لم يكن المشهد في قاعات نيروبي مجرد اجتماع سياسي آخر يُضاف إلى أرشيف المبادرات السودانية المتراكمة. كان أشبه بمحاولة جماعية لإنقاذ ذاكرة وطن يتآكل تحت أقدام الحرب. وجوهٌ جاءت من اتجاهات مختلفة، حملت معها تعب المدن المهدمة، وقلق النازحين، وأسئلة الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءً غابوا في أتون المعارك. كان القادمون إلى القاعة يتبادلون المصافحات ببطء، كما لو أنهم يتفقدون ما تبقى من جسور بين السودانيين بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الدم والخراب.
في الأروقة كان الحديث يدور عن السودان أكثر مما يدور عن السياسة. عن القرى التي خلت من أهلها، وعن المدارس التي صارت ملاجئ، وعن مدن فقدت أصواتها تحت هدير المدافع. أما داخل القاعة، فقد بدا واضحاً أن المجتمعين يحاولون البحث عن نقطة بداية جديدة، لا تُنهي الحرب فحسب، بل تمنع تكرارها.
نيروبي: الهدف
مشهد البداية
وعلى هذا الإيقاع افتتحت أعمال اجتماع قوى “إعلان المبادئ السودانية” في العاصمة الكينية نيروبي، بمشاركة قيادات سياسية ومدنية وممثلين لمنظمات المجتمع المدني، إلى جانب حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، على أن تُختتم الاجتماعات غداً السبت بإعلان نداء سياسي موجه لأطراف الحرب والمجتمع الدولي، وإجازة خارطة طريق تتضمن رؤية القوى المشاركة لإنهاء الحرب وإطلاق العملية السياسية، فضلاً عن الإعلان عن تنسيقية تحمل اسم “قوى إعلان المبادئ السودانية“ لتكون إطاراً للتنسيق والعمل المشترك خلال المرحلة المقبلة.
معركة وجودية
في الجلسة الافتتاحية، بدا رئيس الوزراء السابق ورئيس تحالف “صمود” عبد الله حمدوك مشغولاً بفكرة واحدة، أن السودان يقف أمام لحظة فاصلة في تاريخه الحديث. وقال إن البلاد تواجه ما وصفها بـ”المعركة الوجودية”، معركة “يكون أو لا يكون”، مشيراً إلى أن الحرب الحالية خلفت دماراً واسعاً وخسائر بشرية هائلة، وأنتجت أكبر موجات النزوح واللجوء في تاريخ السودان الحديث.
ورأى حمدوك أن السودان يعيش اليوم أكبر كارثة إنسانية في العالم، متجاوزة في حجمها وتعقيداتها كثيراً من الأزمات الدولية الراهنة، مؤكداً أن جذور المأساة السودانية ليست وليدة الحرب الحالية وحدها، وإنما تعود إلى إخفاق تاريخي في إدارة التنوع منذ استقلال البلاد، وهو ما قاد ـ بحسب تعبيره ـ إلى فقدان جزء عزيز من الوطن وأدخل البلاد في دوامة من الحروب الممتدة.
وشدد على أن الحرب الدائرة لا يمكن حسمها عسكرياً، مجدداً الدعوة إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف بالتنوع واحترام المواطنة المتساوية بلا تمييز، باعتباره المدخل الحقيقي لبناء دولة حديثة مستقرة.
وفي محاولة لرسم ملامح الطريق السياسي المقبل، دعا حمدوك إلى الاتفاق على عملية سياسية شاملة وذات مصداقية يقودها السودانيون أنفسهم، مؤكداً ضرورة السير المتزامن للمسارات الثلاثة: الإنساني والسياسي ووقف إطلاق النار، معتبراً أن نجاح أي مسار مرهون بتكامله مع المسارين الآخرين.
وأوضح أن القوى المدنية مطالبة بالخروج برؤية متكاملة حول هذه المسارات، محذراً من أن تعدد المبادرات الإقليمية والدولية دون وجود موقف مدني موحد سيؤدي إلى صياغة مستقبل البلاد بالنيابة عن السودانيين أنفسهم.
