متلازمة السقوط في ثغرة التكنوقراط: كيف تضيع الثورات السودانية في مركز القرار السياسي؟

صحيفة الهدف

ماجد الغوث

الحقيقة التي لا يمكن أن نغمض عنها عيوننا في تاريخنا السياسي القريب والبعيد، هي هذه المفارقة العجيبة المكررة؛ شعبنا هذا عبقري ويمتلك قدرة خرافية على تفجير الثورات واقتلاع الديكتاتوريات من جذورها، وفي المقابل، تمتلك نخبنا موهبة غريبة وإدماناً عجيباً على إضاعة الفترات الانتقالية وتشتيت تضحيات الشارع.

لو تتبعنا محطاتنا الكبرى، أكتوبر ومارس/ أبريل وديسمبر، سنجد ثغرة هيكلية واحدة في البنيان، هي التي نفذت منها كل الانقلابات العسكرية التي عطلت مسار البلد. هذه الثغرة ببساطة هي: تقديم العقليات النقابية والتكنوغراطية لإدارة مشهد سياسي معقد يحتاج إلى عقلية حاسمة وحاذقة، وهي المهمة الحصرية للأحزاب السياسية الحقيقية، صاحبة الأوزان الفكرية والنضالية.

أولاً: أكتوبر 1964 وجبهة الهيئات وضياع البوصلة مبكراً

في أكتوبر 1964، كان للأحزاب السياسية القدح المعلى ونصيب الأسد في تحريك وتفجير الثورة، وكان يقف خلفها النقابات المهنية والاتحادات. لكن عندما حانت ساعة الحقيقة وتشكيل الحكومة الانتقالية، اختل الميزان؛ فالذين قادوا المشهد وتربعوا في مركز القرار كانوا قادة “جبهة الهيئات” المشكلة من نقابات واتحادات.

هؤلاء الناس، رغم نظافتهم ووطنيتهم، لم يكن لديهم عمق العقلية السياسية الحاذقة والحاسمة التي تستطيع موازنة الأمور وإدارة الدولة في مرحلة انتقالية حساسة. هذا الفراغ القيادي ومحدودية النظر السياسي عند جبهة الهيئات قادا الثورة إلى طريق مسدود، فضاعت المكتسبات ودخلت البلد في حالة من التخبط الحزبي، وكانت هي ذاتها الثغرة التي نفذ منها بدقة انقلاب 25 مايو 1969 بقيادة جعفر نميري.

ثانياً: مارس/ أبريل 1985 والتجمع النقابي وإعادة تدوير الأزمة

طوال ستة عشر عاماً من حكم مايو الشمولي، قاست أحزاب الحركة السياسية الويل، ودفع منسوبوها ثمناً غالياً من اعتقالات وتشريد وق.تل وفصل تعسفي من الخدمة. وعندما أثمرت هذه التضحيات وانتصر الشارع في أبريل 1985، تكررت الغلطة التاريخية ذاتها بالكربون؛ إذ سُلّمت المرحلة الانتقالية لعقليات تكنوغراطية بفهم نقابي صرف، بقيادة الدكتور الجزولي دفع الله، وهو شخص لا يملك أي خبرة سياسية حاذقة.

إن إدارة بلد كامل بعقلية نقابية مطلبية تفتقر للمناورة وبُعد النظر الاستراتيجي، ساقت المسار الديمقراطي لغير شكله الطبيعي. وبدلاً من أن يؤسسوا لبنية ديمقراطية صلبة تحمي نفسها، سلموا الفترة الانتقالية لحكومات حزبية هشّة كحكومة الصادق المهدي؛ حكومات بلا استحقاق نضالي أو بعد نظر، ورطت الشعب في شلل تام، حتى استغلت الحركة الإسلاموية الوضع وانقلبت على النظام الديمقراطي في يونيو 1989، لتجثم على صدر الأمة ثلاثة عقود كاملة.

