د.الشيخ فرح
عباس بائع اللبن، رجلٌ حليق الذقن ومُهذّب الشارب، يلبس جلبابًا ناصع البياض وعمامة لا تسقط من رأسه في كل الظروف.
أما حماره فكان كبيرًا أبيضَ عالي القامة، يقف شامخًا كالحصان ويمشي بتؤدة. وما أن تراه الحمير حتى تناغيه بصوتها المنكَر، فلا يرد عليها، بل يُحرّك ذيله ويرفع رأسه متبخترًا كأنه يقول: لن أرد عليكم، فأنا لست من فصيلة الحمير.
يلمع السرج الخشبي على ظهر الحمار، وتحته البردعة الحمراء كأنهما على ظهر مرسيدس سبورت. أما الخُرج فواسع، تظهر منه “تُمنتي” الحليب النظيفة، التي يتدلى من فتحتها قماش أبيض تبلّلت مقدمته بالحليب فزادته بياضًا فوق بياضه. وعلى حافة التُمنة اليمنى يظهر طرف معيار الرطل، الذي يعادل نصف لتر تقريبًا، فما يزال عباس يبيع حليبه بالرطل وليس باللتر كما يفعل عامة بائعي الحليب في المنطقة.
يُثبّت عباس رجليه على رقبة الحمار، ويحرّكه بعصاه الصغيرة وهو “ينقرط” كقائد الأوركسترا قبل أن يبدأ معزوفته. والنقرطة هي لغة صوتية يفهمها الحمار، وتعني له البدء في الحركة أو الإسراع إن أبطأ في مشيه.
كل زبائن عباس من الموظفين، فهو لا يبيع حليبه للفقراء. لذلك فسكان حي الموظفين هم زبائنه دون غيرهم من سكان الأحياء الأخرى. وفكرته في هذا الحصر أنه ليس لديه وقت لاستخلاص حق الشهر ممن ليس لديهم راتب ثابت، كما أنه لا يُحسن الجدل ولا يطيق المماطلة طالت أو قصرت.
يطرق الأبواب بعصاه الصغيرة نقرات خفيفة، ويبدأ في فتح التُمنة ويُغطّس معيار الرطل فيها مرة ومرتين، ثم يعلّقه ممتلئًا على حافتها في انتظار الزبون.
أغلب من يأخذ منه الحليب هنّ ستات البيوت، وفي بعض الأيام الأطفال في أيام الجُمع والعطلات. ولا يختلف روتينه اليومي، فهو أحد الثوابت؛ يتأخر قليلًا أو يتقدّم لكنه يأتي لا محالة، تمامًا كالقدر السعيد.
إلى أن أتى عبدالرؤوف، أحد الموظفين الجدد، وسكن في آخر بيوت حي الموظفين قبل الشارع الخلفي. لم يدخل عبدالرؤوف قلب عباس أبدًا، فهو رجل قليل الكلام، عابس الوجه، يُخيّل إليك أنه لا يراك، فهو يحدّق في وجهك دون أن يرمش. كما أنه لا يشتري اللبن بالدَّين كما يفعل الآخرون، بل يدفع ثمنه نقدًا.
انتبه عباس لملاحظة عبدالرؤوف الدقيقة، فقد قال له أول مرة حين رآه إن حماره نتاج تزاوج حمار مصري وآخر دُبُلاوي أو العكس. رفع عباس حاجبيه دهشة، فهو منذ أن اشترى الحمار قبل سنتين ظن أنه أصيل، فسأل مستفسرًا: دُبُلاوية؟ دا نوع جديد؟
رد عبدالرؤوف: طيب يا سيدي.. مكادية مبسوط.
قال عباس متظاهرًا بالفهم: أيوه قول مكادية، لكن كيف عرفت الخلطة دي؟
فأجاب عبدالرؤوف متهكمًا: تشتروا بدون معرفة.. اللون الأبيض الصافي دا من جينات حمار مصري، لكن بطء حركته يرجع لدم مكادي أو دُبُلاوي.