وقال إن الوقت لم يعد يسمح بمزيد من التأجيل أو الخلافات الثانوية، مضيفاً أن المطلوب هو الاتفاق على أسس العملية السياسية والقوى المشاركة فيها والقضايا التي ينبغي أن تعالجها.
ورأى أن المجتمع الدولي غالباً ما يتعامل مع الأزمة السودانية عبر “المسكنات”، الأمر الذي قد يقود إلى وقف مؤقت للحرب دون معالجة أسبابها الحقيقية، مشيراً إلى أن المبادرات والوساطات الإقليمية والدولية تمثل جهوداً مقدرة، لكنه اعتبر أن مبادرة “الرباعية” هي الأكثر تقدماً من حيث وضوح خارطة الطريق والالتزامات والجداول الزمنية التي تضمنتها.
وختم حديثه برسالة حملت قدراً من التفاؤل وسط الأجواء المثقلة بالقلق، قائلاً إن الشعب السوداني ينتظر من القوى السياسية أن تستعيد له الأمل، وأن تثبت له أن هذه الحرب، مهما طال أمدها، ستنتهي في نهاية المطاف.
صوت الحكمة.. الكبير كبير
في مدينةٍ تُشبه المحطات الفاصلة في تاريخ القارة، كانت نيروبي تبدو، أمس، أقلَّ انشغالاً بزحامها المعتاد، وأكثر ميلاً للإصغاء إلى السودانيين وهم يحاولون انتشال بلادهم من حافة الخراب. هناك، تحت سقوف الحوار المثقلة بأسئلة الحرب والمصير، وهنا تحدث الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، الأستاذ علي الريح السنهوري، بصوتٍ بدا كأنه قادم من ذاكرةٍ سودانية طويلة، ذاكرةٍ تعرف جيداً كيف تتحول الأوطان إلى خرائط ممزقة حين تتقدم البنادق على الحكمة.
تقدم السنهوري وهو يشارك للمرة الأولى شخصياً منذ اندلاع الحرب في فعالية سياسية جامعة، ليقول إن مشاركته ليست حدثاً استثنائياً بقدر ما هي امتداد لموقفٍ ظل حزب البعث متمسكاً به منذ اللحظة الأولى: البحث عن كلمةٍ تجمع السودانيين، لا عن منصةٍ تُقصيهم. فالحزب، كما أوضح، لم يغِب عن أي جهدٍ يرمي إلى وقف هذه الحرب “الضروس”، ولم يتردد في تلبية أي دعوة يمكن أن تفتح ثغرةً في جدار الدم.
وكان واضحاً أن السنهوري لا يتحدث بلغة البيانات السياسية الباردة، بل بلغة رجلٍ يرى الوطن وهو يتشقق أمام عينيه. لذلك أعاد، أكثر من مرة، ترتيب الأولويات كما لو أنه يحاول إنقاذ ما تبقى من المعنى: لا شيء الآن يسبق السلام، ولا شيء يعلو فوق وحدة السودان.
استعاد الرجل شعارات ديسمبر: حرية، سلام، وعدالة، لكنه لم يستدعها بوصفها هتافاتٍ محفوظة، بل باعتبارها وعداً مؤجلاً لم يكتمل بعد. قال إن البلاد اليوم لا تحتاج فقط إلى إيقاف الحرب، بل إلى ما هو أبعد من ذلك: حماية وحدة السودان نفسها، لأن السلام والوحدة، في نظره، ليسا قضيتين منفصلتين، بل وجهان لنجاةٍ واحدة.
ومن بورتسودان إلى نيالا، كما وصف، لم يعد الناس يسألون عن الأيديولوجيات الكبرى، ولا عن الاشتراكية أو الرأسمالية، بل عن حقهم البسيط في النجاة. يريد السودانيون العودة إلى بيوتهم، إلى مزارعهم، إلى أعمالهم، إلى حياتهم التي سرقتها الحرب. يريدون وطناً لا يطارد أبناءه بالخوف- أو هكذا قال-
وفي أكثر مقاطع حديثه كثافةً، بدا السنهوري كأنه يوجه نقداً عميقاً للنخب السياسية كلها، بما فيها القوى التي تعتقد أنها تمتلك الحقيقة كاملة. شدد على أن الأولوية القصوى الآن هي إيقاف الحرب، لكن ذلك ــ في نظره ــ لن يتحقق إلا بإعادة السلطة إلى الشعب السوداني.
