ماجد الغوث
يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي هو الأخطر في تاريخه الحديث، منعطف لا يحتمل الرمادية ولا الميوعة والتلفت السيادي. إن ما تشهده العاصمة الكينية نيروبي اليوم من انطلاق لأعمال قوى إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد، بمشاركة وازنة ومحورية لرموز حزب البعث العربي الاشتراكي — الأستاذ علي الريح السنهوري، الدكتور صديق تاور، والأستاذ وجدي صالح — إلى جانب قوى مدنية وقيادات وطنية، ليس مجرد حدث بروتوكولي أو لطق حنك وعلاقات عامة، بل هو محاكمة علنية لواقع البنادق العاجزة، ومحاولة جادة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أشلاء وطن مزقته الأطماع الصبيانية لجنرالات السوء.
أولاً: جذور الكارثة.. من تهاون ما بعد الانقلاب إلى جحيم الـ ح.رب
لكي نفهم أهمية مسار نيروبي الثاني، يجب أن نعود خطوة إلى الوراء لنشير بأصابع الاتهام إلى مكمن الداء. إن هذه الـ ح.رب اللعينة والمدمرة الدائرة الآن لم تولد من فراغ، بل كانت نتاجاً طبيعياً لحالة العجز والفشل والتهاون السياسي الفاضح والهبوط الناعم الذي أعقب الانقلاب العسكري. تماهت قوى عديدة مع عسكر اللجنة الأمنية، وظن الحالمون بالمحاصصات والمناصب أن المساومات تحت الطاولة والاتفاقيات الإطارية الفطيرة قد تصنع استقراراً، فكانت النتيجة أن فُتحت أبواب الجحيم على مصراعيها، ودفع المواطن البسيط كلفة هذا التردد والمطاولات السياسية دماً ونزوحاً وتجويعاً.
ثانياً: وهم الحسم العسكري وانتحار الجنرالات
اليوم، يقف طرفا الصراع — البرهان وحميدتي — في مأزق تاريخي وأخلاقي كبير. كلاهما غرق في وهم الحسم العسكري السريع، وكلاهما يربط نهاية الـ ح.رب بانتصار ساحق وماحق لإبادة خصمه وتثبيت سلطته على جماجم الشعب. ولكن، ماذا تقول حقائق الأرض بعد كل هذا الخراب؟ الحقيقة العارية هي أن الطرفين وصلا إلى حائط سد، وعجزا تماماً عن تحقيق أي حسم، ولن يحققوه. إنها ح.رب كسر عظم انتحارية صفرية، الخاسر الأكبر فيها هو السودان ككيان ودولة.
أمام هذا الأفق المسدود وعقم لغة الرصاص، يبرز السؤال الوجودي: ماذا يفعل الشعب السوداني؟ وإلى أين يتجه المقاومون السلميون بعد أن تبخرت وعود البلّ الحاسم والانتصار الزائف؟ وما هي مطالب هذا الشعب المطحون؟ كما لخصها السنهوري بعبارة تلامس واقع كل بيت سوداني: “الآن المطلب ليس أن نعود إلى نظام اشتراكي أو نظام رأسمالي، بل إن المطلب الأساسي للناس هو البقاء على قيد الحياة، والعودة إلى الحياة الطبيعية في بلد آمن ومستقر”.
ثالثاً: رؤية البعث الشاهدة والمواكبة للحدث
هنا تحديداً، يتجلى الفارق بين الاندفاع العاطفي والرؤية الاستراتيجية الثابتة. إن الأهداف الأساسية التي ينعقد من أجلها اجتماع نيروبي اليوم — وفي مقدمتها توحيد الرؤى وتكوين جبهة مدنية عريضة لإيقاف الـ ح.رب — تمثل جوهر ولب الرؤية السياسية والمبدئية التي تمسك بها حزب البعث العربي الاشتراكي منذ اللحظات الأولى لانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وقبل حتى أن تنطلق الرصاصة الأولى في منتصف أبريل.