ثم واصل: بتعرف يعني شنو جينات؟
تمتم عباس بصوت غير مسموع: الجن اليركبك يا مسلّط.
لفّ عباس حماره وهو مندهش وساخط في آنٍ واحد؛ مندهش من دهاء هذا الرجل، وساخط على بائع الحمير الذي خدعه وضاعف عليه الثمن.
سأل عباس سعاد، جارة عبدالرؤوف، عن أصله ومهنته ومن يسكن معه، فقد لاحظ أنه يأخذ الحليب بنفسه كل يوم. لكن سعاد لم تُبرد فضوله، وقالت: لا يتكلم مع أحد، ولا نعرف أكثر مما تعرف. وأضافت أنه يعمل في وقاية النباتات بوزارة الزراعة.
عاد عباس إلى روتينه اليومي، يطرق الباب فتخرج له إحدى النساء حاملة “بستلة” الألمنيوم، وتأخذ الحليب وهي تخفي نصف جسدها خلف الباب. والحق يُقال إن عباس لا ينظر إلى النساء ولا إلى داخل البيوت، ولا يشغله شيء عن حساب الأرطال وإدخال الفلوس في جِزلانه الكبير الذي يسع نصف يده.
لكنه على كل حال لم يكن قديسًا ولا متدينًا. كان حين يصل إلى الترعة الفاصلة بين الطريق الشمالي وبداية عمران المدينة، يتجاوزها بحماره القوي، ثم ينزل إلى حافتها، ويترك حماره يأكل من الحشائش، ويغرف من ماء الترعة أربع غرفات بعبوة الرطل إلى كل “تُمنة”، بعد أن يُغطّيها بالقماش الأبيض لضمان نقاء الماء.
استمر على هذا الحال سنوات طويلة دون أن يلاحظه أحد، فحاجز الترعة كان ساترًا مثاليًا، والماء النظيف لم يكن يثير الشبهة.
لكن في آخر مرة، سقط القماش الذي يُصفّي به ماء الترعة داخل “التُمنة” وهو يصب الرطل الأخير، فأدخل يده بحذر وأخرجه.
واصل طريقه ووزّع الحليب على البيوت حتى آخر منازل الموظفين عند بيت عبدالرؤوف كالمعتاد.
وحين أراد الانصراف قال له عبدالرؤوف: عندك حليب زيادة؟
أجاب عباس: عندي تقريبًا آخر رطلين في التُمنة.
صبّ عباس ما تبقى من الحليب في حلة عبد الرؤوف الكبيرة مباشرة من التُمنة، ثم ركب حماره ومضى.
في اليوم التالي، حين وصل إلى بيت عبدالرؤوف وطرق الباب بعصاه نقرات خفيفة، فتح له الباب غاضبًا وقال: إنت عندك نفس تجي تاني؟
رد عباس متعجبًا: في شنو؟ قول بسم الله.
قال عبدالرؤوف: بتزيد الحليب موية.. ومن ماء الترعة!
تظاهر عباس بالدهشة وقال: دا كلام شنو يا راجل؟ من وين جبت الكلام دا؟
قال عبدالرؤوف: دقيقة بس.
دخل البيت وعاد بعد لحظات يحمل حلّة الحليب، وقال بصوت أقرب للصراخ: شوف.
وأدار الحلة، فإذا بعيون سوداء وبنية تتجمّع في حلقات داخل سائل شفاف. اقترب عباس ونظر طويلًا ثم قال: ده شنو كمان؟
رد عبدالرؤوف غاضبًا: ده بيض ضفادع يا جاهل.. من الترعة!
ركل عباس حماره دون أن يتكلّم، واختفى من الحي منذ ذلك اليوم، دون أن يعود ليقبض حساب الشهر من الزبائن.

Leave a Reply