منتصر منصور
في تلك الليلة نام العنكبوت جائعًا، ولا يعرف كيف فقد خيوطه!
لقد اكتشف ذلك بعد أن لاحظ شيئين: أولهما كثرة الذباب من حوله، وانتهاء مخزونه من الحشرات الجافة المُحنَّطة التي من المفروض أن يستعملها للخريف القادم. لقد غضبت زوجته من استهتاره فهرب وترك لها البيت خشية أن تأكله، لكن، لحُسن الحظ لم تنجب هذا العام بسبب قلّة الغذاء، وإلا كانت ستلتهم أولاده أيضًا..
في مجمل الأمر صار يفكّر، يتخيّل أنه يبدو كقرص الشمس التي تبسط أشعتها المشابهة لإطلاق خيوطه، ولذا ليس من الجائز أن يظل بدونها، كأن الشمس ستتخلى يومًا عن أشعتها التي تيقظ باقي الكائنات، وقد تلمع بواسطتها خيوط يطلقها كل صباح ليعترض طرائده. يشرق يوم جديد فتنسلّ الأشعة، بيد أن أطرافه لم تنتج الخيوط، من المحتمل أن يسقط في أي لحظة داخل هوّة، وليست لديه أطراف يتعلّق بها أو يهرب؛ لأن أعداءه كثيرون، فهو صياد ماهر للغبينة..
بسبب الأفكار السوداء غلبه النوم، ربما الحلم قد يعيده لأماكن قديمة في مخيلته، ملأى بالصخور المهجورة والخيوط، خيوط تشبه أعمدة كهرباء يتنقّل بها، غير مرئية إلا لعالمه، نسيج يتركه يعتاش وينجب، ويصير مغبرًا لأجل صغاره. غضون الأفكار المنتابة له طنّت جواره ذبابة كاد أن يقفز ويلتقمها، لكنه تذكّر بأنه سيهوى من أعلى الشجرة ويدق عنقه، وهكذا أصبح كسولًا في طلب رزقه، يطعم بصغار حشرات تختبئ في لحاء الشجرة لا تسد رمقه..
لقد سمع صوت حركة بالقرب منه، وخشي أن عدوًا قد يتربص به، لكنها كانت (دودة قز) تنسج حريرًا ذا خيوط متينة، يراها مشغولة ولم تكترث له. لو كان يحيا بسلام مع الباقين لأعارته بعض خيوطها، لكنه غادر لِلغاية ولا تُؤمن غوائله، كما لن تنسى أنه فاجأ اثنين من صغارها ولفّ حولهما حبله الصيّاد، كبّلهما، ولم تقترب من عِشّته خشية أن تشتبك أطرافها بخيوطه اللزجة مثل صغارها، ربما تصير رهينة للسعاته المخدّرة وتموت، لذا لن تجعل من نفسها لقمة سائغة..
حينما أبصرته لم تتجاهله في أول الأمر، وقد يجول ببالها أنه فقد خاصية صنع الشباك، اختفت هاربة، ولا زال يحدّق فيها فابتسم بزهو آخر الأمر. في اليوم التالي عادت لغزلها فوجدته رابضًا بنفس الهيئة، لم تبدر منه حركة توحي بأنه قادر على الصيد، فتعجّبت من الأمر، رغم ذلك أخذت تنسج بحذر، وهكذا دواليك كل يوم. في المرة الرابعة تجاهلت وجوده وشرعت في عملها مطمئنة كأنه غير موجود، شعر بالحنق حيالها، أصابته غصّة جراء اختفاء مهابته، وحين أبصرت الذباب يحوم من حوله مع بعض الحشرات الصغيرة، شكّت أن العنكبوت أصبح عاجزًا، فتحوّل شعورها الخائف إلى شفقة، وربما بهذه الطريقة قد يتحوّل إلى الاحتقار والازدراء..
على أثر اكتشاف الأمر وحقيقته، وضعت دودة القز بيضاتها واثقة ولفّتها جيدًا، ثم شرعت في صنع رداء يحوي تلك البيضات وصعدت تجرّها إلى الأعلى، لعلّه قد يتأتى لهذا الوضيع القدرة فيعمد على تمزيقها، لذلك نجدها غاية في الحذر..
لا زال الذباب يستمتع بدورانه حول الفاقد خيوطه كأنه يلعب معه ويُحَنِّكه، في اليوم الأخير قرر العنكبوت أن يترك موقعه ويرتفع فوق الشجرة بحذر، لعله ظنّ أن موقعه مكشوف وربما يؤول لظهور عدو آخر أو منتقم، لكنه صادف دودة القز مرة أخرى، تقف أمام وجهه لتردعه بتحدٍّ، ترك التسلق وبات ينظر إليها بغرابة..
قال لها: ولو وجدت القوة، لالتهمتك أيضًا..
السؤال الذي يطرح نفسه في تلك اللحظة: كيف يجد القوة قبل أن تدرك باقي الكائنات أنه أعزل منها؟ نظر لها باستخفاف، لكنه تناسى أن دودة القز تقف أعلى منه. فجأة ألقت بنفسها فوقه كأنها تزمع الانتحار به، ولم يدرك أن تلك الخبيثة قد ربطت خصرها بخيط واستعملت وزنها لإسقاطه، فصاح سمعه وهو يهوي من أعلى الشجرة رنّة ضحكتها الساخرة، بينما لبثت تتأرجح حتى أمسكت بالشجرة من جديد وهي تصيح بانتشاء..
شعر العنكبوت بفراغ الهواء يعبر لأطرافه وهو يهوي، أيقن أنها النهاية ولن يتمسك بشيء، بدأ يتذكّر كل الكائنات التي اصطادها بدءًا من صغار الذباب، ذبابة الفاكهة، الناموس، البعوض، صغار دودة القز، الجراد، الديدان وغيرها..
مدّ أطرافه مستسلمًا لقدره، يتعيّن عليه أن يستقبل الموت بشجاعة، ولا يدري هل تتكفّل به الأرض فقط أم يصبح داخل بطون السحالي، أغمض عينيه بتركيز كأنه يتهيأ للحظة الأخيرة، فجأة شعر بشيء يزايل أطرافه، اندلعت من جسده مادة سائلة مشعّة كأنما ضخّتها قوة ما داخله، اندلعت بعد جفافها خيوط عديدة اشتبكت بالأشجار، لمعت كالبرق، أوقفت سقوطه اللامتناهي مثل مرجيحة شواطئ منسوجة يستلقي عليها البشر، لهذا صار راقدًا على النسيج كالمسترخي بعد أن سكنت أنفاسه وهو لا يصدق، أغمض عينيه سعيدًا، سطع ضوء الصباح لثاني يوم، في تلك اللحظة ظل العنكبوت نائمًا على شباك منعت ولوجه للهاوية، لم يستيقظ لضوء الشمس، لأنه أيقن أنه الشمس نفسها، ربما شعر بآخر أمل يتسلّق روحه وها هي أشعته متماسكة بقوة، ربما تجعله يلقي الضوء على حياته كلها.

Leave a Reply