وقد جاءت كلمة الأمين العام للحزب، الأستاذ علي الريح السنهوري، في أقوى ظهور ومشاركة شخصية له بعد اندلاع الـ ح.رب، لتضع النقاط على الحروف وتنزع الشرعية عن هواة المحاصصات والسلطة وتجار الدماء؛ حيث أطلق لاءاته الشهيرة الممتدة منذ عقود: “لا وصاية على الشعب ولا سلطة لغير الشعب”. ووجّه السنهوري لطمة قوية لأصحاب الأجندات الخفية والمطامع الشخصية حين طالب بضرورة التخلي عن أفكار الوصاية، داعياً من يتصدى للمرحلة أن يتقدم صفوف النضال لا صفوف السلطة، قائلاً بوضوح: “ومن يتقدم صفوف النضال الآن عليه أن يتراجع خطوتين عن صفوف السلطة، لإتاحة الفرصة لتوحيد كل القوى السودانية في اتجاه يعيد السلطة للشعب السوداني”. هذا الموقف الصارم يثبت أن البعث لا يبحث عن كراسي أو غنائم، بل يقود خطى التلاقي السلمي لإنقاذ البلاد من التفتيت والتقسيم الذي يستهدف المنطقة برمتها.
رابعاً: النقد البنّاء والتسامي فوق الغبائن كصمام أمان
بالرغم من أن لدينا تحفظات مشروعة وآراء خاصة حول بعض تفاصيل التحالفات وسياقاتها، وكسر الجمود مع بعض الأطراف — وهو حق مكفول ومطلوب لكل حريص على الثورة وعافيتها دون دغمسة أو مخاتلة — إلا أن المسؤولية الوطنية الراهنة تفرض علينا التمييز بين الخلاف التكتيكي والهدف الاستراتيجي. لا يمكن لأي عاقل أو وطني غيور أن يعترض على مبدأ التلاقي والاجعماع؛ وفي هذا السياق، كان الاستشهاد الذكي للحزب بمقولة الراحل الإمام الصادق المهدي: “البفش غبينتو بيدمر مدينتو”، ليكون التسامي فوق الجراح والعقلانية السياسية هما القائد لتجاوز إشكالات ما بعد 2019. (ملاحظة توثيقية: الاقتباس المأثور عن الإمام الصادق المهدي يُعد من ركائز خطابه السياسي الحكيم في إدارة الخلافات الوطنية).
إن جلوس القوى المدنية السلمية وتنسيق جهودها والترحيب بالقوى المسلحة المبدئية التي تنحاز لوحدة السودان كحركة عبد الواحد محمد نور، هو الواجب الأخلاقي والسياسي الأوحد في هذه المرحلة الحرجة؛ لسحب البساط من تحت أقدام أمراء الـ ح.رب، وقطع الطريق أمام سماسرة الأزمات وبقايا النظام البائد الذين يقتاتون على استمرار هذا الحريق.
خاتمة المطاف: مسارات الإغاثة واسترداد السيادة
إن رؤية حزب البعث العربي الاشتراكي أثبتت الأيام صحتها واستشرافها الباكر للمستقبل؛ فلا بديل عن جبهة مدنية صلبة تفرض وقف الـ ح.رب كأولوية قصوى، وتعمل عبر آليات تنسيق حقيقية لفتح مسارات آمنة للإغاثة الإنسانية العاجلة لإنقاذ ملايين الجوعى والمشردين في معسكرات النزوح واللجوء، ثم الاحتكام للشعب السوداني بلا وصاية عبر أقصر فترة زمنية.
إن اجتماع نيروبي الثاني يجب ألا يكون مجرد منبر للخطابات الإنشائية والمجاملات، بل قاعدة انطلاق صلبة لفرض الإرادة الشعبية السلمية. لقد مضى الصينيون وغيرهم بعيداً بسنوات ضوئية في بناء دولهم وتحصين مصالحهم، بينما نتراجع نحن إلى الوراء بسبب أمية سياسية وعصابات همجية تخريبية أتى بها الإسلامويون لتدمير البلاد. حان الوقت لتسترد القوى المدنية زمام المبادرة، لتعلن للعالم أجمع بملء الفم: أن الوطن يبنيه الوعي.. لا الرصاص.

Leave a Reply