التوافق والتكامل.. دلالات التقارب بين البعث وحركة تحرير السودان”عبد الواحد”

صحيفة الهدف

 عايدة شريف

صحيح أننا في وقت تصطدم فيه كل الآمال بانسداد المسارات السياسية وتزايد المعاناة اليومية، يأتي اللقاء الودي والأخوي الذي جمع بين الأستاذ علي الريح السنهوري، الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، والأستاذ عبد الواحد محمد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، والأستاذ وجدي صالح؛ ليعيد ترتيب أولوياتنا الحالية، ويفتح طاقة أمل حقيقية نحو بناء جبهة وطنية عريضة تتمسك بثوابت التغيير.
هذا اللقاء الودي يحمل في طياته دلالات فكرية وسياسية عميقة تتجاوز تماماً الأطر الرسمية؛ فهو يمثل نموذجاً عملياً يوضح حجم التوافق الممكن والضروري بين حزب قومي له تاريخ فكري راسخ كحزب البعث، وبين حركة كفاح مسلح تملك قاعدة جماهيرية واسعة ومواقف مبدئية كحركة تحرير السودان.
وتتجلى أهمية هذا التلاقي في كونه ينطلق من أدبيات حزب البعث العريقة في نظره إلى ما يمكن تأويله “حركات التحرر الوطني”؛ فالفكر البعثي يرى في نفسه تاريخياً حركة تحرر وطني تسعى للانعتاق والسيادة، وإن كانت أدواته مدنية وجماهيرية غير مسلحة، في مقابل أدوات التحرر المسلحة التي يقودها الأستاذ عبد الواحد محمد نور. هذا الفهم المشترك لطبيعة النضال التحرري يثبت أن المشتركات الوطنية الكبرى والهموم المصيرية للشعب السوداني قادرة دائماً على خلق أرضية صلبة يلتقي عليها رفاق النضال، متجاوزين تباين الوسائل من أجل هدف أسمى وهو إنقاذ البلاد.
أبرز ما يلفت الانتباه في هذا اللقاء هو منسوب الاحترام المتبادل العالي والتقدير العميق بين البعثيين وبين حركة وجيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور. هذا الاحترام لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة اعتراف عميق ومؤكد بدور السنهوري المركزي في المشهد الوطني وحجم الخبرة والحكمة التي يمكن لأياً كان الاستفادة منها، العدو قبل الصديق..
ومما لا شك فيه أن الاحترام بين الطرفين متبادل بحكم المواقف الصارمة والمبدئية التي تميز بها الطرفان طوال سنوات النضال ضد الديكتاتورية، ورفضهما المشترك لأي مساومات تنتقص من حقوق الشعب السوداني، خصوصاً وأن البعث ينطلق من حساسية مفرطة تجاه التدخل الخارجي في المنطقة العربية كلها والسودان بشكل خاص، بينما برز عبد الواحد بموقفه المعلن منذ وقت مبكر بأن أي حل للأزمة السودانية يجب أن يأتي عبر حوار “سوداني – سوداني”، وهو ما يعني رفضه التام للحلول المستوردة من الخارج.
لذلك، يبدو من المنطقي جداً أن هناك أرضية مشتركة في نظرة الطرفين لزاوية الحل اي من الناحية الإجرائية؛ وهي أن يكون حلاً يصنع بأيدي السودانيين أنفسهم، مع الاعتراف بدور الخارج في حدود التسهيل والتسيير فقط لا غير.
وربما لتفصير مني في الاطلاع على أدبيات حركة تحرير السودان لاستخراج المشتركات الموضوعية بين الطرفين، لذا فإنني سأسقط من حديثي تفاصيل الأرضية الموضوعية بينهما، كما لأنني ربما أستوعب ما يطرحه البعث بشكل جيد نوعاً ما، ولكنني لست ملمة بكل ما يطرحه الأستاذ عبد الواحد. ومع ذلك، أؤمن تماماً بأن لكل طرف رؤيته الواضحة لمعالجة الأزمة السودانية، وخصوصاً البعث الذي يطرح “الجبهة الشعبية العريضة” كآلية لتطبيق رؤيته وحشد أوسع نطاق للقوى السياسية والمهنية والنقابية في السودان. فالبعثيون، انطلاقاً من إرثهم الفكري الداعم لكل حركات التحرر ومقاومة الظلم، يرون في حركة عبد الواحد فصيلاً وطنياً أصيلاً وحليفاً استراتيجياً متمسكاً بقضايا الجماهير العادلة يجب التعاطي معه في الحد الأدنى تحصينه من أمراض الحركات المسلحة التي تحولت إلى ميليشيات وفق الراهن السوداني بفعل صراعات الثروة والسلطة للأسف.. وبالمقابل ينظر عبد الواحد والحركة إلى البعثيين كقوة مدنية صلبة وحركة تحرر جماهيرية لا تنحني أمام العواصف السياسية والمساومات الهشة.

لقد ركز هذا اللقاء الودي بصورة أساسية على تطورات الأوضاع الكارثية في السودان، وبحث بمسؤولية وطنية سبل إنهاء الحـ.ـرب ومعالجة تداعياتها الإنسانية والسياسية الصعبة. وأكدوا على أهمية تنسيق العمل المشترك من أجل الوقف الفوري لهذه الحـ.ـرب، ووضع حد نهائي لمعاناة الشعب السوداني التي تفاقمت بسبب موجات النزوح واللجوء، مع التشديد على ضرورة تعزيز الجهود الوطنية الخالصة لاستعادة مسار التحول الديمقراطي المدني وبناء السلام المستدام.
هذا الهم الإنساني والوطني لخصه الأستاذ وجدي صالح بدقة عبر صفحته الشخصية على موقع فيسبوك مبيناً طبيعة هذا التلاحم بقوله: “همنا المشترك، وقف الحـ.ـرب وإنهاء معاناة الشعب السوداني من ويلات الحـ.ـرب والنزوح واللجوء وآثارهما، وهدفنا وحدة السودان أرضاً وشعباً”. وهي الكلمات التي تعكس جوهر التوافق الذي جرى في اللقاء، حيث تتطابق الرؤى حول حماية السيادة الوطنية ورفض تفتيت البلاد.
إن هذا الحراك السياسي المتواصل بين القوى السياسية والمدنية الوطنية السودانية، يمثل خطوة متقدمة في رحلة البحث عن مخارج حقيقية للأزمة الراهنة، ويؤكد للجميع أن الأولوية القصوى ستبقى دائماً لوقف الحـ.ـرب، والحفاظ على وحدة السودان أرضاً وشعباً، وتحقيق تطلعات السودانيين المشروعة في الحرية والسلام والعدالة والديمقراطية.. في انتظار ما لم ينشر بعد عن هذا اللقاء.

#صحيفة_الهدف #السودان #حزب_البعث #عبد_الواحد_محمد_نور #وجدي_صالح #علي_الريح_السنهوري #حركات_التحرر #لا_للحرب #الوعي_الثوري #أمة_عربية_واحدة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.