ثالثاً: ديسمبر 2018 وشلة المزرعة وقمة التغبيش السياسي

جاءت ثورة 19 ديسمبر 2018 كأعظم ثورة شعبية شهدت بها كل الشعوب العريقة. هذه الثورة لم تنبت شيطانياً، بل كانت نتاج نضال مرير وجسور قادته القوى السياسية صاحبة الأوزان الفكرية والسياسية والعقائدية، وقدمت فيه رصيداً ضخماً من الشهداء والمعت.قلين.

ولكن المعضلة الحقيقية هنا تمثلت في مفارقة كبيرة وتناقض واضح في الوعي السياسي؛ عندما سِيق الشارع للمطالبة بقرارات ثورية حاسمة من حكومة غير ثورية بطبعها وهيكلها. هذا التناقض يعكس خللاً بنيوياً حقيقياً عند النخب والجهات التي تنادي بهذا الاقتراح؛ اقتراح “حكومة التكنوغراط المستقلة” الذي يتقاطع تماماً مع جوهر الفعل الثوري، ويصطدم صداماً مباشراً مع نضالات وتضحيات الشرائح الاجتماعية العريضة التي قامت بالفعل الثوري الوطني وأنجزته على الأرض. كيف لشارع بذل الدماء لتصفية تمكين النظام القديم، أن يُسلّم القيادة لموظفين محايدين قادمين من خلفية منظمات دولية، يتحركون بالورقة والقلم والتردد؟

وبالفعل، استلمت دفة الانتقال هذه العقلية ممثلة في عبد الله حمدوك وشلة مزرعته، وهي نفس العقلية النقابية والتكنوغراطية ذات الملمس الناعم، مسنودة ببعض أحزاب البرامج النابتة في الفراغ، والتي لا تملك أي نظرية فكرية أو تنظيمية، أو برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي متماسك يقوم على أساس نظري صحيح. النتيجة الطبيعية لهذا التناقض كانت تكراراً مأساوياً للفشل: تميع في المواقف، غياب للحسم، وتماهٍ مع العسكر، حتى أضاعوا أعظم ثورة وفتحوا الباب على مصراعيه للح.رب والدمار الذي نعيشه الآن.

النتيجة والدبارة: شروط العمل الجبهوي القادم

إن القراءة الفاحصة لكلام الدكتور صديق تاور تضعنا أمام درس تاريخي واضح لا يكتنفه أي لف أو دوران: العقلية النقابية المطلبية أو التكنوغراطية مكانها الطبيعي هو جماعات الضغط والتكامل التنموي، ولا يصح نهائياً السماح لها بأن تكون في مركز اتخاذ القرار السياسي أو قيادة الفترات الانتقالية.

وبناءً على هذا، فإن أي تحالف أو تجمع قادم يروم رسم خارطة طريق للسودان، لا ينبغي أن نقبل فيه باللافتات الورقية، والاستهبال السياسي، والانتهازية الشغالة حالياً، والتحركات التي تريد الزج بالقوى السياسية المجربة في دهاليز الأجندات الخارجية من غير تفويض أو رجوع للقواعد. أي تكتل قادم يجب أن يُغربل ويُفرز فرزاً دقيقاً على أساس أوزان حقيقية:

  • الوزن الفكري والنظري: وضوح الرؤية لشكل الدولة والاقتصاد والمجتمع.

  • الوزن السياسي والجماهيري: وجود قواعد حقيقية على الأرض، لا لافتات مصنوعة في الغرف المغلقة.

  • الوزن النضالي والأخلاقي: رصيد حقيقي من الصمود والتضحية في مواجهة الشمولية، لا القفز فوق أكتاف الثوار بعد النصر.

الخط الفاصل الآن يقتضي وضع النقابات في مكانها المطلبي، والقوى المدنية في مساحتها التوعوية والتطوعية، وترك القرار السياسي وصناعة الانتقال للعقليات السياسية الحاذقة والبرامجية، كي لا نُلدغ من الجحر ذاته للمرة الرابعة ونستمر في الحرث في البحر.
#صحيفة_الهدف #السودان #التكنوقراط #الثورة_السودانية #الخدمة_المدنية #أكتوبر_1964 #أبريل_1985 #ديسمبر_2018 #حمدوك #صديق_تاور #القرار_السياسي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.