عادل أحمد محمد
حين تسقط الأقنعة عن وجوه الساسة وتجار الحروب، تبرز أمامنا حقيقة واحدة لا شريك لها: المواطن السوداني هو الحلقة الأضعف في مخيلة النخبة، ودماؤه ليست سوى حبر يكتب به سماسرة السياسة عقود تسوياتهم الجديدة.
ما نعيشه اليوم من مشاهد مخزية لاستقبال قادة ومنشقي ميليشيا الدعم السريع بالأحضان والترحيب، تحت لافتة الانشقاق والعودة لحضن الوطن، ليس مجرد تكتيك عسكري كما يحاول البراجماتيون إقناعنا؛ بل هو طعنة نجلاء في خاصرة العدالة، وإهانة علنية لكل دمعة سُفِكت، ولكل عِرضٍ انتُهِك، ولكل منزل أُعِيد صياغة تاريخه بالنهب والتشريد.
هندسة التدوير وقذارة المشهد
كيف يستقيم في منطق الأخلاق، أو حتى في منطق الحروب، أن يتحول القاتل والمغتصب وناهب بيوت المواطنين ومُهجِّرهم بين ليلة وضحاها إلى قائد وطني غيور يُستقبل بالترحاب لمجرد أنه شعر بدنو أجله العسكري وقرر القفز من سفينة الميليشيا الغارقة؟
إنها البراجماتية القذرة في أبهى صورها؛ تلك العقلية التي لا ترى في مأساة المواطن المهجر والنازح سوى تفصيلة هامشية يمكن تجاوزها في غرف المفاوضات المغلقة. هؤلاء القادة، أمثال السافنا وبقال والنور قبة وغيرهم، لم يأتوا تائبين نادمين، بل جاءوا بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت عسكرياً، فقرروا إعادة تموضعهم تحت مظلة السلطة لحماية أنفسهم من المقصلة.
عقلية الكيزان وإعادة إنتاج الفشل
إن إعادة تدوير هؤلاء المجرمين تعيدنا بالذاكرة إلى نفس العقلية الإقصائية التدميرية التي أوردت السودان هذا المورد؛ عقلية النظام السابق، الكيزان، الذي صنع هذه الميليشيات أساساً، وسلحها، وأعطاها المال والجاه والسلطة لضرب الحركات المسلحة، ثم انقلب السحر على الساحر ليدفع المواطن البسيط الثمن من دمه وعرضه.
ذات العقلية التي أجهضت ثورات أكتوبر ونوفمبر وديسمبر عبر الالتفاف والتحالفات المشبوهة، تحاول اليوم صياغة مؤامرة جديدة. لعبة مكشوفة لا تحتاج إلى مجهر لتحليلها: تفكيك الميليشيا لا يعني منح صكوك الغفران لصناع المأساة. وإذا كانت الحرب خدعة، فإن الخدعة الأكبر هي أن تلدغ الدولة من الجحر ذاته للمرة الألف، وتظن أن بناء دولة القانون يمكن أن يتم بأيدي مَن هدموا بيوت المواطنين فوق رؤوسهم.
أين حق الحرائر ومنتلكات الشعب؟
نسأل بلسان كل مواطن سُلبت كرامته وشُرِّد من أرضه:
-
أين حق الحرائر اللائي اغتُصِبن وانتُهِكت أعراضهن؟
-
أين ممتلكات الشعب التي نُهِبت وشُحِنت جهاراً نهاراً؟
-
كيف يُسمح لمجرم حرب هارب من الهزيمة أن يجد في عاصمة البلاد ملاذاً آمناً، بينما أصحاب الحق الحقيقيون مشتتون في المنافي ومخيمات النزوح؟
إن التضحية بحقوق الضحايا وشراء الولاءات القبلية والعسكرية على حساب العدالة هو الوصفة السحرية لتأجيل الانفجار القادم، وتأسيس دورة عنف جديدة لن ترحم أحداً. فالعدالة لا تتجزأ، ودماء السودانيين ليست رخيصة ليتم التعامل معها كـ كرت تفاوضي أو طعم سياسي لتفكيك معسكر الخصم.
خاتمة لا بد منها
إذا كان الساسة والعسكريون يرون في هذا المستنقع ذكاءً تكتيكياً، فإن الشعب يراه خيانة وجودية. إن أي تسوية أو استيعاب لا يضع هؤلاء المجرمين خلف قضبان المحاكم أولاً، ومحاسبتهم على كل شبر نُهب وكل قطرة دم سُفكت، هو شرعنة للجريمة.
لقد سئم هذا الشعب من سياسة “عفا الله عما سلف” التي لم تورثنا إلا الدمار. وعلى من يديرون المشهد اليوم أن يعلموا أن كرامة المواطن وحقوقه هي الخط الأحمر الوحيد؛ وإن سقط هذا الخط، فلن تبقى دولة ليديروها، ولن يبقى شعب ليحكموه. والأيام بيننا، والأقنعة لن تدوم طويلاً.

Leave a Reply