وهنا استعاد السنهوري العبارة التي ظل يرددها منذ سنوات طويلة:
“لا وصاية على الشعب ولا سلطة لغير الشعب”
قالها كما لو أنها ليست شعاراً سياسياً، بل محاولة أخيرة لإنقاذ فكرة السودان نفسها. فالأزمة، كما يرى، بلغت من التعقيد درجةً لا يمكن معها لأي طرف أن يفرض رؤيته أو يحتكر مستقبل البلاد. وحده الاحتكام للشعب قادر على تفكيك هذا الخراب المتراكم.
وحذر السنهوري من النزعة التي تدفع بعض القوى إلى الاعتقاد بأنها “مبرأة” بالكامل لأنها وقفت ضد الحرب، فيما الآخرون مدانون على إطلاقهم. فمثل هذا المنطق، بحسب تعبيره، لن يقود إلا إلى مزيد من التشظي والانقسام.
وفي لحظةٍ بدت أقرب إلى التأمل منها إلى الخطابة، استعاد مقولة الصادق المهدي الشهيرة:”البفش غبينتو بيدمر مدينتو”.
جملةٌ ألقاها وسط صمتٍ ثقيل، كأنها تلخص مأساة السودانيين وهم يتركون الغضب يقود البلاد إلى الخراب.
ولم يخفِ السنهوري قلقه من المخاطر الإقليمية والدولية المحدقة بالسودان والمنطقة العربية والإفريقية، معتبراً أن مشاريع التفتيت لا تستهدف الخرطوم وحدها، بل تضرب الإقليم كله عبر الحروب الداخلية واستنزاف الدول الوطنية. لكنه عاد ليؤكد أن المسؤولية الأولى تبقى مسؤولية السودانيين أنفسهم: أن يتواضعوا، وأن يغلّبوا مصلحة الوطن على المطامح الشخصية والصراعات الصغيرة.
كما رحب بمواقف الأستاذ عبد الواحد محمد نور وحركة وجيش تحرير السودان، مشيداً بثبات موقفه تجاه وحدة السودان وضرورة أن تُحل أزمات البلاد بأيدي أبنائها، لا بإملاءات الخارج.
وفي ختام حديثه، بدا المشهد كله كأنه محاولة جماعية للعثور على مخرج أخير من العتمة. تحدث السنهوري عن التقدم الذي أحرزته القوى الوطنية في الحوار، وعن الاتجاه نحو تشكيل آلية للتنسيق بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، أملاً في بناء مساحة مشتركة توقف الحرب وتعيد البلاد إلى شعبها.
كانت كلمته أقل شبهاً بخطاب سياسي، وأكثر شبهاً بنداء رجلٍ يعرف أن الأوطان لا تنجو بالقوة وحدها، بل بشيءٍ نادر اسمه الحكمة.
لا مسكنات بل علاج جذري
ومن جانبه، قدم رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور مداخلة اتسمت بالتركيز على ما وصفه بـ”العلاج الحقيقي” للأزمة السودانية.
وقال إن السودان لم يعد بحاجة إلى حلول مؤقتة أو إجراءات إسعافية تشبه “البندول”، وإنما يحتاج إلى معالجة جذرية للأسباب التي أنتجت الحروب المتكررة عبر العقود.
وأكد أن جميع القوى المشاركة تسعى إلى بناء دولة المواطنة المتساوية، مشيراً إلى أن هذه الدولة يجب ألا تبقى مجرد شعار سياسي، بل ينبغي أن تبدأ خطوات بنائها منذ هذه الاجتماعات.
وأعلن استعداده الكامل للجلوس مع مختلف الأطراف من أجل صناعة خارطة طريق توقف الحرب، مؤكداً أن ما يجري اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل امتداداً لأزمة تاريخية صاحبت الدولة السودانية منذ عام 1955.
وأضاف أن الشعب السوداني ينتظر من القوى السياسية أن تتحمل مسؤولياتها وأن تعمل بجدية على إنهاء هذه الحروب الممتدة، لا أن تكتفي بإدارة نتائجها أو تأجيل استحقاقات معالجتها.
