها عنده تتحوّل إلى وجه إريتري خاص. ويشير الناقد إلى أن المسرح عند أحمد سعد كان تجربة واعدة، لكنها لم تكتمل بسبب رحيله المبكر، وأنه كان “علامة فارقة في جيل يكتب تحت ضغط الثورة والمنفى”.
وتشير مجلة “الحوادث” إلى أن ديوان “عاشق إريتريا” جمع نصوصًا شعرية ومسرحية كتبها الشاعر في القاهرة، أبرزها مسرحية (من أجل إريتريا) التي عُرضت عام 1975م. وتلفت الدراسة إلى أن أهم ما يميّز شعره هو إدخال التجربة الإريترية إلى القصيدة العربية الحديثة، عبر تحويل الوطن إلى رمز وجودي لا مجرد موضوع سياسي.
يمكن النظر إلى أحمد محمد سعد بوصفه أحد مؤسّسي “الوعي الشعري الوطني” في إريتريا، حيث لم يكن الشعر عنده زخرفة لغوية، بل شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية.
تكمن أهميته في دمج الشعر بالهوية السياسية، وتحويل المنفى إلى مصدر إنتاج جمالي، وإدخال المسرح كأداة خطاب وطني، وربط التجربة الإريترية بالقصيدة العربية الحديثة.
لكن مأساة تجربته تكمن في الانقطاع المبكر، إذ لم يتح له العمر تطوير مشروعه الشعري والمسرحي، مما جعل إرثه أقرب إلى “بذرة مشروع” أكثر من كونه مدرسة مكتملة.
يبقى أحمد محمد سعد أحد الأصوات التي كتبت إريتريا من داخل الجرح، لا من خارجه. شاعرًا حمل وطنه في القصيدة، ومسرحيًا حاول أن يجعل من الخشبة مساحة للحرّية، قبل أن يغادر مبكّرًا تاركًا أثرًا كثيفًا لا يزال يُقرأ بوصفه أحد أهم تجليات الأدب الإريتري الحديث.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.