نوافذ: لعبة الضوء والظل

صحيفة الهدف

هيثم الشفيع

كونك سيدي لم ترَ شيئًا أو لم تسمع به من قبل، لا ينفي هذا أنه موجود.
ذاك – صدّقني – على جميع المستويات: الحسّية والمعنوية، المجتمعية والأخلاقية، الجغرافية والتاريخية.. كل المستويات.
إذًا.. لماذا لا تحاول أن تزيد معارفك بأن تُجرّب كل ما تستطيع تجربته؟
يقول محمد أبو دومة، عليه الرحمة والرضوان: “لن يُدرك لبّ الأخطاء.. بغير ولوجٍ في الأخطاء”.. ولو استُبدلت كلمة “الأخطاء” بـ”كل شيء” لاستقام المعنى أيضًا. فماذا أنتظر إذن؟
عزيزي جمال: لعلك مندهش من فكرة أن يصلك خطاب غير رسمي في صورة ورقية ونحن في العام 2020، ويزيد دهشتك أنه منّي، ويضاعف الاستغراب أن تكون معه مجموعة خطابات ورقية أخرى لأمّي وزوجتي وإخواني (محمود وأحمد وسارة).
لكن تمهّل يا حبيبي، فكلما واصلتَ القراءة تلاشت دهشتك وتبدّدت سحب الاستفهام التي غطّت سماءك. ولأنها، الخطابات، ستكون آخر ما يصل بيني وبينكم، أجدني ملزمًا بأن أبذل فيها قصارى جهدي لتأتي مبدّدةً لأي حيرة أو استغراب قد ينشأ لديكم تجاه ما قمت به.
حين يصلك هذا الخطاب، أكون قد رحلت بعيدًا عنكم، وإلى الأبد، وآمل أن أكون قد استقر بي المقام، بحسب ما خططت له، في “مكان ما” في هذا البعيد.
– نحن الآن، سادتي، وكما تعلمون، في يناير من العام 2025م، أي أن خمس سنوات قد مرّت على اختفاء المطرب، المغمور حتى اختفائه، محمد الدرديري، والمشهور حاليًا بـ(محمد غايب). ولأنه أصبح هذه الأيام الفنان رقم واحد من حيث الجماهيرية، وتتصدّر “كليبات” أغانيه المنصات الإلكترونية بأعداد مشاهدات ضخمة، فقد أفردنا هذه الحلقة كاملة لمناقشة تجربته، ونستضيف فيها صديق عمره ورفيق طفولته وشبابه جمال إبراهيم، وهو في الوقت نفسه صاحب القناة التي تحمل اسم الفنان (محمد غايب) على (يوتيوب).
– أستاذ جمال، مرحبًا بك في هذه الحلقة الخاصة عن الفنان الكبير (محمد غايب)، الذي صعد اسمه في عالم الغناء المحلي والعربي وحتى الإفريقي في فترة قصيرة جدًا لم تتعدَّ ستة أشهر. ورغم أن أحدًا لا يشكّك في موهبته الفذّة ومقدراته الصوتية واللحنية الفريدة، إلا أن صعود فنان بهذه السرعة الغريبة، وهو غير موجود أصلًا، وكل ما عُرف له من أعمال كان تسجيلات قديمة خرجت للجمهور تباعًا بواسطتك أنت أو بواسطة أحد إخوانه، ألا توافقني أن هذا أمر يثير الحيرة؟
– بسم الله الرحمن الرحيم، بداية أشكر قناتكم الرائدة على هذه الاستضافة، والتي آمل من خلالها أن أروي عطش الجماهير المتلهفة للتعرف أكثر فأكثر على الفنان محمد غايب وتجربته المميزة. ودعني أخالفك الرأي في أن الأمر يدعو للحيرة..
فأنت نفسك قلت في مقدمتك إن إمكانيات محمد الصوتية ومقدراته في التلحين والتطريب كانت فريدة، وحتى الكلمات التي غنّاها كانت مميزة جدًا، كتبها شعراء مميزون.
– نعم أستاذ جمال، لكن ما أعنيه بالحيرة: كيف لفنان ظل يغنّي لأكثر من ربع قرن ولم يسمع عنه أحد، ثم فجأة يصعد بهذه السرعة الصاروخية إلى القمة، وهو أصلًا غير موجود بيننا، ولا يُعرف إن كان ما يزال حيًا أم أنه غادر إلى الدار الآخرة؟
– جيمي الحبيب: لعلك تتساءل الآن: كيف لشخص بلغ من العمر ما بلغت أن يقطع صلته نهائيًا بماضيه الممتد ليبدأ حياة جديدة “من الصفر”..
وقد كنتُ، مثلك، قد سألت نفسي هذا السؤال كثيرًا قبل أن أتجرأ على تنفيذ فكرة الاختفاء، ووجدتني أجيب بأن “الصفر” نفسه رياضيًا يُعدّ الخط الفاصل بين الأعداد السالبة والموجبة. وهو عندي بمثابة سطح الماء، يفصل مجاهل الأعماق عن الهواء الطلق، وهو بالتالي النقطة الفاصلة بين اليأس والروتين والإحباط من جهة، وبين الانطلاق واكتشاف المعنى الحقيقي للحياة من جهة أخرى.
هل تذكر قصة جورج أمادو التي تتحدّث عن “الرجل الذي مات مرتين”؟ أنا يا عزيزي أردت أن أعيش مرتين.
محمد، يا سيدي، مثال للفنان الملتزم المؤمن برسالته، ظل طوال السنوات التي سبقت اختفائه يعمل على تجربته بصبر وتؤدة، ولم يسعَ أبدًا إلى الشهرة أو الانتشار. ورغم إيمانه القاطع بمقدراته العالية، ظل معروفًا ومقدّرًا لدى أعداد محدودة جدًا من معارفه، ولم تكن حتى فكرة قناة (يوتيوب) هذه فكرته، بل كنت أنا صاحبها.
لذلك لستُ مستغربًا لما يحدث الآن، لأنه رد الفعل الطبيعي جدًا لتلك المقدرات العالية، لكن ما يؤلمني أنه رغم شهرته التي طبّقت الآفاق ما زال يصر على الاختفاء وعدم العودة إلى بيته وأصدقائه وجمهوره. لماذا؟ صدقني.. لا أحد غيره يملك إجابة هذا السؤال.
“ثنائية الضوء والظل”.. وهل إذا تحدثنا عن الضوء لا بد أن نهمل الظلال؟ أم أن الأمر فيزيائي فقط: لا ضوء بلا ظل.. والعكس؟
أما في حالة الفنان (محمد غايب)، فالسؤال الذي يفرض نفسه: كيف بقي “ظل” محمد غايب بيننا بينما اختفى ضوءه؟
أم الأصح أن نقول: كيف بقي “ضوءه” بيننا بينما اختفى ظله؟
هذه الأسئلة وأسئلة أخرى كثيرة.. سنجيب عليها في حلقة برنامجكم (سيرة فنان) المخصّصة للحديث عن الذكرى الخامسة عشرة لاختفاء الفنان الكبير محمد غايب، وضيف الحلقة هذه المرة ابنه: هشام محمد الدرديري.. انتظرونا.
– “ثنائية الضوء والظل”: عنوان قصيدة تخصّني.
– محمد أبو دومة: شاعر مصري.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.