نداء الشيوعي للشيوعي
وبينما كانت القاعة تمتلئ بأصوات السياسيين القادمين من طرقٍ مختلفة نحو الحلم ذاته، بدا المثقف والأكاديمي رئيس تحرير مجلة قضايا معاصرة د. صديق الزيلعي وكأنه يستدعي من ذاكرة السودان صفحاتٍ قديمة لم تجف أحبارها بعد. تحدث بصوت رجلٍ خبر صعود المشاريع الوطنية وانكساراتها، وعاصر الانقسامات الكبرى التي عصفت بالحياة السياسية، لكنه ظل مؤمناً بأن البلاد التي أنجبت أكتوبر وأبريل وديسمبر قادرة على أن تجد طريقها إلى نقطة يلتقي عندها المختلفون حول ما هو أكبر من خلافاتهم. لم يكن حديثه عن الماضي استدعاءً للذكريات بقدر ما كان بحثاً عن مفاتيح للخروج من متاهة الحاضر، وتذكيراً بأن السودان، كلما ضاقت به السبل، وجد في العمل المشترك ما ينقذه من السقوط الكامل.
ومن قلب تلك القراءة لتجارب الحركة الوطنية، أطلق الزيلعي نداءً بدا أقرب إلى مراجعة صريحة مع الذات السياسية منه إلى خطابٍ موجَّه للآخرين. فبعد أكثر من نصف قرن من عضويته في الحزب الشيوعي السوداني، دعا قيادة الحزب وقواعده إلى مغادرة ما وصفه بحالة العزلة السياسية، والعودة إلى ساحات العمل المشترك مع القوى الديمقراطية والمدنية المناضلة من أجل إنهاء الحرب وبناء الدولة الديمقراطية. وقال إن حجم الكارثة التي يعيشها السودان لم يعد يحتمل التباعد بين القوى الوطنية أو الانكفاء داخل الأسوار الأيديولوجية، مؤكداً أن شعب السودان ينتظر من قواه السياسية أن ترتفع إلى مستوى المأساة وأن تتقدم نحو مشروع وطني جامع يوحّد الصوت المدني ويعيد الاعتبار لفكرة العمل الجبهوي التي صنعت أبرز محطات النضال السوداني.
واستند الزيلعي إلى خبرة الحركة الوطنية السودانية في إدارة التباينات الفكرية والسياسية، مشيراً إلى أن تاريخ البلاد حافل بتجارب أثبتت إمكانية العمل المشترك رغم اختلاف البرامج والرؤى. وأضاف أن التحدي المطروح اليوم لا يتمثل في توحيد الأفكار بقدر ما يتمثل في الاتفاق على برنامج وطني قادر على مخاطبة تطلعات السودانيين وإنهاء الحرب واستعادة مسار التحول الديمقراطي، معتبراً أن وحدة القوى المدنية أصبحت ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل في مواجهة أخطار التشظي والانقسام التي تهدد مستقبل البلاد.
نحو نداء سياسي وخارطة طريق
وشارك في الجلسة الافتتاحية كذلك كل من المحامية والحقوقية نفيسة حجر، والشاعر عالم عباس، وسط نقاشات تناولت سبل إنهاء الحرب، وآفاق العملية السياسية، وكيفية توحيد جهود القوى المدنية والاجتماعية حول رؤية مشتركة.
وبحسب ما خلصت إليه مداولات اليوم الأول، فإن المشاركين يتجهون إلى إصدار نداء سياسي مزدوج لأطراف الحرب والمجتمع الدولي، إلى جانب إجازة خارطة طريق تتضمن تصوراً متكاملاً لإنهاء الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة، فضلاً عن إعلان تنسيقية لقوى “إعلان المبادئ السودانية” تكون معنية بمتابعة وتنسيق الجهود بين القوى المشاركة.
وبينما كانت الجلسات تقترب من نهايتها، ظل سؤال السودان معلقاً فوق القاعة، كيف يمكن لوطن أنهكته البنادق أن يجد طريقه إلى السلام؟ لم يكن لدى الحاضرين جواب واحد، لكنهم بدوا متفقين على أن الحرب لم تعد خياراً، وأن ما ينتظره ملايين السودانيين ليس انتصار طرف على آخر، بل انتصار السودان على جراحه.

Leave a Reply